Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ملك لي"... تقرير أممي يرصد حق المرأة في جسدها

يتناول قضية شائكة تحرج البعض وترعب الآخر وتدفع فريقاً عريضاً للهجوم بغرض الدفاع درءاً لأبواب النقاش

الأمم المتحدة تطالب المجتمعات بحق المرأة في تقرير مصيرها  (أ ف ب)

معركة حامية الوطيس تدور رحاها في جميع أنحاء العالم حول الجهات المالكة لجسد المرأة. هناك من يقول إنه ملك الجميع، لذلك ينبغي عرضه طيلة أيام الأسبوع. وهناك من يجزم أنه ملك لأبيها وأخيها وجدها وخالها وعمها، وفي ما بعد لزوجها، بالتالي لهم أن يقرروا ما يفعلون به وقتما يشاءون. وهناك من يقترح أن يتم فتح باب العطاء وتوسعة مجال الملكية بحيث تتمكن صاحبة الجسد من امتلاك عدد من الأسهم شرط ألا تمكنها من اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق به.

حق تقرير المصير

"المطالبة بالحق في الاستقلال الذاتي وتقرير المصير" ليست مطالب شعب واقع تحت الاحتلال أو قبيلة تتعرض للظلم. إنه موضوع التقرير السنوي الذي يصدر عن "صندوق الأمم المتحدة للسكان" عن حالة السكان في العالم ويصدر هذا العام تحت عنوان "جسدي ملك لي". يتناول التقرير قضية شائكة تحرج البعض وترعب الآخر وتدفع فريقاً عريضاً للهجوم بغرض الدفاع درءاً لأبواب النقاش ووأداً لاحتمالات التفكير.

إنها المرة الأولى التي يسلط فيها تقرير أممي الضوء على فكرة الاستقلالية الجسدية، التي يؤدي غيابها إلى عديد من أوجه عدم المساواة والعنف. ملايين البشر محرومون من حقوق بديهية، مثل اختيار شريك الزواج أو تقرير توقيت الإنجاب أو حتى أن يكون لهم (أو بالأحرى لهن) الحق في رفض العلاقة الحميمة.

فمثلاً، عدم قدرة المرأة على الحصول على وسائل تنظيم الأسرة يؤدي إلى حمل غير مخطط واضطرار لخوض حياة لا ترغبها، وربما الخضوع لمقايضات هي في غنى عنها. وقد تجد النساء أنفسهن مضطرات لقبول نمط حياة أو علاقة لا يرغبنها في سبيل تأمين سقف يؤويهن وطعام يبقيهن وأطفالهن على قيد الحياة.

سلسلة الخضوع وترسانة الأعراف

والسلسلة متصلة، فما سبق يؤدي إلى خضوعهن للختان وزواج الطفلة والسكوت على العنف المنزلي والحمل والإنجاب غصباً وهلم جرا. ويذهب التقرير إلى أن المرأة التي لا رأي لها في الإنجاب من عدمه، أو موعد الحمل، أو عدد الأطفال، أو سن الزواج، أو مواصلة الدراسة عادة تقبل العنف الأسري باعتباره مصيرها المحتوم، والعكس صحيح.

وضمن أبرز العراقيل التي تواجهها النساء لحماية أنفسهن ترسانة الأعراف الاجتماعية التمييزية حيث جرى العرف على أن حق تقرير مصير النساء يكمن في أيادي من حولها من رجال. وعلى الرغم من الضمانات الدستورية للمساواة بين الجنسين في عديد من بلدان العالم، إلا أن المرأة لا تتمتع في المتوسط إلا بنحو 75 في المئة من الحقوق المكفولة للرجال. وحتى قدرة المرأة على التصدي لهذا الإجحاف ضعيفة، نظراً لقلة تمثيلها في اتخاذ القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي.

تعليمياً، لا تجد أي مادة من المواد المدرسة في المدارس معارضة من الأهل باستثناء مادة التربية الجنسية حال وجودها. هذه التربية يفترض أن تمنح الطالب والطالبة توعية دقيقة عن جسد الفرد وصحته والصحة الإنجابية، لكن حال تدريسها غالباً تكون منقوصة درءاً للحرج أو الاعتراض أو كليهما. وهذا يترك المراهقين والشباب غير مستعدين للتغيرات التي تحدث لأجسادهم.

لا للتربية الجنسية

ويشير التقرير إلى أن معارضي تدريس التربية الجنسية يجادلون بأن تدريس هذه المعلومات تروج للنشاط الجنسي، لكن الحقيقة تشير إلى العكس، إذ تؤدي إلى تحسين معارف الشباب وتقيهم مشكلات الحمل المبكر وعدوى الأمراض الجنسية وغيرها.

المعلومات المتوافرة تشير إلى أن 55 في المئة فقط من النساء يتمتعن بتمكين كامل يسمح لهن باتخاذ قراراتهن في شأن الرعاية الصحية والحصول على وسائل تنظيم الأسرة، ويكن قادرات على الموافقة أو الاعتراض على العلاقة الحميمة. و71 في المئة من الدول تضمن حصول النساء على خدمات رعاية الأمومة الشاملة. و75 في المئة من الدول تتيح وسائل تنظيم الأسرة إتاحة كاملة ومتساوية للجميع. ولدى 80 في المئة فقط من الدول قوانين تدعم الصحة والعافية الجنسيتين لمواطنيها. أما القوانين والسياسات التي تدعم التربية الجنسية الشاملة، فلا توجد إلا في 56 في المئة فقط من الدول.

هل يثار غضبنا؟

المديرة التنفيذية لصندوق الأمم المتحدة للسكان ناتاليا كانيم تقول، "عدم قدرة 50 في المئة من النساء على اتخاذ قراراتهن الخاصة بممارسة العلاقة الحميمة أو استخدام وسائل تنظيم الأسرة أو التماس الرعاية الصحية يجب أن يثير غضبنا جميعاً. مئات الملايين من النساء والفتيات لا يمتلكن أجسادهن، بل يتحكم أشخاص آخرون في حياتهن".

التحكم في حياة النساء والفتيات متعدد السبل وذو أفق متسع. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن القوانين المعمول بها في 20 دولة حول العالم، تتيح للمغتصب أن يفلت بجريمته في حال تزوج الأنثى التي اغتصبها. وتقيد 30 دولة تحرك المرأة خارج البيت. كما أن الفتيات والفتيان من ذوي الإعاقات أكثر عرضة للعنف الجنسي من غيرهم بثلاثة أضعاف، لا سيما الفتيات.

التعليم وحق اتخاذ القرار

ويرى التقرير علاقة وثيقة بين مستوى التحصيل العلمي للمرأة وقدرتها على اتخاذ قراراتها بنفسها. كما أن المستوى العلمي لشريكها يرتبط ارتباطاً إيجابياً بمشاركتها في القرارات المتعلقة بتنظيم الأسرة والرعاية الصحية. والمرأة التي يقل مستواها العلمي عن زوجها تكون أكثر عرضة للعنف الجنسي.

شكل آخر من أشكال العنف الجنسي يتجسد في الزواج القسري أو زواج الأطفال، حيث حرمان الأنثى من اتخاذ قرار مستنير يتعلق بشريك الحياة. وتشير تقديرات "منظمة الأمم المتحدة للطفولة" (يونسيف) إلى وجود نحو 650 مليون امرأة متزوجة قبل سن البلوغ ونحو 12 مليون امرأة متزوجة دون سن الـ18 عاماً.

الرق الحديث

مفاجأة التقرير تكمن في الرق الحديث. وتشير تقديرات منظمة الأمم المتحدة إلى خضوع نحو 40 مليون نسمة لشكل من أشكال الرق الحديث، وعلى الرغم من غياب المصطلح من النصوص القانونية الحديثة، إلا أنه موجود على أرض الواقع حيث ممارسات العمل القسري وعبودية الدين والاتجار في البشر. وفي هذه الحالات، تنعدم قدرة الشخص على الرفض أو المغادرة. وهناك خمس ضحايا للرق الحديث بين كل ألف شخص على مستوى العالم، وواحد بين كل خمس ضحايا طفل، وأكثر من سبع ضحايا بين كل 10 إناث.

وطالما الحديث عن الإناث، فلا بد أن يكون لجرائم الشرف مكان. يلفت التقرير إلى أن الخوف المستمر من تعريض "شرف" الفتاة وأسرتها للخطر والخوف من "تدنيسه" يدفع بعض الأسر إلى اتخاذ قرارات الزواج المبكر أو غير المبكر لهن.

الجائحة المستترة

وتحدث جرائم "الشرف" في المجتمعات التي تعتبر "شرف الأسرة" أهم من حياة الأثنى. ولـ"قانون الشرف" معايير صارمة تجاه "عفة" النساء، إذ يتوجب على الرجال من حولها ممارسة العنف لصون شرفه وشرف الأسرة. وعلى الرغم من صعوبة الحصول على أرقام تتعلق بـ"جرائم الشرف" إذ إن كثيراً منها لا يتم الإبلاغ عنه، إلا أن التقديرات تشير إلى وقوع نحو خمسة آلاف جريمة شرف كل عام، أغلبها في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا. و58 في المئة من النساء ضحايا تلك الجرائم يتم قتلهن على أيدي الزوج أو فرد من أفراد الأسرة. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النوعية من الجرائم تفاقمت في عصر كورونا، حتى باتت أشبه بـ"الجائحة المستترة" في زمن الجائحة الكبرى.

الزواج بالمغتصب

الجائحة المستترة لها وجه آخر يتصور البعض أنه أكثر رحمة، حيث تسمح القوانين في عديد من الدول للمغتصب بالزواج من ضحيته كوسيلة لتبرئته من العقوبة. يحدث ذلك في دول مثل الجزائر وإريتريا وغزة والكويت وليبيا والبحرين وسوريا وأنغولا والعراق وبوليفيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يشار كذلك إلى أن العنف الجنسي، لا سيما الذي يمارس في أوقات الطوارئ كثيراً ما يدفع المرأة والفتاة إلى الفرار من بيتها. ومعروف أن الفتيات والنساء في البلدان التي تشهد طوارئ أو صراعات هن أكثر الفئات المعرضة لخطر العنف الجنسي.

الاغتصاب والاعتداء الجنسي من أشكال العنف التي تمارس ضد النساء في أرجاء العالم، لكن في بعض المجتمعات، يوجه اللوم للأنثى المغتصَبة بذريعة إغوائها للمعتدي أو المغتصب بسبب تصرفاتها أو ملابسها أو لوجودها في مكان غير مناسب أو وقت غير مناسب أو لاكتمال نضجها الجسدي في سن مبكرة. وغالباً تستخدم هذه الذرائع في تخفيف الأحكام الصادرة في حق المعتدي والمغتصب، وربما تبرئتهما. ويشير التقرير إلى أن عديداً من حوادث الاعتداء الجنسي تحدث أيضاً بسبب نموذج ذكوري ثقافي مهيمن، وإجبار الجميع نساء ورجالاً على اعتناقه، حيث المرأة تابع مخصص للجنس، والرجل غير المتزوج يفتقر إلى الرجولة أو الذي لم يخض علاقة جنسية عديم الرجولة وغيرها.

الختان للكبح

شكل آخر معروف من أشكال العنف الوارد ذكره في التقرير الختان أو تشويه الأعضاء التناسلية للإناث. وهذه من المرات القليلة التي تتم فيها الإشارة إلى جانب يخشى كثيرون التطرق له في الختان، ألا وهو اعتقاد المجتمعات المحافظة أن كبت الرغبات الجنسية للمرأة يحقق العفاف والشرف والفضيلة للمجتمع. وقد جرى العرف الحقوقي على قصر حديث ختان الإناث على أضراره الجسدية فقط، وذلك لأن الحديث عن الحياة والرغبات الجنسية للإناث "تابو".  

ويرى التقرير أنه يجب على الحلول الحقيقية أن تأخذ في عين الاعتبار احتياجات المتضررين وخبراتهم. تقول نالتاليا كانيم، إن "الحرمان من الاستقلالية الجسدية انتهاك لحقوق الإنسان الأساسية للنساء والفتيات، ومعزز لأوجه عدم المساواة، ويديم العنف الناجم من التمييز القائم على النوع الاجتماعي. وهذا إبادة للروح".

إبادة الروح

الوقاية من إبادة الروح قابلة للتنفيذ. المواثيق الحقوقية الأممية وقرارات اللجان المعنية بحقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية المعترف بها من قبل أغلب دول الأرض، فيها ما يكفي لضمان حماية الروح حال تطبيقها. فاتخاذ الفرد قراراته بنفسه، وطلب المعلومات وتلقيها، والاستفادة من الخدمات المتعلقة بالأمور الإنجابية والجنسية جميعها حقوق معلومة ومدرجة ضمن الحق في الصحة. كما أن التمتع بالصحة الجنسية والإنجابية لا غنى عنه لاستقلال الفرد الذاتي. والحق في اتخاذ القرارات والخيارات بحرية وبشعور شخصي بمسؤولية الشخص تجاه نفسه بلا عنف أو إكراه أو تمييز، والحق في إتاحة الوصول بلا عوائق إلى كل المنشآت والمنتجات والخدمات والمعلومات الصحية هما وجهان لعملة إنسانية واحدة.

استثمار وموارد

وتظل إزالة العوائق أمام تحقيق المساواة وتمكين الأفراد من استقلاليتهم في اتخاذ القرار والوصول للمعلومات والخدمات، تتطلب استثماراً ضخماً ومستمراً في التعليم والصحة. المشكلة الأزلية تبقى ضعف التمويل وقلة الموارد المتاحة سواء في خطط العمل الوطنية المعنية بالمساواة بين الجنسين أو منظمات المجتمع المدني المعنية بالمرأة، لا سيما في زمن الوباء، وإن كانت مشكلة التمويل قائمة من قبل.

وينبه التقرير أنه على الرغم من زيادة الحاجة إلى هذه الخدمات في زمن كورونا، إلا أن ذلك لم تواكبه زيادة في المخصصات، بل على العكس من ذلك، فقد توقف عديد من المنظمات المعنية بالقضاء على العنف ضد المرأة بسبب الأزمات الاقتصادية التي نجمت من همينة الوباء.

جيل المساواة

ويطالب التقرير الحكومات والمؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والمجتمعات المحلية والعائلات والرجال، بالقيام بأدوارهم كاملة في سبيل دعم حقوق المرأة والتوسع في جهود القضاء على التمييز. ويتساءل، "وكيف لا يفعلون ذلك، وقد ظهر "جيل المساواة" الجديد، وهو جيل لن ينتظر حدوث التغيير".

"جيل المساواة" هو حملة شنتها الأمم المتحدة وتجمع صناع التغيير من جميع الأعمار والأجناس لمعالجة الأعمال غير المكتملة المتمثلة في تمكين المرأة، وتعمل تحت شعار "جيل المساواة، إعمال حقوق المرأة من أجل مستقبل متساو".

ويشار إلى أن أعداداً متزايدة من النساء والرجال والشباب والشابات باتوا اليوم أكثر قدرة على الحديث والتعبير عن أنفسهم وعن أولئك الذين تعرضوا للإسكات والوصم والفضيحة. نسبة كبيرة منهم تنتمي لجيل جديد يغتنم الفرصة لإعادة تصور الاقتصادات والمجتمعات والأنظمة السياسية، لتكون أكثر تمسكاً والتزاماً بحقوق الإنسان وتحقيق المساواة.