Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسلسل ليوناردو يفكك شيفرة حياة دافنشي الجنسية والفنية

الإنسان داخل الرسام الأسطوري مجهول ولطالما راج أنه مثلي لكن العمل التلفزيوني الجديد يقدمه في رؤية مغايرة من بطولة إيدن تيرنر

مشهد من المسلسل (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية ـ أمازون برايم)

ما زال ليوناردو دافنشي من أكثر الشخصيات الآسرة في التاريخ، ذلك إنه رجل عصر النهضة النموذجي. لقد امتلك خبرة في مجالات تشمل الهندسة، وعلم التشريح، وعلم الفلك، وعلم النبات، إضافة إلى كونه بالطبع فناناً بارعاً، ويمتلك لحية لا تقل روعة. وتناولت أعمال متخيلة عدة أسطورته وكيفتها بطرق مختلفة، إذ وضعته رواية "شيفرة دافنشي" للكاتب دان براون في قلب مؤامرة دينية عالمية. وظهر في مسلسل "شياطين دافنشي" متورطاً في صراعات سياسية تخفي جوانب غامضة خارقة في الطبيعة. حتى إن سلسلة الرسوم المتحركة "فيوتشوراما" اقترحت أن دافنشي كائن فضائي أرسل إلى الأرض من كوكب تسكنه كائنات فائقة الذكاء. وبالنظر إلى عبقريته التي تجاوزت حدود الكرة الأرضية، لا يبدو أن تلك الفرضية مستحيلة جداً.

يندرج مسلسل "ليوناردو" الذي ستطرحه خدمة "أمازون برايم" للمشاهدة، بين الأعمال القليلة التي تحاول الوصول إلى جوهره الحقيقي، إذ تتابع السلسلة المتخيلة حياة الفنان على مدار عقدين من الزمن تقريباً حينما كان شاباً نشطاً جنسياً. ويؤدي الممثل إيدن تيرنر، نجم مسلسل "بولدارك" شخصية دافنشي نفسه، بينما تؤدي ماتيلدا دي أنجيليس، من مسلسل "الإبطال" The Undoing دور كاترينا دا كريمونا، صديقته المقربة والعارضة المتعاطفة التي عملت معه. ثمة قدر لا بأس به من حرية التصرف الإبداعية في حياة دافنشي، تظهر جلية في طرح مؤامرة مختلقة بالكامل عن تهمة بالقتل، وتشكل محور الحلقات الثماني للمسلسل. وكذلك أعيدت صياغة الجوانب الأخرى من شخصية الرجل، بما في ذلك عمله وحياته الجنسية، بدقة وأمانة للحقيقة.

فرانك سبوتنيتز الذي كتب العمل بالتعاون مع ستيف طومسون، يذكر أن "مسلسل "ليوناردو" شكل مصدر راحة بالنسبة لي، إذ يصد الآن وسط وباء عالمي، وعقب سنوات من البؤس مرت بها دول كثيرة ف العالم. لقد ذكرني بأفضل ما في الحضارة الغربية. أعتقد أن ليوناردو يعبر عن أفضل ما لدينا حقاً، إذ إن القاعدة الصلبة لما هو جيد في الحضارة الغربية تتمثل في ليوناردو. ويستكشف هذا العمل ما كان عليه الرجل وما يمثله، ويقارن بين حال العالم قبل دافنشي وما هو عليه الآن".

ما الذي جعل تيرنر الخيار المناسب لأداء دور دافنشي؟ أولاً، إنه معروف بوسامته، وصدقوا أو لا تصدقوا، غالباً ما كان يجري الحديث عن دافنشي في الكتب بأنه رجل جذاب للغاية. وكذلك فإن تيرنر رسام شغوف، على الرغم من أن فرائصه ترتعد لمجرد فكرة المقارنة بين "خربشاته العبثية على القماش" والرجل الذي أبدع لوحة الموناليزا. إنه ممثل إيرلندي، على الرغم من أنه يستخدم اللكنة البريطانية الشائعة في المسلسل (العمل إنتاج دولي مشترك، ويقدم مزيجاً من الأصوات الأوروبية). وبحسب تيرنر: "في عالم مثالي، يجب إنجاز هذا العمل باللغة الإيطالية فحسب، على ما أعتقد. لكن، كم عدد الأشخاص الذين سيشاهدون العرض حينها؟ ربما كنت سأؤدي الشخصية بلكنتي الأصلية، لكنها قد تشتت الانتباه. لذا، نعمد نوعاً ما إلى اختيار الشيء الأكثر منطقية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فريدي هايمور، المنتج المنفذ للمسلسل ويؤدي أيضاً دور المفتش ستيفانو جيرالدي، ضابط شرطة من ميلانو يحقق في مزاعم القتل، يرى أن قدرة تيرنر على التقاط جانبين متناقضين من شخصية دافنشي جعلته مناسباً لهذا الدور. ويوضح "ثمة حدة في دور ليوناردو. بالطبع هنالك العقل الشرس، لكن في بعض الأحيان، عندما يقطع المسلسل أشواطاً، ونرى الرجل ينمو إلى الشخصية التي نعرفه بها، نرى غطرسته واعتقاده أنه يعرف أفضل من أي شخص آخر. أعتقد أن هذا الجانب مطلوب في تحدي وجهات النظر (العلمية والفنية) والوضع الذي كان سائداً في ذلك الوقت، لكن إلى جانب ذلك، هنالك شعور بالرقة يجلبه إيدن إلى شخصيته. كان ليوناردو شخصاً عاطفياً وروحانياً بشدة".

في جزء كبير من بداية المسلسل، نرى دافنشي يواجه صعوبات مع عائلته وميوله الجنسية. يستخدم هايمور تعبير "الفنان المعذب" في وصفه، على الرغم من أن سبوتنيتز يصر على أنه أصر على تجنب الاختزال. ووفق كلماته "لقد كنت مرعوباً تماماً من تحويل صورة الرجل إلى كليشيه، أو شيء تافه. يشبه ذلك القول "حسناً، السبب في عبقريته أنه طفل غير شرعي، وأن والده تخلى عنه، وأنه رجل مثلي الجنس". من السهل جداً تأطير الأشخاص وتبسيط وجودهم. لا. لقد كان عبقرياً فحسب. في نهاية المطاف العبقرية أمر محير. إنها لغز. لا يمكن تفسيرها أو اختزالها حقاً. ما نحاول فعله يتمثل في إظهار إنسانية شخص ما وضعفه وألمه".

ثمة اتفاق بين طيف واسع من المؤرخين على أن دافنشي مثلي الجنس ودخل في علاقات مع مساعديه، على الرغم من أن المعالجات الدارمية المبكرة للشخصية قد أغفلت هذه الحقيقة، وفق ما يمكن توقعه. وجاءت الصياغة التي جسدها مارك رايلانس للفنان في السلسلة القصيرة "ليوناردو: مايكل أنجلو الإلهي" Leonardo: The Divine Michelangelo في 2003، بوصفها أول تصوير على الشاشة يستكشف مثليته [دافنشي] الجنسية. وكذلك شكلت ميوله الجنسية جزءاً كبيراً من مسلسل "ليوناردو" الجديد. وبحسب تيرنر "سيكون من الغريب عدم تضمين هذا الجانب. سيبدو الأمر غريباً جداً. نأمل أن يحدث هذا التغيير في الدراما التاريخية، بالترافق مع تغيره في الأنواع الدرامية الأخرى".

في الحلقة الأولى، يتناول المسلسل الميول الجنسية لدافنشي على استحياء، لكنها تصبح أكثر وضوحاً في الحلقة الثانية، التي تصور حادثة واقعية اتهم فيها دافنشي باللواط (وفق سجلات المحكمة). وقد صيغ الاتهام في المسلسل كي يبدو كأنه ادعاء موجه من منافس غيور، لكن الواقعة حقيقية في ما عدا ذلك. لقد أثارت السلسلة بالفعل انتقادات من جوناثان جونز عرضها في صحيفة "غارديان" بسبب تركيزها على علاقة مفترضة تماماً بين دافنشي وكاترينا دا كريمونا، التي لا يعرف عنها أي شيء تقريباً، بدلاً من النساء اللاتي جرى التثبت منهن تاريخياً، أو في الواقع على علاقاته الرومانسية مع الرجال.

ويرى هايمور أن الحبكة الرئيسة "قصة حب أفلاطونية"، تستند إلى "ذرة من الحقيقة" عمد الكاتبان إلى تضخيمها. وتشمل الأسباب الأخرى في اختيارها، تضمين المسلسل حضوراً نسائياً أكبر. ويتابع هايمور "لقد استعرضنا قوائم الأشخاص الذين كانوا مهمين بالنسبة إلى ليوناردو، وظهرت بينهم دا كريمونا. كانت مهمة ولا نعرف السبب. من المهم فعل ذلك الأمر، أي تمثيل النساء في العمل وإظهار أننا نعلم أنهن مهمات، لكن كتب التاريخ في ذلك الوقت لم تكلف نفسها عناء توثيقهن. في هذه الحالة، شكلت [دا كريمونا] المفتاح لدخول قلبه واستكشاف إنسانيته. ليس بطريقة جنسية، ولكن بطريقة إنسانية. إنه الرجل الذي ليس لديه عائلة. إنه يصنع عائلته الخاصة، التي تبدو معاصرة ومؤثرة للغاية".

ويضيف هايمور أن الجانب الأفلاطوني للعلاقة يجعل تأثير القصة معاصراً: "أعتقد أنه في كثير من الأحيان عندما تكون هناك علاقة بين رجل وامرأة على الشاشة، يشعر المشاهد أنها غير مكتملة ما لم تتخذ منحى جنسياً أو رومانسياً. هذه قصة حب رائعة بين شخصين هي في الواقع رومانسية، حتى لو لم تكن بينهما تلك الرغبة الجنسية."

ومن المحتمل أن يشارك بعض المشاهدين ناقد صحيفة "غارديان" شعوره بالإحباط بسبب تخصيص حيز كبير من الوقت لعلاقة أفلاطونية متخيلة بين الرجل والمرأة، لكن المسلسل على الأقل لا يرتكب خطأ إخفاء هوية دافنشي الجنسية. ومن خلال استكشافه الذكورة والعائلة التي اختارها الفنان، يتطرق العمل إلى مواضيع يمكن أن تلقى صدى لدى جماهير المثليين.

ويضيف سبوتنيتز: "إنه ليس فيلماً وثائقياً. سأقولها بصراحة، إنه عمل ترفيهي. عندما يتعلق الأمر بالجانب الفني والعلمي، أنجزنا أبحاثاً كثيرة وحافظنا على الدقة والتبصر في أسباب تحقيقه إنجازاته وكيفية ذلك. في المقابل، في شأن التوصل إلى الحقيقة الإنسانية في ليوناردو، عليك أن تختلق بعض العناصر. وببساطة، يحتوي التاريخ على كثير من الفجوات التي لا نعرفها."

يتذكر تيرنر متحف اللوفر الذي يحتوي لوحة الموناليزا، وفق ما هو معروف: "لقد أقيم معرض استذكاري في متحف اللوفر قبل أن نبدأ التصوير مباشرة. وتمكنت من مشاهدة لوحاته ضمن عرض خاص. لقد عدت إلى هناك مرة تلو الأخرى. كنت وحدي مع لوحاته، في معظم الزيارات. بعض أشهرها، كتلك التي تراها في الموسوعات أو على أجهزة الكمبيوتر أو في الصحف أو أي مكان آخر، لا تمكنك من الشعور بحقيقة وزن لوحاته. إنها أعمال هائلة. لدينا أعماله، ولدينا دفاتر ملاحظاته. لدينا ما تركه كعالم نبات ومهندس وفيلسوف. لدينا تلك الأشياء كلها. إذا بدأت مما توفر لدينا، فمن الصعب أن تعرف ما هي طبيعة هذا الشخص. يصبح كل شيء كبيراً جداً ومخيفاً. وبعد ذلك، أنت لا تدرك أي شيء عنه بالفعل. ليس لديك سوى أعماله، التي هي كل شيء، لكنك لا تجد شيئاً عن الرجل نفسه."

قد لا يغوص مسلسل ليوناردو إلى أعماق حياة دافنشي، لكنه يقدم محاولة جادة وحسنة النية. تمكن سبوتنيتز وزملاؤه، من خلال المزج بين البحث الدقيق والتكهنات الصرفة، من رسم نسخة عن الفنان تحتوي على مجموعة من التفرعات، تشمل إنه معذب لكنه رائع، متعجرف لكن ضعيف. إنه إنساني لكنه ما زال، على الرغم من جهودهم، غير معروف.

عرض مسلسل "ليوناردو" عبر خدمة "آمازون برايم" في 16 أبريل (نيسان).

© The Independent

المزيد من فنون