Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فريا ستارك في خدمة أدب الرحلات والاستخبارات البريطانية

ترجمت القاهرة سيرتها "البريئة" في كتاب "رحالة متحمسة"

فريّا ستارك (المتحف الوطني ـ لندن)

إذا كان نجيب محفوظ يفيدنا في "ثلاثيته" المدهشة أن الشعب المصري الطيب والبسيط كان، نكاية بالإنجليز محتلي بلاده، يناصر هتلر ونازييه خلال الحرب العالمية الثانية، فيما يقول لنا لورانس داريل في "رباعيته" الإسكندرانية البديعة إن قطاعات عريضة من ذلك الشعب كانت تقف إلى جانب الإنجليز، فإن فريّا ستارك الرحالة والمغامرة والكاتبة الإنجليزية تقول لنا بوضوح، في كتبها الواقعية التي لا تنهل من المخيلة كما يفعل الكاتبان الكبيران بل من سيرتها ورحلاتها، أن الشعب المصري كان منقسماً عمودياً بين الألمان والإنجليز وكانت مهمتها التي كلفت بها هي أن تنشر آراء ومواقف مناوئة للألمان، من دون أن تعترف بأن هذه المهمة تنتمي عادة إلى وظائف أجهزة الاستخبارات. والحقيقة أن هذه "البراءة" تطغى ليس فقط على الصفحات الكثيرة التي دبجتها ستارك في عدد كبير من كتبها بل أيضاً على كتاب "رحالة متحمسة" الذي صدر قبل سنوات وترجم إلى العربية في القاهرة، وهو من تأليف جين فاتشر جنّس التي عرفت فريّا عن كثب وأمضت سنوات في العمل معها على الكتاب.

لا ينفي ولا يؤكد!

طبعاً لا ينفي الكتاب جاسوسيّة فريّا ستارك، لكنه لا يوضحها صراحة بل يتحدث عنها وعن "مهنتها" كأنها أمور بديهية وعن تعاملها مع الاستخبارات الإنجليزية كأنه جزء بسيط من مسار حياتي طويل ولّد لديها خيبة كبيرة على أية حال. وفريّا ستارك، تعتبر في وطنها إنجلترا أسطورة حقيقية، وأثار موتها عام 1993 عن مئة عام ضجة كبيرة. لماذا؟ لأنه ذكّر كثراً بتلك الحقيقة التي كانت تغيب عن بالهم، حقيقة أن فريّا ستارك، كانت أيضاً – إضافة إلى نشاطاتها الاستكشافية والإبداعية وفرادتها كرحالة - عميلة لدى وزارة الخارجية البريطانية، وعلى الأقل خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وبعض السنوات السابقة لتلك الحرب. عندما كشف هذا الأمر، دهش كثر. ومع هذا كان بديهياً. إذ لولا أن فريّا ستارك كانت، مثل كثر من الكتاب والصحافيين والرحالة الإنجليز الذين جابوا العالم وكتبوا عنه خلال النصف الأول من القرن العشرين، عميلة لسلطات بلدها، ما كان في إمكانها أن تقوم بمغامراتها الشرق أوسطية.

أرستقراطية في الميدان

النشاط الكتابي لم يكن إذاً، كل شيء في حياة تلك الأرستقراطية البريطانية، بل إن نشاطها الاستخباراتي تجاوز هذا بكثير. وبدت نتائجه، في مصر الثلاثينيات والأربعينيات، كبيرة وهامة باعتراف فريّا ستارك نفسها. ومع هذا، حين أدلت بهذه الاعترافات فغر كثر أفواههم دهشة وكأنهم لم يكونوا يعرفون، ترى هل كان في إمكانهم، حقاً، أن يجهلوا أن فريّا ستارك، أسست وقادت في القاهرة والإسكندرية خلال تلك السنوات منظمة موالية للإنجليز تدعى "أخوية الحرية"، ضمت في أيامها الأولى 12 عضواً، ليصل عدد أعضائها خلال شهور، وكما قالت ستارك بنفسها، إلى أكثر من 100 ألف عضو؟ وهل كانوا يجهلون، أن نشاط هذه الجمعية تركز بشكل خاص في مناهضة الحزب الاشتراكي الفاشي الذي أسسه وقاده أحمد حسين؟ وكذلك، في تجنيد عملاء مصريين يعملون ظاهرياً من أجل الحرية، وباطنياً في خدمة دوائر استخبارات وزارة الخارجية البريطانية؟ وأيضاً وأيضاً في "فضح" ومناهضة مواقف القصر الذي كان متناحراً مع حكم حزب الوفد، الذي– بعد عداء طويل عريض للاحتلال البريطاني– صار في ذلك الحين راعياً غير معلن لنشاطات "أخوية الحرية"؟

في صف واحد مع الكبار

الواقع أن فريّا ستارك، المولودة عام 1893، في باريس من أب إنجليزي رسام وأم إيطالية كانت فنانة هي الأخرى، والتي بدأت اهتمامها بالعالم العربي والشرق الأوسط ولغاتهما باكراً في صباها كما يؤكد كتاب "رحالة متحمسة"، وقامت طوال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين بمغامرات وأسفار، ما كان يمكن لها أن تكون شخصية وتلقائية. فهي، وكما يروي كتاب "رحالة متحمسة" وتروي هي في كتبها، وصلت منذ بدأت تلك الأسفار، إلى مناطق في جنوب الجزيرة وغرب إيران وصحارى العراق وجبال سورية، وصعيد مصر، لم تكن قد وطأتها قدم أجنبية من قبلها... فكيف إذا كانت الواطئة امرأة؟ لقد غاصت فريّا سنوات وسنوات وكما يروي لنا "رحالة متحمسة" بشكل شيق وترجمة بديعة قام بها المصري صبري محمد حسن، في عمق مناطق بالغة الخطورة. وفي مرات عدة كان المهتمون بها يعتقدون أنها خطفت أو ماتت أو اغتصبت... لكنها في كل مرة كانت تظهر من جديد معافاة قوية مبتسمة، مؤكدة أنها تجاوزت أخطاراً كادت دائماً تقضي عليها. ثم تجلس في هدوء لتكتب نوعين من النصوص: نوعاً يبدو كحكايات ألف ليلة وليلة، وضعها دائماً في صف واحد مع كبيرات رحالات القرن العشرين مثل إيلا مايار (السويسرية) وألكسندرا دافيد نيل (الفرنسية)، ونوعاً ثانياً، كان بالأحرى تقارير سياسية عن شعوب تلك المناطق وحياتها وعاداتها، ومواقفها ممن يحكمها أو يحتل أراضيها. ويمكننا أن نتصور أن هذه الكتابات الأخرى، والتي لم ينشر معظمها إلا لاحقاً، هي التي لعبت ذلك الدور الكبير، في المخططات التي وضعتها الأجهزة البريطانية، بهدف معرفة أساليب التعامل مع دروز سوريا، وقبائل العراق، وسكان وادي الحشاشين في إيران، وأهل حضرموت في اليمن وما إلى ذلك. وهنا يمكننا أن نفترض بأن هذا التخطيط الذي رسمته أدمغة في أجهزة الاستخبارات الإنجليزية انطلاقاً من كتابات فريّا ستارك وتقاريرها، كان هو الذي دفع أجهزة بريطانيا العظمى، عشية الحرب العالمية الثانية وخلالها، إلى أن تطلب من ستارك، ليس فقط مدها بالمزيد من التقارير، بل التوجه إلى تلك المناطق النائية، والمتصارع عليها أيديولوجيا بين ألمانيا النازية والحلفاء، كي تقنع السكان وشيوخهم، بالتعاون مع الإنجليز، بدلاً من تصديق دعاية هتلر، القوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أسئلة حائرة

فريّا ستارك، على أية حال، لم تُخف هذا الجانب من نشاطها، لا بالنسبة إلى ما فعلته في العراق، لا سيما لدى العشائر في المناطق الغربية المتاخمة لسورية، ولا في الشرق حيث تختلط إيران بالعراق، ولا بالنسبة – بخاصة – إلى ما فعلته في مصر، حيث من المؤكد أن سمعتها في هذا البلد واحترام الناس لها، ناهيك بالعلاقات الكبيرة والعميقة التي كانت أقامتها مع أوساط وفدية طوال السنوات السابقة، مكنها هذا كله من تأسيس تلك الجمعية "الخطيرة"– على حد قولها، كما على حد ما يسهب كتاب سيرتها في التأكيد عليه– والتي كانت هي التي تصدت للدعاية النازية في بلد كان، في رأيها– مأخوذاً بتلك الدعاية.

ومع هذا كله، لم تكن لفريّا ستارك عواطف إنجليزية واضحة أو هذا على الأقل ما تقوله لنا تأكيدات عدة ترد في الكتاب. حيث نجد أن ستارك المولودة في باريس، عاشت الجزء الأكبر من صباها في شمال إيطاليا، حيث تعلمت فن الرسم وأتقنته، ثم انتقلت لترتحل بين مناطق الشرق الأوسط "تدفعني إلى ذلك– كما ستقول لاحقاً– رغبات غامضة وفرتها لي قراءتي منذ الطفولة لألف ليلة وليلة، في نسخة قديمة أهدتني إياها جدتي فقلبت حياتي رأساً على عقب". وهي بعد ذلك قرأت في الفرنسية كتب ألكسندر دوماس. لكنها منذ تعلمت العربية والفارسية وأتقنتهما، حدث ذلك الانقلاب المدهش في حياتها، الانقلاب الذي قادها منذ عام 1929، إلى لبنان ثم إلى العراق، حيث صارت تقيم بشكل شبه دائم، وتنفق بلا حساب وتقرأ، وتتوغل في مناطق شبه مجهولة ثم مجهولة تماماً. ثم بعد ذلك كله تكتب وتكتب لينشر كل كتاب لها، ترسله إلى ناشرها في لندن، على الفور.

اهتمامات متنوعة

ولعل ذكرنا أسماء بعض كتبها يكفي لوضعها في إطار تنوع اهتماماتها ودقتها: "خطط بغداد" (1932)؛ "وادي الحشاشين" (1934)؛ "باب الجزيرة الجنوبي" (1936)؛ "ما رأيته في حضرموت" (1938)؛ "شتاء في الجزيرة العربية" (1940)؛ "رسائل من سورية" (1943)... علماً بأنها ظلت، ودائماً بحسب كتاب "رحالة متحمسة"، تكتب وتنشر حتى عام 1976. منكبة في رحاب بيتها البريطاني، على ذكرياتها، تستقبل بين الحين والآخر، على رغم تقدمها في العمر، عشرات الزوار، أسبوعياً، من أناس يقدرونها ويحبون كتاباتها، ويسألونها عن تفاصيل مدهشة.. لكنهم ينسون في خضم احترامهم لها وانشغالهم بها، أن يسألوها، من أين كانت تمول تلك الرحلات... وكيف استطاعت طوال أكثر من نصف قرن، أن تقنع ملايين القراء ببراءة تحركها؟

المزيد من ثقافة