Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الماكارثية تدفع ميلر وكازان إلى مبارزة عنيفة على الشاشة والمسرح

اليوناني الواشي يرد على "مشهد" الأميركي النزيه بفضح فساد النقابات

إيليا كازان وآرثر ميلر (غيتي)

نعرف بصورة عامة أن المخرج الأميركي من أصل يوناني إيليا كازان (1909 – 2003) عاش العقود الأخيرة من حياته التي امتدت طويلاً، تحت وطأة الوشاية التي سلم عبرها عدداً من "رفاقه" اليساريين السابقين وزملاءه في المهن السينمائية والمسرحية إلى لجنة السيناتور ماكارثي التي أطلقت بين أواخر أربعينيات القرن العشرين وبداية خمسينياته، حملة مطاردة مسعورة ضد كل من يشي به متعاون معها بأنه كان أو لا يزال الآن يسارياً وبشكل أكثر وضوحاً: شيوعياً. صحيح أن استنتاجات لاحقة أكدت أن حملة السيناتور الجمهوري اليميني المتطرف، إنما استهدفت في الحقيقة أعداداً كبيرة من الديمقراطيين والروزفلتيين الأميركيين بأكثر كثيراً مما استهدفت الشيوعيين، بيد أن هذا ليس ما يهمنا هنا. بل ما يهمنا هو الكيفية التي أثرت بها تلك الظروف على التعاون، بل حتى على الصداقة بين اثنين من عمالقة الفنون المشهدية الأميركية في ذلك الحين: الكاتب المسرحي الكبير آرثر ميلر (1915 – 2005) والمخرج المسرحي ثم السينمائي إيليا كازان. ونعرف طبعاً أن ميلر لاستيائه من كازان معتبراً إياه "واشياً" و"كاذباً" بادر إلى مقاطعته كلياً بعد ما كانت تربطهما صداقة عميقة، وهذا من دون أن يكون ميلر متضرراً شخصياً من وشاية صاحبه السابق. وكانت تلك المقاطعة الضربة الأكثر إيلاماً التي تلقاها كازان باعترافه لاحقاً، لأن ميلر كان من أقرب أصدقائه بل إن كازان بنى مجده المسرحي، قبل السينمائي أصلاً، على إخراجه مسرحيات لميلر يوم كانت تجمعهما أفكار ديمقراطية تفوق في يساريتها لدى كازان ما تتسم به من نزعة يسارية إنسانية لدى ميلر. ويمكننا منذ الآن أن نشير إلى أن ما أغاظ هذا الأخير لم يكن تخلي كازان عن أفكار يتشاركها معه منذ سنوات، بل تخليه عن مبادئه الخاصة بشكل رآه جباناً يفتقر إلى أي قسط من النزاهة.

مسرحية لفضح الواشي

وكان ذلك بالتحديد ما عبر عنه ميلر في مسرحيته الكبرى "مشهد من على الجسر" التي كانت تعديلاً أجراه في نحو عام 1954، أي بعد الفعلة التي اقترفها كازان بوشايته، على صياغة أولى للمسرحية نفسها تعود إلى ما قبل الوشاية وكان يفترض أن يخرجها كازان للمسرح كعمل تال لتعاونهما المسرحي في مسرحيتين سابقتين لميلر هما "كلهم أبنائي" (1947)، ثم "موت بائع متجول" (1949). يومها تخلى ميلر عن المشروع الجديد وأعاد كتابة المسرحية التي تدور في أوساط المهاجرين السريين الإيطاليين، مشدداً في التعديل الجديد على سمة في المسرحية كانت تمر بشكل غير أساسي في الصياغة الأولى وهي، تحديداً، الوشاية. ففي الأساس كان التركيز يدور من حول الحب والغيرة و"المثلية" و"زنى المحارم" في أوساط عائلة إيدي كاربوني الصقلية الأصل التي تعيش في نيويورك وتخبئ بشكل مؤقت قريبين وصلا حديثاً من إيطاليا ولم يحصلا بعد على الأوراق التي تمكنهما من الإقامة. ومن هنا تنبع وشاية إيدي الذي يستثير غيرته غرام يولد بين رودولفو، أحد القريبين المختبئين، وكاترينا ابنة أخ إيدي التي نعرف أنه هو مغرم بها على الرغم من أن ذلك الغرام حرام دينياً وأخلاقياً. بيد أن إيدي لفرط هيامه بابنة أخيه تشتد غيرته من رودولفو إلى درجة أنه يشي به إلى سلطات الهجرة الأميركية كاشفاً عن وجوده واختبائه بشكل مفعم بالنذالة.

طيف كازان في فضاء المسرح

لقد كان من الواضح حين أنتجت المسرحية في شكلها الجديد أواخر صيف عام 1955، أن آرثر ميلر، إنما يشير فيها مباشرة إلى وشاية إيليا كازان. ونعرف طبعاً أن هذا الأخير الذي كان إضافة إلى ذلك يعرف تماماً ومن دون لف أو دوران أن ذلك التعديل الجذري كان "انتقام" ميلر منه ومعاقبته له على الوشاية، سارع، وحتى من قبل إنجاز ميلر للتعديل وبدء العمل على التدريبات المسرحية، إلى إحياء مشروع قديم له كان قد أجل تحقيقه ويتعلق بفيلم سينمائي كتب باد شولبرغ السيناريو له انطلاقاً من مجموعة مقالات كان الصحافي مالكولم جونسون قد نشرها فاضحاً فيها فساد النقابات في أحد الموانئ الأميركية ككناية عن الفساد النقابي بشكل عام. والحقيقة أن ما يمكننا افتراضه هنا هو أن "التعميم" – أي نقل الحكاية من أجواء نقابة واحدة إلى أجواء العمل النقابي ككل- قد أضيف من قبل إيليا كازان الذي كان مشروعه السابق المتعلق بالنص نفسه، يتناول فساداً نقابياً معيناً يحيد عن المبادئ النقابية الأساسية، لكنه الآن، بعد الوشاية التي قام بها وجعلته يتخلى عن كل المبادئ التي كانت طبعت ماضيه، ولرغبته في تبرير وشايته بالقول إن "الفساد يشمل العمل النقابي ككل" وبالتالي "لا بد دائماً من إيجاد السبل الكفيلة بلجمه ويا حبذا لو أتى ذلك من طريق قطع رأس الأفعى"، بحسب تعبيره في حديث صحافي عهد ذاك، ها هو، وكما تناهى إلى علمه أن صديقه "السابق" آرثر ميلر بدّل من مجرى ومعاني مسرحيته، ها هو بدوره يبدل من معاني ودلالات فيلمه الجديد ليجعله نوعاً من الرد المسبق على ميلر.

تبرير حاسم للوشاية

كما يدل عنوانه تدور أحداث الفيلم في عالم الموانئ حيث تسيطر النقابات زارعة الفساد والرشاوى فارضة الخوّات بين العمال والموظفين والحمالين فارضة سلطتها على الجميع، وهكذا من خلال سلسلة من الأحداث ينتهي الأمر بالوشاية للسلطات على "تلك الممارسات النقابية التي ليس فيها ولو ذرة، من العمل النقابي الحقيقي الذي يضع نفسه في خدمة العمال الشرفاء"، وبالتالي فإن الوشاية تصبح مبررة تماماً، لا سيما أن من يقوم بها هو بطل الفيلم مارلون براندو، على عكس الحال من الوشاية الأخرى القذرة التي يقوم بها شخص شرير وفاسد ومفسد في "مشهد من على الجسر". بالنسبة إلى إيليا كازان تبدو الوشاية مبررة، بل حتى ضرورية في بيئة يمارس فيها الأشرار كل المفاسد، بحيث تصبح الوشاية عملاً صالحاً، فيما الوشاية تكون شراً خالصاً لدى آرثر ميلر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

صراع بأسلحة إبداعية

وهكذا شهر كل من المبدعين أسلحته وباتت المعركة واضحة. وظلت تلقي بظلها الكثيف على كازان وميلر طوال حياتيهما، حتى وإن كنا نعرف أنهما، ومن دون أن يتصالحا شخصياً، سوف يعودان إلى الالتقاء في عمل مشترك بعد عدد من السنوات، وذلك حين سيخرج إيليا كازان لحساب لنكولن سنتر مسرحة ميلر "بعد السقوط" عام 1964، من دون أن يعترض الكاتب على ذلك. وهنا قد يكون من الملائم أن نقول إن كازان ظل يكابر ويتحدى بعد ذلك، لا سيما حين سئل عن الموضوع يوم العرض الأول لمسرحية ميلر "مشهد من على الجسر" فقال معلقاً "لقد كان "في الميناء" فيلمي الخاص، حكايتي الخاصة. ومن هنا كان حرصي خلال كل يوم من أيام التصوير أن أؤكد للجميع مكاني في هذا العالم، وأقول لنقادي: اذهبوا إلى جهنم!". ولم يزد على ذلك. لكنه بقي في العدد الأكبر من أفلامه التالية يحرص على تبرير الوشاية (كما مثلا في "الزائرين" الذي سيكون واحداً من آخر أفلامه) كما سيفعل أيضاً في كتاب ذكرياته الذي روى فيه الحكاية كلها، معتبراً ماضيه اليساري غلطة في تاريخه.

فعل نذالة

وفي المقابل ستبقى الوشاية كفعل نذالة، واحداً من هواجس آرثر ميلر الأساسية التي يعود إليها في مسرحياته الرئيسة الكبرى، لا سيما في "ساحرات سالم" (1952) و"حادث في فيشي" (1964) وحتى في النص الذي كتبه للسينما عام 1960 "الجانحون" لتمثله زوجته آنذاك مارلين مونرو إلى جانب كلارك غايبل ومونتغمري كليفت من إخراج جون هستون، وهو الفيلم الذي سيشتهر خصوصاً بكون أبطاله الثلاثة قد ماتوا تباعاً خلال الشهور القليلة التي تلت اشتراكهم في بطولة الفيلم. وكانت أولهم مارلين التي افتتحت "احتفال الموت الجماعي" هذا بانتحارها.

المزيد من ثقافة