Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر الفرنسي برنار نويل طرح أسئلة الوجود والعزلة الإنسانية

جعل من المغرب وطناً ثانياً وترجم له محمد بنيس 4 كتب وعرف به عربياً

الشاعر الفنرسي برنار نويل (بيت الشعر المغربي)

يكاد يكون برنار نويل، الذي غادرنا أول من أمس، أكثر شعراء فرنسا المعاصرين حضوراً في الحياة الثقافية في المغرب. وإذا كان من فضل في ذلك، فيرجع بالأساس إلى الشاعر محمد بنيس الذي ترجم له أربعة أعمال صدرت ثلاثة منها عن دار توبقال في فترات متفرقة: "هسيس الهواء" 1998، "كتاب النسيان" 2013، "موجز الإهانة" 2017، إضافة إلى "طريق المداد" الذي صدرت ترجمته العربية عن دار (كاداستر 8 زيرو) في فرنسا، وهو عمل شعري فني مشترك جمع نصوص نويل بلوحات الفنان فرانسوا رووان.

سبق لبنيس أيضاً أن استضاف برنار نويل في المغرب حين كان رئيساً لـ"بيت الشعر" في أكثر من مناسبة، ويمكن تذكّر مشاركته في المهرجان العالمي للشعر الذي أقيم في الدار البيضاء عام 2002، وهو المهرجان الذي استقطب في دوراته القليلة أسماء عالمية من أمثال الفرنسي ميشيل دوغي، والبرتغالي نينو جوديس والفلسطيني محمود درويش، والإسباني أنطونويو غامونيدا والعراقي سعدي يوسف والسوري أدونيس وغيرهم. بل إن حضور برنار نويل ما لبث أن تجذر مغربياً حين تم تعيينه عضواً شرفياً في "بيت الشعر" في المغرب. وتجلى هذا الحضور أكثر حين أقام برنار نويل في مدينة مراكش، وتحديداً في المركب الثقافي المقام في منطقة تحناوت، مع الشاعر محمد بنيس والتشكيلي محمد مرابطي عام 2017. وكان هذا الحدث في سياق إقامة فنية جمعت الأسماء الثلاثة من أجل إنتاج عمل أدبي وفني مشترك.

لم يشأ محمد بنيس أن يقدّم برنار نويل للقارئ المغربي، والعربي عموماً، تقديماً وامضاً، عبر عينة محدودة من كتاباته. بل أصدر عملاً مرجعياً مهماً في حدود 450 صفحة يتضمن منتخبات عدة من الأعمال الشعرية لنويل بدءاً من "مستخلصات الجسد" الصادر عام 1956 وصولاً إلى "على ثنية الزمن" الصادر عام 1988 مروراً، وفق تسلسل كرونولوجي، بأعماله الأخرى مثل "وجه من صمت" 1964، "ليلة لندن" 1970، "كتاب كولن" 1973،"الصيف لغة ميتة" 1980، "هسيس الهواء" 1986، وغيرها. 

في مواجهة شراسة العالم

يصفه بنيس في مقدمة مختاراته بـ"شاعر الصمت" وبأنه في الآن ذاته "شديد الحساسية بقضايا وأحداث عصره"، ويبرر اختياره لترجمة أعماله بالأفق الشعري المشترك بينهما، وبذائقة شخصية جعلت من نصوص بويل قاردة على النفاذ إلى مناطق التلقي عند المترجم منذ لقائه به في منتصف الثمانينيات.

تتكرر لقاءات الشاعرين في أكثر من بلد، وتتخذ الصداقة بينهما "طابعاً جدّياً"، بحسب تعبير بنيس، الذي انشغل مبكراً بمشروع ترجمة نويل إلى العربية، ترجمةً أشرك فيها الشاعر نفسَه، رغبةً منه في الوفاء للمعنى. وقد سبق لبرنار نويل أن استضاف، لهذا الغرض، محمد بنيس في بيته القروي الواقع بين باريس وبروكسيل خلال صيف 1997. كما أن حصول بنيس على منحة إقامة أدبية في فرنسا أسهم في بلورة هذا التفاعل اللغوي والأدبي ليظهر في العام التالي "هسيس الهواء" باللغة العربية، متجاوزاً المجموعة التي تحمل العنوان نفسه إلى مجاميعه الشعرية الأخرى.

 إن ما عمّق التجربة الشعرية عند برنار نويل هو مزجه بين الكتابة الإبداعية شعراً وروايةً من جهة، والتأمل الشعري من جهة أخرى، هو الذي انشغل بالمصاحبات التأملية لتجارب مهمة في تاريخ الشعر الحديث داخل فرنسا وخارجها، فضلاً عن خوضه الدائم في قضايا فكرية وسياسية، وممارسته أيضاً للنقد الفني.

تبدو المسألة الوجودية منطلقاً أساساً لدى شاعر اختار أن يتفاعل مع العالم عبر طرح الأسئلة. يقول في نص "صورة عبقري" من "هسيس الهواء": "حياة/ ما معنى حياة.../ للميتين كل الموت/ ونحن ليس لنا سوى حياة واحدة".

إن برنار نويل ينتمي إلى فصيلة من الشعراء الذين اتسمت أرواحهم بالهشاشة، جرّاء تأثير وحشية العالم الخارجي. الشاعر في مبتدأ الكتابة ومنتهاها إنسان حالم، والعالم يراكم الصدمات التي تقتل هذه الروح الحالمة. لذلك عرفت تجربة نويل توقفاً عن الكتابة دام زهاء عشر سنوات، حاول من خلالها أن يستوعب ما الذي يقع في عالم متغير تقوده الشراسة. وما عودته إلى الكتابة الأدبية والتأملية بعد تلك الفترة إلا تعميق لإيمانه بأن الكتابة هي الخلاص. ويمكن اعتبار برنار نويل شاهداً على عصره، شاهداً يرفض أن ينصاع وراء الخطابات الرسمية والتبريرية للهيمنة والغطرسة. إنه ينحاز إلى الإنسان في ضعفه وعزلته وهشاشته.

دفاع عن الحرية

في كتابه اللافت "الموجز في الإهانة"، الذي يمكن اعتباره تصريفاً لمواقف الشاعر، يقسم نويل هذا العمل إلى فصلين كبيرين، حمل الفصل الأول عنوان "الخصاء الذهني"، والفصل الثاني عنوان "مع فلسطين". ويبدو الجزء الأول من الكتاب ترافعاً من أجل الحرية أو ما سماه الشاعر الفرنسي "التعبير بحرية في مجتمع حر".

ينتقد برنار نويل الرقابة التي هيمنت خلال فترة الستينيات والسبعينيات، وكانت تضيّق مساحات الحرية في الحياة العامة في فرنسا. كما ينتقد الإعلام الموجَّه والموجّه الذي جاء بديلاً للرقابة، في فترة لاحقة، محاولاً تأطير الفكر الإنساني وتعليبه. ثمة توجس لدى الكاتب من الإعلام الجديد الذي صارت مهمته الواضحة هي صناعة "أدمغة جاهزة" مفتوحة على إغراءات الإشهار، سعياً إلى تنميط المتلقي وإلغاء مفهوم الأصالة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يحاول الشاعر الفرنسي أن يتخذ مسافة من "عالم لم تعد توجد فيه غير القيم الاقتصادية"، داعياً إلى عدم فصل الثقافة عن الحياة الاجتماعية، باعتبارها العنصر القادر على مواجهة شراسة النظام الاقتصادي، أو ما سمّاه "الشمولية الاقتصادية التي تخوّف من أن تتضاعف سيطرتها في المستقبل".

يتخذ الكاتب موقفاً رافضاً للعنف الذي تمارسه الدولة تحت مبرر المصلحة العامة للبلد، معتبراً أن هذا العنف ليس ضماناً للمصلحة بقدر ما هو ضمان لسلطة الدولة نفسها. ويتوقف عند مفهوم الإرهاب الذي أصبح تبريراً لمختلف أشكال شطط السلطة في العصر الحديث.

في نهاية كتابه يتوجه برنار نويل بالخطاب إلى محمود درويش، الذي رأى في رحيله حدّاً للأمل في حصوله على جائزة نوبل. فهو، في رأيه، العربي الأجدر بها. لقد أسبل عليه صفة "الشاعر الكوني" الذي لم يكن الناطق الرسمي باسم فلسطين بل كان، على حد تعبير الشاعر الفرنسي، صوت فلسطين في العالم.

المزيد من ثقافة