Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف كشف انهيار "غرينسل" عن احتمالات الفساد في الحكومة البريطانية؟

رئيس وزراء سابق ووزير خزانة حالي وموظفون حكوميون كبار موضع تحقيقات البرلمان

عمل رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون مستشاراً للشركة لكنه نفى ارتكابه أي خطأ (أ ف ب)

ما زال انهيار شركة "غرينسل كابيتال" الشهر الماضي يتفاعل في بريطانيا، ربما أكثر من أستراليا، حيث المقر الرسمي للشركة التي أسسها ليكس غرينسل قبل نحو عشر سنوات. ولم يعد الأمر مقتصراً على التداعيات المالية والاقتصادية لوضع الشركة تحت الحراسة، وإنما ما أبرزته الأزمة من مخالفات تشير إلى احتمالات فساد حكومي بعد الكشف عن عمل رئيس الوزراء السابق، ديفيد كاميرون، مستشاراً للشركة، وكذلك صداقته مع صاحبها، ليكس غرينسل، بالإضافة إلى عدد آخر من الموظفين الحكوميين.

أما مالياً واقتصادياً، فالأزمة تتجاوز أعمال الشركة الرئيسة في لندن، وتطاول شركة الصلب البريطانية "جي أف جي" لصاحبها سانجيف غوبتا، الذي يعتمد على تمويل الشركة المنهارة منذ 2016.

ووفق ما توفر مما هو منشور في المجال العام في صحف أسترالية وبريطانية، منها "الغارديان أستراليا" و"الصنداي تايمز"، والبيانات الرسمية والتصريحات الصحافية للمسؤولين يمكن تلخيص كيف كشف انهيار غرينسل عن الفساد في الحكومة البريطانية. والآن، هناك أكثر من تحقيق برلماني، إلى جانب لجنة تقصي حقائق شكلها رئيس الوزراء بوريس جونسون، لبحث مسألة عمل الموظفين الحكوميين لدى شركات وأعمال خاصة أثناء تأدية وظائفهم الحكومية، وكذلك مسودة ممارسات الوزراء والمسؤولين السابقين في الضغط لصالح الأعمال الخاصة.

ما هي "غرينسل"؟

"غرينسل كابيتال" هي شركة لتمويل سلاسل التوريد، يعتمد نظام عائداتها بالأساس على رسوم كبيرة تتقاضاها من تغطية فواتير الشركات والأعمال، وحتى الجهات الحكومية، للموردين إلى أن تتمكن تلك الشركات والجهات من الدفع. وهي طريقة أقرب لإقراض الأشخاص رواتبهم في وقت مبكر من الشهر حتى يأتي ميعاد تقاضيها مقابل فوائد عالية. ويعتبر تمويل سلاسل التوريد ممارسة تعتمد عليها التجارة الدولية. 

بالطبع، لا تغطي "غرينسل" الفواتير من أموالها، بل من قروض من بنوك ومستثمرين يتم شراء بوالص تأمين عليها. فإذا أفلست الشركات أو الجهات المشترية، ولم تتمكن من دفع الفواتير للبائعين والموردين تغطي شركات التأمين ما التزمت به "غرينسل". 

أخيراً، رفضت شركات التأمين على القروض تجديد التأمين على نحو 4.6 مليار دولار من قروض "غرينسل". وبدأت في أول مارس (آذار) الماضي سلسلة انكشافات على خسائر محتملة قادت إلى وضع الشركة تحت الحراسة. وأغلقت السلطات الألمانية بنكاً في ألمانيا كانت تملكه "غرينسل" بسبب مخاطر الديون.

أما ليكس غرينسل، الذي نشرت الصحف البريطانية صوره مع ديفيد كاميرون في مناسبات عدة باعتباره صديقه، فهو من أسرة اشتهرت بمزارع قصب السكر جنوب أستراليا قبل أن يبدأ في العمل المالي. وكانت بدايته عبر تعاملات مع خدمة الصحة الوطنية البريطانية (أن أتش أس) عبر مجموعة "سيتي بنك". وفي 2011 أسس شركته "غرينسل كابيتال" لتمويل سلاسل التوريد.

وأخيراً، باع أربع طائرات خاصة في محاولة لجعل الشركة أكثر إغراءً لبيعها لمستثمر رئيس أو طرحها في البورصة. وقيمت الشركة حينئذ بنحو 7 مليارات دولار، لكن توالي انكشاف مشكلة الديون جعل بيعها غير ممكن حتى أعلن انهيارها الشهر الماضي. 

العلاقة ببريطانيا

تعود العلاقة بين غرينسل وديفيد كاميرون إلى ما قبل عمل الأخير كمستشار لشركته. ولا تبدو تلك مشكلة ما لم يستغل رئيس الوزراء السابق علاقاته الحكومية للضغط لصالح غرينسل بطريقة تجعله يحصل على أفضلية. ولا يعرف بعد إذا كان هناك دور لمسؤولين بريطانيين حاليين أو سابقين بالعلاقة بين غرينسل وغوبتا صاحب شركات الصلب المهددة الآن بالانهيار أيضاً، ما قد يؤدي إلى فقدان آلاف العاملين في مصانعه في بريطانيا وظائفهم.

بدأت القصة السياسية نهاية الشهر الماضي، حين نشرت "صنداي تايمز" تقريراً عن رسائل ديفيد كاميرون لوزير الخزانة الحالي ريشي سوناك يطلب منه العمل على أن تحصل "غرينسل" على قروض مدعومة حكومياً من برنامج لدعم الأعمال في مواجهة أزمة وباء كورونا. وبعد الكشف عن تفاصيل تلك الرسائل تحت قانون حرية المعلومات، اتضح أن سوناك رد مرة بالقول إنه "دفع الفريق" للمساعدة فيما طلبه كاميرون.

ووفق تقارير الصحف البريطانية، رتب كاميرون لقاءات مع وزراء آخرين، من بينها لقاء بين مسؤولي "غرينسل" ووزير الصحة مات هانكوك، الذي يواجه مشكلة أخرى تتعلق بنصيبه في شركة تملكها عائلته وتستفيد من عقود مع خدمة الصحة الوطنية البريطانية.

وعلى الرغم من أن الحكومة البريطانية لا تعاني مشكلة توفر الأموال، لكن اللجوء إلى خدمات شركة لتمويل الإمدادات يثير الشكوك. حتى مع حقيقة أن تلبية مستخلصات الموردين للحكومة قد تأخذ وقتاً.

المهم، ظل كاميرون صامتاً حتى اضطر إلى إصدار بيان أخيراً يقول فيه إنه لم يرتكب خطأ، لكنه يقر بأن اتصالاته مع الحكومة (سوناك والوزراء الآخرين) كان يجب أن تتم بطريقة رسمية وعبر القنوات المخصصة لذلك.

موظفو الحكومة

بعد الكشف عن علاقة كاميرون بشركة "غرينسل" ومحاولته تأمين معاملة تفضيلية لها، مستغلاً علاقته بالوزراء ومسؤولي الحكومة، كشف يوم الثلاثاء عن أن كبير المسؤولين الاقتصاديين في الحكومة البريطانية السابق بيل كروثرز عمل أيضاً مستشاراً للشركة وهو في منصبه الحكومي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكشف أيضاً عن أن "ممثل التاج" في مكتب رئاسة الوزراء، ديفيد بريروود، عمل مديراً في الشركة، بينما هو في منصبه الحكومي، في حين أن مهمته الرسمية هي ضمان أن تنجز العقود الحكومية مع شركات القطاع الخاص طبقاً لأفضل المعايير، وبما لا يضر بالمال العام!

ورفض رئيس الوزراء بوريس جونسون، أمس الخميس، الرد على أسئلة الصحافيين عما إذا كان هناك مسؤولون حكوميون آخرون متورطون في الجمع بين الوظيفة الحكومية والعمل في القطاع الخاص. وفي الأغلب، يمكن لمن يعملون في وظائف استشارية في الحكومة أو وظائف مؤقتة وليس بدوام كامل العمل في القطاع الخاص بعد الحصول على موافقة الحكومة. الأهم ألا يحدث أي تعارض مصالح يسهل الفساد وإهدار المال العام.

وهذا ما تسعى الحكومة الآن إلى مواجهته، في ظل تصاعد مطالبات المعارضة بتحقيقات أوسع من قضية "غرينسل". وقال رئيس حزب العمال المعارض كير ستارمر، إن حزب المحافظين عاد لممارساته الفاسدة، مطالباً بتحقيقات أوسع.

الخسائر المتوقعة

من الصعب توقع الأضرار السياسية على حكومة حزب المحافظين، الذي ينتمي إليه كل من كشف عن علاقتهم بأزمة "غرينسل كابيتال"، لكن جونسون قال في تصريحات صحافية هذا الأسبوع إنه يؤيد إعادة النظر في قواعد عمل المسؤولين الحكوميين في شركات القطاع الخاص.

وأعلن جونسون تعيين مستشار الحكومة نايجل برودمان لتولي تحقيق مستقل في مسألة ممارسة كاميرون ضغطاً لصالح "غرينسل"، لكن حزب العمال المعارض شكك في مدى استقلالية بوردمان وطالب بلجنة تحقيق تضم ممثلين عن كل الأحزاب، ذلك على اعتبار أن بوردمان مستشار لحكومة المحافظين الحالية، وسيحقق في تصرفات زعيم سابق للحزب نفسه.

في الوقت نفسه، هناك ثلاث لجان برلمانية ستجري تحقيقات أخرى في مسألة احتمالات الفساد وحصول "غرينسل" على معاملة تفضيلية من الحكومة، وكذلك تضارب المصالح في عمل مسؤولين حكوميين لدى القطاع الخاص.

أما مالياً واقتصادياً، فلا يعرف بعد مدى انكشاف البنوك والمستثمرين على خسائر انهيار "غرينسل"، لكن بنك "كريدي سويس"، على الأقل، سيعاني ضياع قروض بنحو 5 مليارات دولار. يذكر أن "غرينسل كابيتال" قامت بتغطية فواتير تمويل سلاسل توريد العام الماضي بنحو 149 مليار دولار.

وإذا قاد انهيار "غرينسل" إلى تعثر شركة غوبتا للصلب، فهناك نحو 5 آلاف عامل في بعض مصانعها في بريطانيا يمكن أن يفقدوا وظائفهم، من أصل نحو 30 ألفاً موزعين بين المملكة المتحدة وأستراليا.

ولأن كل أعمال "غرينسل" موجودة في بريطانيا، فلديها نحو 600 موظف في لندن. وأعلن مسؤولو الحراسة بالفعل عن تسريح 446 منهم حتى الآن.

المزيد من تقارير