المعارض السوداني علي محمود حسنين: المجلس العسكري يحاول الالتفاف على الثورة

يقول لـ"اندبندنت عربية" بعد عودته إلى الخرطوم: قد نشهد البشير حراً في المستقبل القريب

شكلت عودة زعيم التجمع الاتحادي المعارض علي محمود حسنين، إلى السودان بعد غياب عشرة أعوام، دافعاً كبيراً للتيار المعارض الذي قاد الاحتجاجات في البلاد مدة أربعة أشهر كلّلت بعزل الرئيس عمر البشير. غادر حسنين الخرطوم بعد تلقيه تهديدات بالقتل من جهاز الأمن والمخابرات عقب إعلانه في العام 2009 تأييد قرار محكمة الجنايات الدولية في لاهاي ضد الرئيس المخلوع، ومطالبته بالقبض عليه ومحاكمته فوراً.

أما الآن فقد تغيير موقفه إذ أعلن رفضه محاكمة رأس النظام السابق خارجياً لأسباب عدة.

في مقابلة مع "اندبندنت عربية" اتهم حسنين المجلس العسكري بالالتفاف على مطالب الثورة ومحاولته ابتزاز القوى المدنية وآلاف المحتجيين السلميين الذين يطالبون بنظام حكم مدني يعبّر عن تطلعاتهم. وطالب حسنين تحالف قوى الحرية والتغيير الذي يقود الاحتجاجات عبر كتلته المكوّنة من "قوى الإجماع" و"نداء السودان" و"التجمع الاتحادي"، إضافة إلى "تجمع المهنيين السودانيين"، بالإسراع في تلبية مطالب الشارع الذي قال إنه متقدم كثيراً في التعبير عن مواقفه ومطالبه عليهم.

إزالة النظام

يذكّر حسنين بأنه "لم يكن هدف الثورة إزالة البشير من السلطة فحسب، إنما إسقاط النظام بالكامل بكل قادته ومؤسساته ورموزه. لذلك فإن عزل البشير وحده لا يعني تلبية مطالبنا كلها، التي عبّرنا عنها في أكبر ثورة يشهدها السودان".

ويعتبر حسنين أن رئيس المجلس العسكري الحالي عبد الفتاح البرهان يأخذ شرعيته من عسكري سابق هو الفريق أول ركن عوض بن عوف الذي انقلب وعزل البشير ولا يعبر عن تطلعات الثورة. ويوضح ذلك قائلاً إن "الاحتجاجات أجبرت القوات المسلحة على الانحياز إلى الجماهير فأصدرت بياناً بعزل البشير واعتقاله، ومن أعلن ذلك هو بن عوف نائب البشير الذي رفضه الشارع قبل أن يتقدم باستقالته وتعيينه البرهان. وعليه فإن الأخير يستمد شرعيته من الضابط الانقلابي ابن عوف".

ومضى بالقول "البرهان استجاب لجزء من أهداف الشارع، بقوله إنه سيسلم السلطة التنفيذية المتمثلة في مجلس الوزراء للمدنيين مع احتفاظه بالسلطة الرئاسية متمثلة في المجلس العسكري. ما يعني حكماً عسكرياً مدة سنتين يتولاها الجيش، ذلك الالتفاف بعينه على مطلبنا الذي لن نقبل به، الشعب ثار ضد حكم العسكر الذين أخذوا من عمرنا 52 عاماً، ولم نتمتع بالديمقراطية سوى 9 سنوات متقطعة منذ إعلان استقلال البلاد في العام 1956".

انتهاكات النظام العسكري

يتّهم زعيم التجمع الاتحادي المعارض الأنظمة العسكرية بعرقلة حركة التقدم في البلاد  بقوله "النظام العسكري أشاع الفرقة ومزّق النسيج الاجتماعي وفصل جنوب السودان، وتسبب في الحروب الأهلية في إقليم دارفور وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان".  ويسأل عن الشرعية التي يستند إليها العسكريون لتولي الحكم "هل لأنهم يملكون السلاح؟ السلاح هو ملك للشعب وعليهم أن يحموه به، لا أن يستخدموه وسيلة للحكم... العسكر ليس مجالهم الحكم، وبحكم التجارب السابقة هم يفاقمون الأزمات لعدم معرفتهم بأعراف الحكم المدني".

وفي تعليقه على إعلان المجلس العسكري في السودان بأنه لن يحل نفسه وإن المدنيين سيتولون المناصب التنفيذية في مجلس الوزراء والبرلمان، من دون السماح بتكوين مجلس رئاسي مدني، يقول "لماذا نقبل بأن يكون البديل عسكرياً، وليس مدنيناً وهو الوضع الطبيعي، الشعب ثار ضدهم والآن يقولون إنهم سيتولون الحكم  لحفظ الأمن العام الذي هو مسؤولية المؤسسات العسكرية، وتحقيق الأمن لا يعطيهم الحق في أن يكونوا في مركز قيادة البلاد، لن نقبل بأن يرهن العسكريون تحقيق الأمن بتولي الرئاسة، هذا نوع من الابتزاز السياسي المرفوض وحديث معوج وسخيف".

تعطيل تصفية نظام البشير 

يتّهم "المجلس العسكري وتحديداً منذ أن أعلن البرهان أنه رئيس له، بالالتفاف على مطالب الثورة وتعطيل خطوات المحاسبة وتصفية النظام السابق".  ويتابع في حديثه إلى "اندبندنت عربية" "هم لم يشرعوا في حلّ حزب المؤتمر الوطني، على الرغم من أنهم أعلنوا في بيانهم الأول أنهم جاؤوا لاجتثاث مؤسسات النظام السابق ورموزه، ولم يفعلوا ما قالوه، ولم يتخذوا خطوات معلنة لحل قوات الأمن الشعبي على سبيل المثال، وهي قوات غير شرعية أنشأها النظام السابق لحمايته وتثبيت حكمه وتتبع للحزب وليس الدولة".

ويضيف "أعلن العسكريون أنهم سيدمجون تلك القوات في المؤسسات الرسمية العسكرية، أنا أعترضت على ذلك لأنها مليشيات إيديولوجية لا يجوز أن تنضم إلى مؤسسة الجيش القومية التي أنهكها النظام السابق عن عمد، وسجلتُ أعتراضاً على خطوة لاحقة أعلن فيها المجلس العسكري نزع سلاح تلك القوات، لكن ذلك لن يتمّ بخطوات شفافة ومضمونة حتى الآن ونحن لا نثق في إعلانهم ذلك".

اعتقال رموز النظام 

ويقلّل زعيم التجمع الاتحادي من خطوة المجلس في اعتقال بعض رموز النظام ويعتبرها محاولة لامتصاص غضب الشارع. ويشير إلى أنه "أطلق سراح غالبيتهم من دون أن نعلم كيف تمّت محاسبتهم أو التهم التي وجهت إليهم، ولا الضوابط والأسس القانونية التي تتم بموجبها عمليات التحفظ وإطلاق السراح... هو يحاول كسب الشارع ولا يساورني الشك في أن المجلس العسكري سيستمر على هذا النهج، وسيطلق سراح جميع من أعتقلهم بمن فيهم الرئيس المخلوع عمر البشير".

يضيف "المجلس منذ البداية تحدث بلهجة غير مفهومة، إذ قال في بيانه الأول عن مصير البشير: اعتقلناه في مكان آمن. وذلك يعني أن هدفه حمايته، وإذا كانوا يعترفون بشرعية الاحتجاجات عليهم أولاً فتح بلاغ في مواجهة من قاموا بالانقلاب في العام 1989، أي حزبي المؤتمر الوطني، والمؤتمر الشعبي الذي كان يتزعمه حسن الترابي، الآب الروحي لنظام الإنقاذ الذي كان يقوده البشير، وكون الشعبي خرج من الحكومة في العام 1999 فإن ذلك لا يعني أنه بريء من جريمة الانقلاب على نظام دستوري منتخب ديموقراطياً". 

سلطة مدنية 

ودعا حسنين "إلى الترتيب للانتقال إلى سلطة مدنية كاملة، في مجلس رئاسي ومجلس وزراء وبرلمان كله من المدنيين، كما طالب بسرعة بتكوين مجلس الرئاسة المدني لأنه مرتبط بالإجراءات العاجلة لمحاسبة رموز النظام السابق وتصفيته وحصر الأموال المنهوبة وغيرها من الأمور التي طالب بها المحتجون".

وجدّد حسنين الاتهام إلى المجلس العسكري الانتقالي "بمحاولة التلاعب على مطلب المجلس الرئاسي المدني، وذلك المطلب الأول للثورة لأنه الضامن لإعادة السلطة إلى الشعب من عناصر حزب المؤتمر الوطني". وطالب "قوى الحرية والتغيير التي اعتبرها الممثل الشرعي للثورة بالإسراع في تكوين مجلس الرئاسة وأقترح أن يكون من سبعة أعضاء مدنيين يمثلون أقاليم البلاد ويضم ممثلاً للمرأة". 

السلطة تعود للشعب

وقال إن العسكريين إذا رفضوا الانصياع لتلك الخطوة فإن "السلطة تعود للشعب ليمارس الديموقراطية المباشرة التي تجسّدت في ثورة أبريل (نيسان) الحالي، وينبغي على المعتصمين أن يختاروا مجلسهم الرئاسي من مقر اعتصامهم وأن يأتوا بمن أختارهم الشعب لتأدية القسم أمام ملايين المحتجين، وبذلك يكتسبون صفة الشرعية لانتخابهم بصورة مباشرة من الجماهير، وذلك أرفع أشكال الديموقراطية ويمثل إرادة الأمة، ومن بعد ذلك يُعلن هذا المجلس للمجتمع الدولي للاعتراف به. 

ونادى بأن "تتم خطوة انتخاب الجماهير مجلس الرئاسة في غضون اليومين المقبلين، بعضوية من سبعة أشخاص، ويجوز أن ينضم إليه اثنان أو ثلاثة من العسكريين إذا تم الاتفاق على ذلك".

وأعتبر أن "الشارع متقدّم والشباب سبقوا القوى السياسية الموجودة في الساحة، لأنهم أخذوا المسائل بشفافية ومن دون حسابات مختلفة، كان شعارهم واحداً تسقط بس، وطالبوا بسلطة مدنية... بعض القوى ولا أقول كلها لديها حساباتها السياسية ورؤاها المختلفة  وبعضها كان يسعى إلى الحوار مع النظام السابق ومشاركته في الحكم، والآن يحاول أن يدخل في حوار مع النظام العسكري الموجود حالياً مستعيناً بالأحزاب التي كوّنها النظام السابق".

محاكمة البشير 

وأعلن حسنين عن تغييره موقفه المعلن مسبقاً بضرورة محاسبة عمر البشير في محكمة الجنايات الدولية في لاهاي التي وجهت إليه تهماً متعلقة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في الحرب التي يشهدها إقليم دارفور منذ العام 2003.

وأعلن في مقابلته مع "اندبندنت عربية" رفضه محاسبة الرئيس المخلوع عمر البشير خارج السودان، وقال " كنت من أكثر المؤيدين لتلك المحاكمة وتعرضت للتهديد من البشير نفسه بالتصفية حيث أبلغني ذلك نائب مدير جهاز الأمن والمخابرات آنذاك الفريق محمد عطا بأنه ستتم تصفيتي إذا استمررت في المطالبة بمحاكمة البشير في لاهاي، وذلك كان سبب إبعادي من البلاد قبل عشرة أعوام. وبنيت رفضي على ثلاثة أسباب أولها، لأنه سيحاكم على جرائم الحرب في أقليم دارفور فقط، بينما البشير أرتكب جرائم في البلاد كلها من إضعاف الجيش والفصل التعسفي وإشاعة الفتنة. ثانياً، المحكمة الجنائية لا تقر عقوبة الإعدام، وبنظامنا القانوني في السودان ارتكب البشير جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام. ثالثاً السجون في لاهاي سجون "فندقية" والبشير أمعن في إذلال السوادنيين بإدخالهم السجون الانفرادية وما نعرفه محلياً ببيوت الأشباح السيئة السمعة، والتقييد بالسلاسل، ما تعد انتهاكات لحقوق الإنسان لن يحاسب عليها خارجياً". 

المزيد من العالم العربي