Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تمدد الفترة الانتقالية عمر حكومة سلفاكير؟

لا يخلو وضع دولة جنوب السودان من خلل متأصل في توازن القوى السياسية في دولة ضعيفة

الخلافات في جنوب السودان تؤثر في الوضع الاقتصادي الذي يعتمد على النفط والاستثمار الأجنبي (حسن حامد)

مع تشكيل رئيس دولة جنوب السودان سلفاكير ميارديت حكومة انتقالية في فبراير (شباط) الماضي، وفقاً لاتفاق السلام الموقع بين الحكومة والمعارضة في أديس أبابا، أعلن أنها النهاية الرسمية للحرب الأهلية في الجنوب، ولكن بعد أسابيع اندلعت احتجاجات تطالبه بالتنحي.

رفض الجيش التصدي لهذه الاحتجاجات، بل بثت مجموعة مكونة من الجيش وجهاز الأمن الوطني والشرطة وقوات الاحتياط في البلاد رسالة قالت فيها إن تذرّع سلفاكير بالعودة إلى الحرب هو هرب من المسؤولية والأزمة الداخلية ومن مواجهة إهمال بعض القوات العسكرية، وقد يتكاتف حراك الضباط مع عوامل أخرى ناتجة من الخلاف الأزلي في دولة جنوب السودان في التأثير في عمر الحكومة الانتقالية المقررة بثلاث سنوات، كما من الوارد أن يبقى أمر انقضائها أو تمديدها رهين الظروف الداخلية المعقدة.

سلطة بين رجلين

بعد عامين فقط من انفصال دولة جنوب السودان عام 2011، دخلت البلاد في حرب أهلية خمدت لفترة وتصاعدت بعد تخطيط رياك مشار نائب الرئيس سلفاكير لتنفيذ انقلاب، مما أدى إلى إقالته وإعلان تحوله إلى فصيل متمرد. وكان وراء تلك المحاولة الطموح السياسي العالي لمشار في حكم جنوب السودان، خصوصاً أنه من مؤسسي الحركة الشعبية لتحرير السودان. وأدت الحرب المندلعة في 2013 بين قبيلتي الدينكا والنوير إلى اتساع رقعتها إلى أن وصلت حصيلتها إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد نحو 4 ملايين شخص في رحلة لجوء ونزوح كبيرة، صُنفت كأكبر إبادة جماعية في أفريقيا منذ الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994. وعلى الرغم من انشقاق مشار عن الحركة الشعبية لتحرير السودان عام 1991 وتحديه سلطة جون قرنق، وتأسيسه "مجموعة الناصر" ثم "الحركة الموحدة "عام 1992، ثم "حركة استقلال جنوب السودان" عام 1995، وبعدها تفاوضه مع حكومة الخرطوم وتوقيع اتفاق السلام معها عام 1997، إلا أنه كان يأمل بأن يكون وريث زعيم الحركة جون قرنق في حكم الجنوب لا نائبه سلفاكير، وهناك أيضاً العداء التاريخي بين قبيلة الدينكا التي ينتمي إليها سلفاكير وجون قرنق، وقبيلة النوير التي ينتمي إليها مشار، وهما أكبر قبيلتين عدداً ونفوذاً وقوة، فقبيلة النوير هي ثاني أكبر المجموعات النيلية بعد قبيلة الدينكا، ثم هناك النزاع على مناطق حقول النفط، حيث إن جزءاً منها يقع في مناطق نفوذ النوير وأجزاء أخرى في مناطق نفوذ الدينكا.

وإن كان خلاف الرجلين هو ما أجج الحرب منذ 2013 حتى توقيع اتفاق السلام بينهما في سبتمبر (أيلول) 2018 بعد ضغوط دولية، فإن ذلك يُعد سبباً طارئاً بالقياس مع دواعي الحرب الأخرى في جنوب السودان، فلا يزال الوضع الأمني يشكل مجالاً بالغ الحساسية بعدم تمكن حكومة الجنوب من تكثيف جهودها لاستتبابه. وفوراً اتخذ هذا الاتفاق صورة حصرته كاتفاق بين الرئيس ونائبه السابق الذي ظل مقيماً في الخرطوم طوال فترة الحرب، ولم يعد إلى جوبا إلا بعد توقيع الاتفاق مفجراً قضية الخوف على أمنه الشخصي ومطالباً بعدد من الضمانات لحمايته.

ذريعة إسكات البنادق

أثار إعلان سلفاكير أن ما فعله هو تحقيق لهدف الاتحاد الأفريقي بتخليص أفريقيا من النزاعات، وبناء قارة آمنة في 2063، ضمن استراتيجية نبذ العنف والصراعات في أفريقيا ومبادرة "إسكات البنادق"، ثم تعبيره عن أن ذلك يجيء في إطار عدم العودة للحرب، مجموعة من ضباط الجيش والشرطة والأمن في رسالة نشرتها صحيفة "سودان تربيون" رأوا أن سلفاكير ابتعد من المسار، ويستخدم مزاعم الحرب للهرب من المسؤولية واستنزاف موارد الدولة، وأنه "لم يعد الرجل الذي أيدوه وضحوا بحياتهم تحت إمرته". وأضافت الرسالة، "نجحنا في الدفاع عنك وعن حكومتك من محاولات أعداء داخليين وخارجيين لاستخدام وسائل غير دستورية للاستيلاء على السلطة، لكنك استدرت لتخوننا بتوقيع اتفاق يعتبر الجيش الوطني ميليشيا". لذلك، عندما خرج المحتجون ضد سلفاكير مطالبين بتنحيّه أعلنت مجموعة الضباط أنها ستحميه.

هنا تنبع مشكلة أساسية تعكس الصراع بين حكومة سلفاكير ومجموعة الضباط التي تم تهميشها، وأنها تخضع الآن بعد الحصول على استقلال الجنوب إلى هيمنة الرجل الواحد، في الوقت الذي كانت تنتظر فيه حصولها على مناصب نظير خدمتها له وتجاوزها عن فترة حكمه التي امتدت منذ 2011 ووصلت إلى ثلاث فترات رئاسية. وكانت هذه المجموعة طالبت من قبل بخروجه ومشار من السلطة، وبدلاً من ذلك أدى مشار اليمين الدستورية كنائب أول للرئيس في فبراير العام الماضي، إضافة إلى ثلاثة نواب آخرين للرئيس من بينهم ريبيكا دي مابيور، أرملة جون قرنق، وكذلك تعيين 34 وزيراً بينهم زوجة مشار، أنجيلينا تيني، التي أصبحت وزيرة للدفاع.

ووفقاً لهذا الإحساس بعدم تكيف هذه المجموعة مع سلفاكير، يُتوقع أن يؤهل هذا الوضع إلى بقاء دولة جنوب السودان تحت تهديد الانشقاق العسكري والسياسي، وهي صفة ملازمة للحركة السياسية هناك، تغذيها مقومات النوازع القبلية، إذ إن الأحزاب السياسية والفصائل العسكرية تتبع بتوجهها ورؤيتها السياسية وولائها للقبيلة، وهذه التعقيدات أعمق من تحذيرات الأمم المتحدة القاضية بعدم تسليح الفصائل والميليشيات.

نقاط الخلاف

ثمة نقاط خلاف كثيرة تكاد تحرم دولة الجنوب من الاجتماع على شيء واحد، فبعد حل الخلاف حول عدد الولايات التي تبلغ 32 وتقليصها إلى 10 ولايات، ثم إنشاء ثلاث مناطق إدارية هي أبيي وبيبور وروينق بسبب النزاعات حول النفط، بقيت ثلاث نقاط خلاف رئيسة، الأولى الخلاف القبلي، إذ تتحكم أربع مجموعات هي الدينكا والنوير والشلك والزاندي في حوالي 60 قبيلة، ويتوزع ولاء هذه القبائل الصغيرة عليها لتستفيد منه في تقوية وضعها الاجتماعي بكثرة العدد، وفي الحشد العسكري في حال الحروب. ولم تستطع الدولة الجديدة استيعاب هذه التناقضات القبليّة، بل إن الحكومة ظلت تتعامل معها كأمر واقع تستفيد منه في بعض الأحيان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

النقطة الثانية هي تداول الأسلحة والفشل في نزعها من الجماعات المتمردة، وانتشار الميليشيات المتعددة، وتجسدت هذه النقطة في قضية الترتيبات الأمنية التي أعلن  الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بخصوصها استعداد الأمم المتحدة لمساعدة قادة جنوب السودان في تنفيذ الاتفاق، ودعاهم إلى "إعطاء الأولوية لتنفيذ الترتيبات الأمنية الانتقالية، وتكثيف الجهود لمعالجة العنف بين المجتمعات ومكافحة الإفلات من العقاب، والتركيز على تقديم الخدمات الأساسية بالتنسيق الوثيق مع الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد) والاتحاد الأفريقي".

النقطة الثالثة هي تأسيس جيش موحد بدمج القوات المكونة من المتمردين السابقين في الجيش النظامي، وتكمن صعوبة تحقيق هذا المطلب في أن الجيش النظامي المكون أيضاً من متمردين قدامى على حكومة السودان في الشمال تم تأهيلهم عبر سنوات منذ توقيع "اتفاق نيفاشا" 2005 الذي مهد للانفصال، وهذا يعني أن دمج هذه الفصائل سيتطلب وقتاً طويلاً يمر عبر عدد من الصراعات بسبب تنفيذ هذا المطلب.

خلل متأصل

من شأن هذه الخلافات أن تؤثر في الوضع الاقتصادي الذي يعتمد بشكل أساس على النفط والاستثمار الأجنبي والتجارة الخارجية، حيث صارت دولة الجنوب قبلة التصدير للاقتصادات الناشئة في دول وسط وشرق أفريقيا.

وعلى الرغم من أن الناظر إلى هذه المقومات يجدها تؤدي إلى تفكك الدولة لا محالة، إلا أن هناك رؤى أخرى ظل يصدع بها بعض السياسيين الجنوبيين، تتجسد في أن وجود رئيس من قبيلة الدينكا التي تمثل الأغلبية ونائبه من قبيلة النوير التي تأتي في المرتبة الثانية سينتج منه تعزيز السلام والاستقرار في دولة جنوب السودان، كما أن الترتيب للتحول الديمقراطي والتعجيل بقيام الانتخابات بعد سنوات الاقتتال ربما لا يؤدي إلى نتائج إيجابية، وعدم تمديد الفترة الانتقالية في مثل هذه الظروف سيخلق فراغاً سياسياً وسيعلو صوت الحرب من جديد، بيد أن التباين في الآراء يمتد ليشمل دوران الرئاسة حول شخصيات محورية من دون غيرها، وهي شخصيتا سلفاكير ومشار، وإن كان حصول سلفاكير على هذا المنصب فرضه مقتل جون قرنق بتحطم مروحيته في يوليو (تموز) 2005 عندما كان عائداً من أوغندا، وتولي نائبه سلفاكير منصب نائب رئيس السودان، فإن مشار شخصية سياسية لامعة اعتمد على المناورة مع حكومتي الشمال والجنوب، وظل يبني طموحه السياسي على  تقوية وضع قبيلته.

وهكذا، فمن التحدي بين الرئيس ونائبه إلى التحدي بين قبيلتيهما لا يخلو وضع دولة جنوب السودان من خلل متأصل في توازن القوى السياسية في دولة ضعيفة بمتصارعين على الحكم، استقووا بقبائلهم وإثنياتهم، فضلاً عن التوتر القائم والتأرجح بين ما يعتبره الفاعلون الإقليميون والدوليون تارة مرحلة مهمة نحو استقرار الدولة، وطوراً ذريعة كتكتيك لغرض تمديد عمر الفترة الانتقالية لأطول مدة ممكنة.

المزيد من تحلیل