Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"التوكتوك" سلك طريق الأزمة الاقتصادية إلى لبنان

ظاهرة جديدة في ظل الوضع المعيشي المتردي وارتفاع أسعار البنزين

يحاول المواطن اللبناني التأقلم مع التغيرات التي طرأت على نمط حياته في ظل الأزمة الاقتصادية التي تظهر تداعياتها أكثر فأكثر مع مرور الوقت، فقد اضطر إلى التخلي عن أمور كثيرة شكلت أساسيات له في مرحلة سابقة، وتبين له، في الظروف الحالية، أن الأوضاع الاقتصادية المتردية فرضت عليه بدائل وظواهر لم يعتد عليها سابقاً، حياة البذخ والرفاهية التي اعتاد عليها باتت من الماضي، ولا بد له من التأقلم مع وضع جديد بما فيه من ظواهر، مهما كان التغيير صعباً، انطلاقاً من ذلك، يسعى اللبناني إلى البحث عن سبل جديدة للعيش لتأمين مصدر رزق بما يتلاءم مع ظروفه الحالية التي اشتدت صعوبة.

"التوكتوك"

"التوكتوك" ظاهرة جديدة تنتشر اليوم بكثافة في مختلف المناطق اللبنانية مع الأزمة المعيشية التي ألقت بأعبائها على المواطن، وتُعتمد عربات "التوكتوك" عادة في الدول النامية ذات الكثافة السكانية العالية، خصوصاً أنها منخفضة الكلفة وعملية، أما في لبنان، فانتشارها خير دليل إلى ما آلت إليه الأمور بالنسبة للمواطن الذي يبحث عن أي فرصة يمكن أن تخفف من الأعباء التي أثقلت كاهله، ومن العوامل التي أسهمت بشكل واضح في ظهورها، الارتفاع الكبير في سعر صفيحة البنزين في الفترة الأخيرة، في ظل أزمة شاملة في المحروقات وتخوف المواطنين من فقدانها، ويقف المواطن في انتظار دوره للحصول على كمية من البنزين تحددها كل محطة على هواها، إضافة إلى الأزمة الاقتصادية والمعيشية الخانقة وارتفاع أسعار المواد الأساسية بشكل جنوني والبطالة التي طالت شريحة واسعة من اللبنانيين.

هذه العوامل مجتمعة دفعت اللبناني إلى البحث عن أي مورد رزق، فكانت وسيلة النقل العملية هذه والقليلة الكلفة من الحلول التي أمنت لقمة عيش لكثيرين ما أسهم في انتشارها الواسع في مختلف المناطق.

وقد تكفي 10 دولارات لملء خزان وقود هذه العربة الصغيرة المصنوعة في الهند وفي دول آسيوية أخرى، لذلك بدت حلاً أمثل لتأمين قوت عائلات كثيرين من اللبنانيين، ووفرت مجال عمل لمن طالهم شبح البطالة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسيم علي القادري ممن وجدوا في "التوكتوك" مصدر رزق في البقاع، (شرق لبنان)، بعد أن أُقفلت الأبواب في وجهه، "كنت أعمل في مجال البناء، لكن في ظل المنافسة مع اللاجئين السوريين في هذا المجال وانخفاض أجورهم اليومية، في مقابل أجورنا بالنسبة لأصحاب العمل، وجدت نفسي من دون عمل، وكان لا بد لي من إيجاد أي وسيلة حتى أؤمن لقمة العيش لعائلتي"، القادري أب لطفلين كان في أمس الحاجة إلى تأمين القوت اليومي وإيجار البيت الذي يسكن فيه، وبدأت قصته مع هذه العربة عندما لم يجد بديلاً، وبدت هذه الظاهرة رائجة أكثر فأكثر في المنطقة لـ"الديليفري" وأيضاً لتوصيل الأشخاص في الأحياء.

كلفة توصيل الأغراض لا تتخطى دولارين، وكذلك هي الكلفة لتوصيل الأشخاص، إلا أن القادري وضع تعرفة معينة فيتقاضى دولارين عن كل وقفة أمام محل للتبضع، ما لا يشكو منه أهل المنطقة، خصوصاً في شهر رمضان المبارك حيث يبدو ذلك مناسباً لتأمين الحاجيات من دون الخروج من المنزل.

وعلى الرغم من أن الكلفة ارتفعت مع ما تشهده السوق من ارتفاع سعر صرف الدولار، إذ زادت التكاليف المرتبطة بأسعار القطع وتغيير الزيت لـ"التوكتوك"، والبنزين، ما زال في الإمكان ملء خزان العربة بما لا يتعدى 10 دولارات لليوم الواحد، ما يشكل كلفة زهيدة مقارنة بما يمكن تحمله من كلفة في حال اقتناء سيارة مع الارتفاع الكبير في سعر صفيحة البنزين.

اشترى القادري عربته مستعملة بسعر 3500 دولار، وسرعان ما وجدها فكرة ناجحة وكثيرة الرواج في المنطقة، ويعتبرها الجميع وسيلة نقل غير مكلفة وعملية، يسهل التنقل فيها ويميل معظم الناس إلى استخدامها، هذا ما دفعه إلى شراء أخرى مع أشقائه بهدف تلبية زبائن عدة في الوقت نفسه مع تزايد الطلب، والأهم، كما يوضح أنه يحصل على المدخول مباشرة من الزبائن بدلاً من الانتظار كما يمكن أن يحصل غالباً في مهن أخرى.

للسياحة أيضاً

في الوقت نفسه، لا يمكن أن ننكر أن الوضع المعيشي ليس السبب الوحيد لانتشارها في مناطق معينة، فكان عدنان خباز في مدينة البترون الشمالية أول من اعتمد هذه العربة لخدمة التاكسي في لبنان، لأن الفكرة كانت جديدة، وكان هذا السبب الأول لشرائها من نحو سنتين، إلا أنه لم يتوقع أن تلقى هذا الإقبال وأن يتوسع في الخدمات التي يقدمها بها، "تتميز بأنها عملية وتتطلب وقتاً أقل للوصول إلى الوجهة، كما زاد الطلب عليها عند إقفال البلاد بسبب كورونا، وسرعان ما بدأت أستخدمها لهدف سياحي في مدينة البترون (شمال لبنان)، لكونها فكرة جديدة تسمح لزوار المدينة باكتشافها في هذه الوسيلة الممتعة".

بالنسبة للبعض، تكمن جاذبية وسيلة النقل الصغيرة هذه في كونها اقتصادية، كما تجذب آخرين كونها جديدة وعملية، فلا تتخطى كلفة استئجارها لجولة السياحية لاكتشاف مدينة البترون مع سائقها، 13 دولاراً أميركياً، في وقت بلغت كلفة التوصيل بعد ارتفاعها نتيجة الوضع المعيشي أقل من ثلاثة دولارات، علماً أن العربة تتسع لثلاثة أشخاص ويمكن التنقل بها صيفاً وشتاء بعد إقفالها بالستائر البلاستيكية العازلة الخاصة بها، والأهم أن صغر حجمها يسمح بالتنقل فيها بسهولة في الأحياء الضيقة في المدينة.

للتسوق وخدمة "الديليفري"

عندما اشترى رالف قزي عربة "التوكتوك" الخاصة به في 2019 بـ2500 دولار أميركي، لم يتصور أنها ستلقى هذا الرواج كله، كان يملك محلاً مع خدمة "ديليفري"، واشتراها بهدف تسويقي حتى يجذب أنظار الناس، لكن سرعان ما تبين له أن هذه الوسيلة يمكن أن تشكل مصدر رزق ممتاز بأقل كلفة ممكنة مقارنة مع السيارة، "حجم الكلفة بالنظر إلى سعر صفيحة البنزين المرتفع اليوم هو أول عنصر جذب فيها لي، كما باتت "التوكتوك" تجذب كثيرين لمناسبات مختلفة، فيستأجرونها لقاء مبلغ مالي معين لالتقاط الصور لحفلات الزفاف أو لتصوير أفلام حتى".

ويجد قزي في ذلك مدخولاً إضافياً له بفضلها، في ظل صعوبة الظروف المعيشية الحالية، كما يجد قيادتها تجذبه، فهي مريحة وعملية أكثر من الدراجة النارية لخدمة "الديليفري"، ولوضع الأغراض فيها، كما يمكن استخدامها في كل الطرقات والتنقل بسهولة حتى في الشوارع الضيقة، ويمكن حتى أن تحمل أوزاناً مهمة قياساً لحجمها الصغير.

عربة متعددة الاستعمالات

لم يكن الوضع المعيشي السبب الوحيد للانتشار الواسع لظاهرة "التوكتوك" في الطرقات اللبنانية في السنوات الأخيرة، وفق ما أوضح مدير المبيعات في شركة تستورد "التوكتوك" في لبنان نيكولا دهني، إذ إن ثمة دوافع ثلاثة لشرائها، إما بهدف التسلية، أو للتنقل، أو للعمل كمصدر رزق في ظل الأوضاع الاقتصادية.

ولوحظ أن مبيعات "التوكتوك" بلغت الذروة في عام 2019 مع اشتداد الأزمة المالية الاقتصادية، ولا تزال تسجل ارتفاعاً حتى اليوم، وثمة عوامل كثيرة، بحسب دهني، شكلت عناصر جذب إلى "التوكتوك"، فهي عملية وصيانتها غير مكلفة وقطع الغيار الخاصة بها زهيدة الثمن مقارنة بأي وسيلة نقل أخرى، إضافة إلى ميزة التوفير في استهلاك البنزين، كما تمتاز بكونها ثابتة في القيادة بسرعة لا تتخطى 75 كيلومتراً في الساعة، وهي آمنة أكثر من الدراجة النارية.

أصبحت ظاهرة "التوكتوك" رائجة لأسباب عدة كما يبدو واضحاً، لكن شيئاً فشيئاً استطاعت الأزمة الاقتصادية أن ترسّخ وجودهن في السنتين الأخيرتين، فهل يعيد الوضع المعيشي المتردي المواطن إلى الزمن القديم مع وسائل بدائية يعتمد عليها في نمط حياته، كما يعتقد البعض؟ أم تعد الأيام المقبلة بتوجه نحو الأفضل ليستعيد لبنان أمجاده وفق ما يترقب من هم أكثر تفاؤلاً؟