Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الصم جزء من النسيج الاجتماعي... اسمعوهم

خمسة في المئة من سكان العالم يحتاجون إلى التأهيل لمعالجة فقدان السمع المسبب للإعاقة

بحسب تقديرات الاتحاد العالمي للصم فإن هناك نحو 72 مليون أصم في العالم (أ ف ب)

في البدء كانت العزلة والوصمة وعلى أحسن تقدير التجاهل والإهمال، ثم كان العطف والشفقة والمساعدة لأغراض إنسانية وخيرية، واليوم الاتجاه الأغلب والأعم هو للدمج والتمكين وتوقع مساهمة لا تختلف عن إسهامات من ينظر إليهم باعتبارهم "الأصحاء".

مفهوم الأصحاء خضع لكثير من التعديل والتغيير في تاريخ البشرية، وقد استغرق العالم قروناً طويلة لينتقل من مرحلة نبذ من خرج إلى الدنيا بإعاقة جسدية أو ذهنية أو أصيب بها بعد ولادته إلى التعامل معهم بإنسانية حتى اعترف العالم بأنهم مواطنون لهم كامل الحقوق. وتشير ورقة بحثية أعدها الأستاذ في قسم العلوم الفيزيائية في جامعة "إمبري ريدل للطيران" في ولاية فلوريدا الأميركية بريان نوردستورم تحت عنوان، "تاريخ تعليم الصم والمكفوفين"، إلى أن المحاولات الأولى لتعليم الصغار المصابين بالصمم كانت قاصرة على جهود فردية يبذلها معلمو الأبناء الصم للأغنياء.

أبو الصم

ويتذكر التاريخ المعلم الفرنسي ورجل الدين تشارلز ميشيل ديليبي (1712-1789) باعتباره "أبو الصم" وذلك لأنه أول من أسس مدرسة للصم. ولد لأسرة ثرية وتعلم العلوم الدينية والقانون، لكن نزعته للأعمال الخيرية ساقته لمقابلة شابين من الصم في أحد أحياء باريس الفقيرة وعرف قدر المعاناة التي يواجهانها. يومها قرر أن يكرس حياته للصم والبكم، وأسس أول مدرسة عامة للأطفال الصم في باريس في عام 1755. لم تكن هناك لغة إشارة بعد، لكنه دوّن مجموعة إشارات مبنية على ملاحظاته للصم وهم يتواصلون مع بعضهم البعض حتى أصبحت أشبه بلغة إشارة فرنسية، ولأن طريقة ديليبي في تطوير لغة إشارة مشتقة من المعايشة والملاحظة، إضافة إلى أنه فتح فصول التعلم للجمهور والمعلمين ليضيفوا إلى الطرق والأدوات المستخدمة، فإن أثره مازال باقياً حتى اليوم في طرق التعليم المنهجية المعتمدة لتعليم الصم حول العالم.

كتب، "كل طفل أو شخص أصم يأتي إلينا لديه لغة يتواصل بها ويستخدمها كعادة يومية يتواصل بها ويفهم بها الآخرين، هو يستخدم هذه اللغة ليعبر عن حاجاته ومخاوفه وشكوكه وآلامه، وحين يعبر آخرون مثله عن حاجاتهم يفهمهم من دون مجال لسوء أو عدم الفهم".

الأصم قادر

وعلى الرغم من إنجازات ديليبي العديدة في مجال تعليم الصم، إلا أن إنجازه الأعظم هو أنه بدد المفهوم الخاطئ بأن الصم غير قادرين على التعلم، وله الفضل الأكبر في تغيير حياة ملايين الأشخاص القادرين على التعلم والعمل والاندماج وإفادة المجتمع من حولهم. والطريقة المرئية لتعليمهم التي ابتكرها والقائمة على إشارات أصبحت دستور تعليم الصم حتى اليوم.

في الوقت نفسه، ظهر الألماني صامويل هاينيكي (1727-1790) الذي طور طريقة شفهية لتعليم الصم معتمداً على تعليمهم الكلام وليس الإشارة، عكس أسلوب ديليبي المعتمد على الإشارة.

ثم جاء البريطاني توماس برايدوود (1715-1806) الذي مزج بين الطريقتين في تعليم الصم، وأنشأ مدرسة لتعليمهم في إدنبرة في اسكتلندا. وكان يستخدم آلة صغيرة لمساعدة الطالب على تصحيح موقع اللسان، ومزج بين الإشارة والكلام ثم علمهم القراءة والكتابة، وكعادة البعض من المعلمين في هذه الآونة، وحفاظاً على مصدر رزقه أبقى على أسلوبه في التعليم سراً غير معلن، لكن لحسن الحظ نشرت أسرته أوراقه التعليمية بعد وفاته.

وتحتفظ الولايات المتحدة الأميركية لنفسها بإنجاز كبير في مجال تعليم الصم، وهو الإنجاز الذي شارك فيه ثلاثة رجال جمعتهم المصادفة، رجل دين اسمه توماس غالوديت، والطبيب مايسون فيتش وهو أب لابنة صماء، ومعلم فرنسي للأطفال الصم اسمه لوران كليرك. غالوديت كان طالباً فذاً، تخرج في جامعة "يال" وعمره لم يتجاوز 17 عاماً، وحصل بعدها على درجة الماجستير من الجامعة نفسها، ثم تلقى دراسات دينية ليصبح رجل دين. وكان المسار الطبيعي له هو أن يكون كاهن كنيسة، لكن صحته العليلة دفعته للعودة إلى بيت أهله ليقيم معهم في هارتفورد في كونيتكيت.

صداقة وجيرة

وفي بيت الأهل، تعرف إلى الجار الطبيب فيتش وابنته الصماء أليس التي فقدت حاسة السمع وقت كانت في الثانية. حاول غالوديت تعليم أليس القراءة والكتابة، لكنه أيقن أن تعلم المفردات هو مرحلة بسيطة في تعليم اللغة. وفكر ووالدها في تدشين مدرسة لتعليم الصم الصغار، وبالفعل تواصلا مع ذوي أطفال صم آخرين، وجمعا الأموال اللازمة عبر التبرعات والتي أسهم بقدر كبير فيها أهالي الأطفال الصم الأثرياء الذين كانوا يرسلون أبناءهم للتعلم في مدارس الصم في أوروبا نظراً لعدم وجود مثيل لها في أميركا.

سافر غالوديت إلى اسكتلندا لمعايشة تجربة مدرسة لتعليم الصم هناك، إلا أنه رفض الشروط المملاة عليه، فقد كان القائمون على المدرسة مازالوا يغلفون طرق التدريس بهالة من السرية حفاظاً على مصدر الدخل الذي يحققونه من المدرسة وعدم وجود منافسين لها، فاشترطوا على غالوديت أن يبقى معهم سنوات للتدريب وألا يكشف عن أدواتهم ومنهجهم لأحد، فرفض. وتصادف وجود مدير المدرسة الفرنسية لتعليم الصم التي كان أسسها القس تشارلز ميشيل ومعه اثنان من المعلمين الصم من خريجي المدرسة، وهما جون ماسيو ولوران كليرك، وذلك في لندن لإلقاء محاضرات عن تعليم الصم.

لغة للتواصل

أُعجب غالوديت بطريقة المدرسة الفرنسية، وتم التعارف، وزار المدرسة في باريس، وهناك أيقن أن معلم الصم لا يتحتم عليه تعلم لغة بغرض تعليمها، ولكن التعامل مع اللغة باعتبارها وسيلة للتواصل مختلفة تماماً عن غيرها من اللغات، وعرض عليه المعلم كليرك أن يعود معه إلى هارتفورد لبدء تأسيس مدرسة للصم.

وبالفعل، تم افتتاح "ملجأ كونيتيكيت لتعليم الصم والبكم" وهو ما أصبح "المدرسة الأميركية للصم" فيما بعد وذلك في 15 أبريل (نيسان) عام 1817. وأصبح غالوديت هو مدير المدرسة ولوران كليرك ناظرها الذي نقل إلى أميركا لغة الإشارة الباريسية. ومن الأخطاء الشائعة اعتقاد البعض بوجود لغة إشارة واحدة لجميع الصم، والحقيقة هي أن هناك ما يزيد على 300 لغة إشارة موثقة.

لغات الإشارة طبيعية

لغات الإشارة هي لغات طبيعية مكتملة الملامح على الرغم من اختلافها هيكلياً عن لغات الكلام التي تتعايش معها. وعلى الرغم من ذلك، توجد لغة إشارة دولية يستخدمها الصم في اللقاءات الدولية وأثناء سفرهم وممارسة أنشطتهم الاجتماعية، وهذه اللغة شكل مبسط من أشكال لغة الإشارة، وهي ذات معجم لغوي محدود ولا تتصف بالتعقيد مثل لغات الإشارة الطبيعية.

الجمعية العامة للأمم المتحدة من جهتها قررت أن يكون 23 سبتمبر (أيلول) من كل عام يوماً دولياً للغة الإشارة، وذلك بهدف إذكاء الوعي بأهميتها في الإعمال الكامل لحقوق الإنسان لفئة الصم. قرار الجمعية العامة أشار كذلك إلى ضرورة الاستفادة المبكرة من لغة الإشارة والخدمات المقدمة فيها، بما في التعليم الجيد باستخدامها، وهو ما يعد أمراً حيوياً لنمو أبناء فئة الصم ونمائهم، كما أنه جزء لا يتجزأ من مبدأ "لا غنى عن رأينا في أي شأن يخصنا".

ويشار كذلك إلى أنه في عام 2020 أصدر الاتحاد العالمي للصم قراراً ينص على استخدام لغات الإشارة من قبل القادة المحليين والوطنيين والعالميين، وذلك بالشراكة مع الجمعيات الوطنية والمنظمات الأهلية للصم في كل دولة.

بحسب تقديرات الاتحاد العالمي للصم، فإن هناك نحو 72 مليون أصم في العالم، يعيش 80 في المئة منهم في الدول النامية. منظمة الصحة العالمية أعلنت قبل أيام قليلة أن نحو خمسة في المئة من سكان العالم، أي 432 مليون بالغ و34 مليون طفل، يحتاجون إلى التأهيل لمعالجة فقدان السمع المسبب للإعاقة. وتشير التقديرات إلى أنه بحلول عام 2050 سيعاني ما يزيد على 700 مليون شخص (أي واحد بين كل عشرة أشخاص) من فقدان السمع.

فقدان السمع

يشار إلى أن "فقدان السمع المسبب للإعاقة" عبارة تشير إلى فقدان السمع بمقدار يزيد على 35 ديسيبل في الأذن الأقوى سمعاً، إضافة إلى أن 80 في المئة من المصابين بفقدان السمع يعيشون في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل. ويزيد معدل انتشار فقدان السمع مع تقدم العمر. ويعاني ما يزيد على 25 في المئة ممن تجاوزوا سن الـ 60 فقدان السمع المسبب للإعاقة. 

وقد يكون فقدان السمع خفيفاً أو متوسطاً أو شديداً أو بالغ الشدة، وقد يصيب أذناً واحدة أو كلتا الأذنين، ويؤدي إلى صعوبة سماع الكلام أثناء الحوار أو الأصوات العالية.

ثقيلو السمع

ويشير مصطلح "ثِقيل السمع" إلى الأشخاص المصابين بفقدان السمع الذي يمتد طيفه بين الخفيف والشديد، وعادة يتواصل الأشخاص ثقال السمع من طريق لغة الكلام ويمكنهم الاستفادة من المعينات السمعية وزرع القوقعة وسائر الأجهزة المساعدة، إضافة إلى الشروح النصية.

أما الصم، فيعانون في الأغلب فقدان السمع بالغ الشدة، مما يعني تدني القدرة على السمع أو انعدامها. وعادة يستخدمون لغة الإشارة في التواصل. وتشير منظمة الصحة إلى حزمة العزلة الاجتماعية والوحدة والوصم التي تعد من أكبر المعضلات التي يواجهها الصم وفاقدي السمع.

أما الكلفة الاقتصادية، فإن فقدان السمع غير المعالج يكلف العالم سنوياً نحو 980 مليار دولار أميركي، ويشمل هذا المبلغ كُلف قطاع الصحة من دون أجهزة السمع والدعم التعليمي وفقدان الإنتاجية والكلفة المجتمعية. وتتكبد 57 في المئة من هذه الكلفة الدول متوسطة ومنخفضة الدخل.

الموسيقى الصاخبة

"التقرير العالمي للسمع" الصادر عن منظمة الصحة العالمية قبل أسابيع في مناسبة اليوم العالمي للسمع يشير إلى أن شخصاً واحداً من بين كل أربعة أشخاص سيعيشون مع درجة من الصمم، أي أن نحو 2.5 مليار شخص يواجهون خطر فقدان السمع بحلول 2050. وعلى الرغم من ذلك فإن كثيراً من الأسباب التي تؤدي لفقدان السمع يمكن الوقاية منها، ويكفي أن نحو 60 في المئة من فقدان السمع بين الأطفال ناتج من أسباب يمكن تجنبها، وما يزيد على نصف مليار يافع وشاب معرضون لخطر فقدان السمع الذي يمكن تجنبه والذي لا رجعة فيه إذا حدث بسبب الممارسات الشائعة كالاستماع للموسيقى الصاخبة ولفترات طويلة.

أثر الهاتف رهيب

المستشارة الإقليمية للعنف والإصابات والإعاقة في مكتب شرق المتوسط في منظمة الصحة العالمية هالة صقر قالت في مناسبة إطلاق التقرير يوم 3 مارس (آذار) الماضي، إن الاستخدام المفرط لسماعات الهواتف المحمولة لا سيما بين الشباب والأطفال له أثر رهيب، لأن ما يحدث هو رفع مستوى الصوت سواء للاستماع إلى الموسيقى أو حتى في المكالمات الهاتفية لمستويات غير مأمونة ولفترات طويلة، مما يؤثر سلباً وبشكل كبير في حاسة السمع، وهذا يشبه التعرّض للضوضاء في المدن وفي مناطق البناء.

وتشير صقر إلى أن "هذا النوع من فقدان السمع يمكن أن يؤدي إلى فقدان حاسة السمع من دون رجعة، ففي البداية يتم إجهاد الخلايا الحسية الخاصة بالسمع، فبعد حفلة صاخبة مثلاً يمكن أن يشعر الشخص بطنين في الأذن أو ثقل في السمع، وبعد فترة تتم استعادة حاسة السمع لأن الخلايا الحسية تستعيد حيويتها، ولكن لو حدث ذلك بتكرار ولفترات طويلة فلن تتمكن الخلايا الحسية من استعادة حيويتها، ويصبح هذا الفقدان للسمع دائماً ولا يمكن علاجه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"السمع المأمون"

ويتعايش نحو 78 مليون شخص مع فقد السمع في منطقة شرق المتوسط التي تحوي عدداً كبيراً من الدول العربية، ويتوقع أن يزيد عدد المتعايشين مع فقدان السمع في شرق المتوسط ليصل إلى 194 مليون شخص مع حلول عام 2050. وتشير صقر إلى أن غالبية المتعايشين مع فقدان السمع في شرق المتوسط لا تحصل على الرعاية المناسبة سواء الصحية أو العلاجية أو التعليمية أو المعيشية.

ويشار إلى أن الإنتاج العالمي لمعينات السمع يلبي أقل من 10 في المئة من حاجات الدول المتقدمة وأقل من ثلاثة في المئة لحاجات الدول النامية.

وصم وتمييز

وعن والوصم والتمييز والإقصاء بعيداً من المجتمع، تقول صقر إن ما يقرب من 15 في المئة من سكان العالم يعيشون بشكل من أشكال الإعاقة، واستبعاد كل هؤلاء من الإسهام في تنمية مجتمعاتهم يعني خسارة فادحة للعملية التنموية، لا سيما أنهم قادرون على المساهمة الفعالة والكبيرة.

وتطالب صقر بالتصدي للتمييز والوصم اللذَين يواجههما الأشخاص ذوو الإعاقة، إضافة إلى تذليل المصاعب الناجمة عن عدم قدرة البنى التحتية والكوادر العاملة على استيعابهم والتعامل معهم، مثل قدرات مقدمي الرعاية الصحية أو مدى تأهل المرافق الصحية لتقديم الخدمة لأصحاب الإعاقات بالتساوي مع الفئات السكانية الأخرى كافة.

وتشير صقر إلى استراتيجية الأمم المتحدة لإدماج منظور الإعاقة والصادرة في عام 2019 والتي تنص على العمل على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجالات كافة، ليس فقط على المستوى المؤسسي ولكن على مستوى البرامج التقنية وفي الدعم التقني الذي تقدمه الدول المختلفة.

مدارس أمل ومطاعم

في الدول العربية العديد من النماذج الناجحة للتعامل مع فئة الصم وفاقدي السمع، ففي مصر مثلاً اعتمدت وزارة التربية والتعليم الفني نظام الدمج، حيث يتم إدماج الطلاب من أصحاب الإعاقات المختلفة في نظام التعليم العادي. كما توسعت الوزارة في مدارس التربية الفكرية، وأشارت إلى أن نظام التعليم الجديد الموجه لملايين الطلاب المصريين يحوي مخرجات جديدة لتعليم المكفوفين والصم وغيرهم من أصحاب الإعاقات المختلفة، إضافة إلى تدريب المعلمين. ويوجد عدد من "مدارس الأمل للصم وضعاف السمع" في عدد من المحافظات المصرية، وهناك عدد من الجمعيات الأهلية التي تعمل من أجل المساعدة في تعليم الصغار من الصم والتواصل مع الأهل، لا سيما أن نسبة كبيرة منهم تنتمي لأسر فقيرة وتحتاج التوعية والمساعدة للتعامل مع صغارهم.

ويوجد في مصر عدد من المطاعم التي يعمل بها صم وضعاف السمع، بل إن البعض يقوم بإدارته والعمل فيه فريق من الصم يعتمدون على لغة الإشارة في التواصل مع العملاء.

يشار كذلك إلى أن "أسبوع الأصم العربي" يتم الاحتفاء به في عدد من الدول العربية خلال الأسبوع الأخير من أبريل من كل عام، وذلك بهدف التوعية والدعم والمساندة والمساعدة على التواصل والحصول على الخدمات، كما يهدف إلى التشبيك بين الأهل والمجتمع والشخص المصاب بالصمم أو فقدان السمع لأن الجميع يحتاج إلى الوعي.