Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تهرب الصين من العقوبات الأميركية عبر اليوان الرقمي؟

الإصدار الجديد يمنح بكين سلطة تتبع الإنفاق بعيداً من رقابة النظام الدولي

تعمل بكين على إتاحة اليوان الرقمي للاستخدام الدولي (أ ف ب)

تشعر بكين بالانزعاج من التوسع السريع في سجل العقوبات الأميركية، الذي يضم اليوم أكثر من 250 اسماً صينياً ما بين أفراد وشركات، بما في ذلك سياسيون تتهمهم الولايات المتحدة بارتكاب فظائع ضد الأقليات العرقية، أو تقييد الحريات في هونغ كونغ. 

جراء هذه العقوبات الأميركية تحتفظ رئيسة السلطة التنفيذية في هونغ كونغ كاري لام بمخزون نقدي في منزلها، لأن البنوك تخشى التعامل معها كي لا تتعرض أموالها للتجميد الأميركي، لكن يمكن أن يمنح اليوان الرقمي مخرجاً لها ولأولئك الذين تسعى الولايات المتحدة إلى معاقبتهم والحد من تبادلهم للأموال. كما لن تحتاج البورصات إلى استخدام "سويفت"، وهي شبكة المراسلة المستخدمة في تحويل الأموال بين البنوك التجارية، ويمكن للحكومة الأميركية مراقبتها، بالتالي قد يشكل اليوان الرقمي فرصة لإضعاف قوة العقوبات الأميركية ليس على الأفراد والشركات الصينية فحسب، إنما أيضاً على حلفاء بكين وبخاصة الدول التي تصفها واشنطن بالمارقة، وعلى رأسها إيران وكوريا الشمالية وكذلك رؤساء مثل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والعسكر في ميانمار.

"المركزي" الصيني يحكم قبضته

منذ ألف عام، عندما كان المال يعني العملات المعدنية، اخترعت الصين العملة الورقية، واليوم تقوم الحكومة بسك النقود رقمياً، في إعادة تخيل الأموال التي يمكن أن تهز أحد أعمدة القوة الأميركية.

وسيتم التحكم في نسخة الصين من العملة الرقمية من قبل البنك المركزي. ومن المتوقع أن يمنح الحكومة أدوات جديدة واسعة النطاق لمراقبة اقتصادها وشعبها. وسوف يلغي اليوان الرقمي إحدى المميزات الرئيسة لعملة "بيتكوين"، التي لا تكشف عن هوية المستخدم. 

وفي حديثه في منتدى الشهر الماضي، قال دي مو، مسؤول البنك المركزي الصيني، إن اليوان الرقمي يهدف إلى حماية "السيادة النقدية" للبلاد، بما في ذلك تعويض الاستخدام العالمي للدولار. 

لن يرتبط بالنظام المالي العالمي   

تعمل بكين أيضاً على إتاحة اليوان الرقمي للاستخدام الدولي، وتصميمه ليكون غير مرتبط بالنظام المالي العالمي، بحسب "وول ستريت جورنال"، حيث كان ولا يزال الدولار الأميركي هو الملك منذ الحرب العالمية الثانية. 

وتتبنى الصين الرقمنة في عديد من المجالات، بما في ذلك المال، في محاولة لاكتساب سيطرة أكثر مركزية مع الحصول على السبق في تقنيات المستقبل. وقال مو تشانغ تشون، الذي يرعى المشروع في بنك الشعب الصيني، "من أجل حماية سيادة عملتنا ووضعنا القانوني، علينا التخطيط للمستقبل". 

ويمكن للأموال الرقمية أن تعيد ترتيب أساسيات التمويل بالطريقة التي عطلت بها "أمازون دوت كوم" تجارة التجزئة وأحدثت فيها شركة "أوبر تكنولوجيز إنك" اهتزازاً في أنظمة سيارات الأجرة. كما أن قيام الصين بإدخال عملة رقمية وطنية يدفع واشنطن إلى كثير من القلق. 

ورداً على سؤال في الأسابيع الأخيرة عن مدى تأثير العملات الوطنية الرقمية مثل العملة الصينية على الدولار، قال وزير الخزانة جانيت يلين ورئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، إن المسألة قيد الدراسة بجدية، بما في ذلك فكرة الدولار الرقمي. 

الدولار يتفوق على عملات العالم

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لقد واجه الدولار تحديات من قبل (اليورو، على سبيل المثال)، لكن أهميته برزت عندما اتضحت أوجه القصور لدى منافسيه. وبحسب أحدث التصنيفات الصادرة عن بنك التسويات الدولية، يتفوق الدولار بكثير على جميع العملات الأخرى لاستخدامه في تداولات العملات الأجنبية الدولية بنسبة 88 في المئة. في حين تم استخدام اليوان بنسبة 4 في المئة فقط. 

ويقول المحللون والاقتصاديون، إن الرقمنة في حد ذاتها لن تجعل اليوان منافساً للدولار في التحويلات البرقية من بنك إلى آخر، ولكن اليوان في شكله الجديد قد يكتسب زخماً على هوامش النظام المالي الدولي. وسيوفر خيارات للناس في البلدان الفقيرة لتحويل الأموال دولياً. حتى الاستخدام الدولي المحدود، يمكن أن يخفف من لدغة العقوبات الأميركية، التي تُستخدم بشكل متزايد ضد الشركات أو الأفراد الصينيين.

وقال جوش ليبسكي، وهو موظف سابق في صندوق النقد الدولي ويعمل الآن في مركز أبحاث المجلس الأطلسي، "أي شيء يهدد الدولار هو مسألة تتعلق بالأمن القومي، واليوان الرقمي يهدده على المدى الطويل". 

يتداول مع الأوراق النقدية والعملات المعدنية  

اليوان الرقمي في الفضاء الإلكتروني سيكون متاحاً على الهاتف المحمول (أو على بطاقة لمن هم أقل معرفة بالناحية التقنية)، ولا يتطلب إنفاقه اتصالاً عبر الإنترنت بالضرورة. 

وفي الاختبارات التي أجريت في الأشهر الأخيرة، قام أكثر من 100 ألف شخص في الصين بتنزيل التطبيق ليتمكنوا من إنفاق منح حكومية صغيرة من النقد الرقمي مع التجار، بما في ذلك المنافذ الصينية لـ"ستاربكس" و"ماكدونالدز". 

وقالت تاو وي، شابة من بكين، بعد مشاركتها في الاختبار، "إنه جيد جداً". لم يستغرق الأمر سوى لحظة لدفع ثمن صورة عيد ميلاد ابنتها من خلال توجيه جهاز "أيفون" الخاص بها نحو ماسح ضوئي. كما سمح الحزب الشيوعي الصيني للأعضاء بتسوية المستحقات الشهرية باليوان الرقمي. 

وكانت الصين قد أشارت إلى أن اليوان الرقمي سيتم تداوله جنباً إلى جنب مع الأوراق النقدية والعملات المعدنية لبعض الوقت. ويقول مصرفيون ومحللون آخرون، إن بكين تهدف إلى رقمنة جميع أموالها في نهاية المطاف. 

مراقبة

وتبدو النقود الرقمية كأداة محتملة لأحلام الاقتصاد الكلي للحكومة الصينية، ويمكن استخدامها لتتبع إنفاق الأشخاص في الوقت الفعلي، وتسريع الإغاثة لضحايا الكوارث أو الإبلاغ عن نشاط إجرامي. وبهذه الطريقة، ستكتسب بكين سلطات جديدة واسعة لتشديد قبضة الرئيس شي جين بينغ على البلاد. 

وسيتيح اليوان الصيني التتبع، ما يضيف أداة أخرى إلى رقابة الدولة الشديدة، حيث تنشر الحكومات المحلية مئات الملايين من كاميرات التعرف على الوجه لمراقبة سكانها، وتستخدمها أحياناً لفرض غرامات وتحصيلها بمجرد اكتشاف المخالفة. 

ويشير انفجار التراكم النقدي في الصين العام الماضي إلى قلق السكان بشأن مراقبة البنك المركزي كل معاملة. وقال سونغ كي، أستاذ المالية في جامعة رينمين في بكين، في مؤتمر عقد أخيراً وفق ما أوردت "وول ستريت جورنال"، إن مقياس الصين لليوان المتداول، أو النقد، ارتفع بنسبة 10 في المئة عام 2020. 

تشتهر العملات المشفرة مثل "بيتكوين" بالتقلبات، لكن بنك الصين الشعبي سيتحكم بشكل صارم في اليوان الرقمي، لضمان عدم وجود اختلافات في التقييم بينه والأوراق النقدية والعملات المعدنية. وهذا يعني أنه لن يكون من المنطقي بالنسبة إلى المستثمرين والتجار المضاربة على اليوان الرقمي، كما يحصل مع العملات المشفرة.

وعلى الرغم من أن الصين لم تنشر تشريعاً نهائياً للبرنامج، يقول البنك المركزي إنه قد يفرض في البداية قيوداً على مقدار اليوان الرقمي الذي يمكن للأفراد الاحتفاظ به، كطريقة للتحكم في كيفية تداوله وتزويد المستخدمين بجرعة من الأمان والخصوصية. 

ولن يستخدم البنك المركزي الصيني التكنولوجيا الجديدة كوسيلة لتداول مزيد من الأموال، لأن كل يوان يتم إصداره رقمياً سيلغي في الأساس تداول واحد في شكل مادي. 

العملة المشفرة 

حين أطلقت "بيتكوين" عام 2009، قلل صانعو السياسة في معظم الدول من أهميتها إلى حد كبير، لكن بكين اهتمت بها وراقبتها وتتبعت أداءها وكانت القيادة الصينية  شديدة اليقظة تجاه التهديدات التي قد تنجم منها. واليوم تخشى أن تؤدي العملة المشفرة إلى تقويض سلطة الحكومة، إذا بدأ الناس في استخدامها بجدية. 

وقال تشو شياوتشوان، محافظ البنك المركزي الصيني بين عامي 2002 و2018، إن عملة "بيتكوين" أذهلته وأخافته في آن واحد. وفي عام 2014، أطلق دراسة رسمية لعملة رقمية صينية محتملة.

وفي منتصف عام 2019، قالت شركة "فيسبوك"، إنها تعتزم إطلاق عملتها المشفرة، فأدركت الصين وقتها، أنها يمكن أن تنتشر في قاعدة مستخدمين تتجاوز السكان المحليين، ما أدى إلى الاعتراف الفوري بأن التكنولوجيا يمكن أن تواجه العملات التقليدية. وبينما ركزت السلطات الأميركية على إيقاف "فيسبوك"، نجحت الصين في النهاية في تسريع سعيها للحصول على اليوان الرقمي، حيث أطلقت التجارب في أبريل (نيسان) 2020.  

المزيد من عملات رقمية