Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مشهد السياسة الخارجية الأميركية في الشهور الأولى لإدارة بايدن

الغموض يحيط بمواقفها تجاه عدد من الملفات الداخلية والخارجية بينها كورونا والعراق وسوريا

إدارة بايدن تبدي درجة كبيرة مع عدم الوضوح في ملفات مهمة  (أ ف ب)

المؤشرات الصادرة من الإدارة الأميركية الجديدة تتضمن كثيراً من المفارقات، كانت هناك تصورات قبل تسلمها الحكم أنها ستنشغل كثيراً بعدد من الملفات الداخلية وعلى رأسها مكافحة كورونا، ولكن بايدن أيضاً اتخذ وبشكل شبه فوري عدداً كبيراً من قرارات السياسة الخارجية لإحداث تغييرات جوهرية في بعض الملفات بسرعة فائقة، على أنه من ناحية أخرى لعله من أقل رؤساء الولايات المتحدة حضوراً وحركة فيما يتعلق بحركة ونشاط السياسة الخارجية الأميركية في الشهور الأولى لرئاسته، كما تبدو درجة كبيرة من عدم الوضوح في عدد من الملفات الحيوية، وربما يسلط هذا الضوء على التحديات الكبيرة التي تواجه الولايات المتحدة في هذه المرحلة.

مظاهر المفارقات في أداء الإدارة الجديدة

عندما يستهل بايدن أيامه الأولى في البيت الأبيض بالتوجه إلى مقر وزارة الخارجية الأميركية ليلقي بيانه الأول في السياسة الخارجية وليشيد بأداء ودور الدبلوماسية الأميركية، فإنه أراد نقل رسالة مهمة تفيد بأنه يعيد بلاده إلى تقاليد المؤسسية الأميركية وإعادة الاعتبار إلى هذه المؤسسة الدبلوماسية التي تجاهلها ولم يكترث بها سلفه ترمب، بل وعاملها مثلما عامل باقي مؤسسات الدولة بتعال غير مسبوق، ولكن هذا المشهد الجدير بالتقدير والمعبر عن كثير من الدلالات، لا يستقيم مع أن بايدن لم يقم حتى الآن بأي تحرك سياسي خارجي مؤثر، سواء في عدد الزيارات المتبادلة أو في حتى الاتصالات التلفونية مع قادة مختلفين حول العالم.

مفارقة أخرى تتمثل في عدد القرارات الرئيسة الكبرى التي اتخذها بايدن في يومه الأول بالرئاسة وتتعلق بتغيير توجهات السياسة الخارجية، كان سلفه ترمب قد اتخذها عبر فترة ليست قصيرة من ولايته، ولكن الأول اتخذ قرارات العدول عنها في أول أيام ولايته، وكلها ذات طبيعة استراتيجية يتقدمها قرار العودة لاتفاقية التغير المناخي وتعيين مبعوث من الوزن الثقيل هو جون كيري وزير الخارجية الأسبق، والقرارات الأخرى تمديد معاهدة نيوستارت للحد من الأسلحة الاستراتيجية مع الاتحاد الروسي، وإلغاء رسوم الهجرة ومنع دخول بعض الجنسيات، وتعليق بناء الجدار الحدودي مع المكسيك وعودة مشروع قانون لإصلاح نظام الهجرة والعودة لمنظمة الصحة العالمية. وفي مقابل هذا يبدو هناك حالة من التباطؤ الملحوظ في معالجة عدد كبير من قضايا السياسة الخارجية.

تعدد ملفات ومعضلات السياسة الخارجية الأميركية

ربما تكون الخطوة الأولى لفهم هذه المفارقات بشكل منصف وموضوعي التنبه إلى أن أغلب القضايا تتسم بالصعوبة، ويؤكد هذا نظرة سريعة على أغلب الملفات، فمن أهمها كيفية التصدي والتعامل مع إيران، وتدور المفاوضات بشكل أساسي حول الملف النووي، بينما تدرك واشنطن أن الأمور أعقد من هذا، ولكنها لا تريد التورط في رفع سقف التوقعات مثلما فعل ترمب وفي النهاية لم يحقق شيئاً لوقف هذه السياسات العدوانية الإيرانية، بل كانت أكثر خطورة لحظة مغادرته، وزادت خطورة ملفها النووي. وربما تفوق خطورة هذا الملف، الاستراتيجية الأكبر لكيفية وقف والتصدي للصعود الصيني، وكما سبق وأشرنا هنا، فإن استراتيجية بايدن أكثر وضوحاً في أن العدو الاستراتيجي هو الصين وروسيا معاً، بينما كان ترمب يود أن يركز أكثر على الصين، وإيجاد صيغة للتعايش والتعامل مع روسيا، وبينما كان الأخير لا يبالي بالتضحية بمبادئ حرية التجارة الدولية في سبيل المواجهة مع الصين، فإن الإدارة الحالية تدرك محاذير وتعقيدات هذا وعدم استقامة هذا المنطق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولدى بايدن معضلة أخرى في أفغانستان، والخيارات أمامه محدودة في ضوء الاتفاق الذي وقعته الإدارة السابقة، وأنه أياً كانت النتائج فأمام الولايات المتحدة تحد كبير وخيارات ضيقة ما بين استمرار استنزافها وحلفائها اقتصادياً بشكل أساسي وعسكرياً باستمرار وجود عسكري لمنع "طالبان" من السيطرة على العاصمة ومرافق رئيسة أو الانسحاب والتسليم بالهزيمة وإهدار تريليوني دولار أُنفقتا في هذه الحملة العسكرية وانتهائها بعودة "طالبان" للسيطرة على البلاد، وتصريحات وزير الخارجية، أخيراً، تشير إلى تفضيل الإدارة الجديدة المضي قدماً في تنفيذ خطة ترمب، وهي خطة الأرجح أن تبنيها كان يحتاج لسياسي من نمطه.

الغموض وعدم التبلور

في أكثر من موضوع يمكن للمراقب أن يلحظ حالة الغموض في السياسة الأميركية الحالية، وفي مقدمتها ملفات كالعراق وسوريا، ففي العراق تواصل الانسحاب، الذي يدعم موقف إيران التي تتواصل جولات التفاوض معها لإيجاد مخرج لأزمة الملف النووي، وكأن مجمل سياسات أميركية وغربية أخرى تنتهي بتسليم مزيد من المشرق العربي لطهران، وفي سوريا واضح أنها عادت لسياسات التصدي المحدود لنجاح روسيا وكذا الضغط على نظام الأسد، دون أفق محدد، ولا حلول بعيدة الأجل لكيفية التعامل مع هذا النظام.

أما بالنسبة للقضية الفلسطينية، فمن الواضح أن الإدارة الجديدة تدرك مساحة حركتها المحدودة، وخلاصتها إزالة الأضرار التي سببها ترمب قدر الممكن، ومن هنا كانت الخطوة البارزة ليس فقط في استئناف مساعدات واتصالات مباشرة، وإنما الأهم العودة لتقديم المساعدات للأونروا (منظمة الأمم المتحدة لغوث اللاجئين الفلسطينيين)، ولتصبح واشنطن مرة أخرى الداعم الرئيس لهذه المنظمة الدولية، ولتعلن من جديد دعمها حل الدولتين، وتقف عند هذا الحد مدركة بوضوح لضيق مساحة حركتها في ضوء أزمة السياسة الإسرائيلية وعدم إمكانية إطاحة نتنياهو حتى الآن، واستمرار هيمنة اليمين الإسرائيلي، وأن خيارات الضغط الجادة عليها غير متوافرة حالياً، وتحتاج إلى وقت وزخم لا يناسبه تعقد كل ملفات الداخل والخارج الأميركي، فضلاً عن الضعف العربي والفلسطيني الراهن.

كلما عرفت كان الأمر أصعب

أحاط بايدن نفسه بمجموعة كبيرة من الخبراء في عالم الدبلوماسية والأكاديمية، وكذا الناشطون في مجالات الحقوق المدنية، وكثير منهم يجمع خلفيات متعددة أيضاً، ويدركون صعوبات التحرك أمام هذه التحديات الصعبة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه من الواضح أن التفكير يتجه إلى صياغة رؤية أيديولوجية مركبة تقوم على أساس مفاهيم حقوق الإنسان، كمنظومة ورؤية لحشد الحلفاء خلف واشنطن ضد كل من الصين وروسيا معاً، وهي مسألة أكثر تعقيداً وصعوبة مما قد تبدو للوهلة الأولى، وربما تستحق وقفة مستقلة، وفي جميع الأحوال تبدو الإدارة الجديدة في حالة بلورة وتطوير للمفاهيم ما يجعلها بطيئة.

ويزيد من تعقيد الحركة كوفيد 19 ومحاذيرها، فبايدن الذي أدار جانباً كبيراً من حملته حول فشل ترمب في التصدي لكورونا والاستهانة بها ما كلف بلاده كثيراً، فإنه من ثم لا يريد أن يبدو متحركاً بلا حذر في هذه المرحلة قبل تقدم حملات التطعيم الأميركية وحول العالم وخصوصاً الغربي. ربما كان هذا ما يفسر بدرجة ما أسباب البطء الملحوظ في حركة الرئيس الأميركي الجديد، ولكن هذا لا يعني أنه عندما سيبدأ النشاط، إذا فعل، سينجح في مواجهة هذه التحديات الصعبة فهذه مسألة أخرى ستحتاج إلى وقت ومتابعة.

المزيد من تحلیل