Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما نتائج طباعة مصرف لبنان العملة الورقية بمعدلات مرتفعة؟

الكتلة النقدية المتداولة ارتفعت من 17 ألف مليار إلى قرابة 40 ألف مليار ليرة في أقل من سنتين

لا خطة واضحة لدى الحكومة ومصرف لبنان للخروج من الأزمة النقدية والمالية (رويترز)

يضع قانون "النقد والتسليف" قيوداً معقدة على طباعة النقد اللبنانية. وتلزم المادة 69 المصرف المركزي بتغطية ما لا يقل عن 50 في المئة من النقد الوطني بموجودات من الذهب واحتياطي العملات الأجنبية التي تضمن سلامة تغطية النقد اللبناني بنحو 30 في المئة من قيمة النقد الذي أصدره وقيمة ودائعه تحت الطلب، إلا أن الاتساع الهائل في الفجوة المالية بين طلب السوق اللبنانية المقدرة شهرياً بنحو 600 مليون دولار لتغطية الاستهلاك المحلي، مقابل العرض الذي لا يتجاوز 120 مليون دولار، يدفع في اتجاه طباعة أطنان من العملات الورقية بالليرة اللبنانية لتغطية الفارق. ما أدى إلى ارتفاع كبير في معدلات التضخم وطرح سلسلة تساؤلات عن المعايير التي تتحكم بطباعة كميات من النقد الوطني وتبعاتها الاقتصادية وتأثيراتها السلبية على المواطن.

ويعتبر المتخصص في الشأن الاقتصادي جاسم عجاقة أن "كل يوم نمرّ به يشهد طبع عملات جديدة لتغطية الطلب على الليرة اللبنانية ويزيد الخسائر في غياب الحلّ السياسي، فيما الحل الضروري هو الإسراع في تشكيل الحكومة". ويحذر عجاقة من الدخول في حالة تضخم كبير يتطلب الخروج منها سنوات، والدولار لن يعرف سقفاً وسنفقد السيطرة عليه في حال عدم تشكيل حكومة لوضع خطة إصلاحية شاملة تساعد المصرف المركزي الذي يقوم بمعالجات مرحلية وسط الفوضى السياسية الهائلة".

ويقول إنه "على الرغم من هول الأزمة، فإن ​"الدولة​ لا تزال تتصرّف وكأن شيئاً لم يكن، فهي مستمرة بدفع الرواتب والأجور​ كالعادة، ولكن الفارق هو أنها لا تدفعها من خزينتها إنما بواسطة طباعة العملة التي تحصل من جانب ​المصرف المركزي​، من دون وجود خطّة واضحة لكيفية الخروج من النفق المظلم".

سد الفجوة المالية

وتشير إحصاءات مصرف لبنان إلى أن الكتلة المالية المتداولة في الاقتصاد تشهد ارتفاعاً متواصلاً بلغت قيمته في منتصف مارس (آذار) 35.980 ألف مليار ليرة مقارنة مع 34.487 ألف مليار ليرة في نهاية فبراير (شباط) الماضي، أي بزيادة 1493 مليار ليرة خلال 15 يوماً. ووفق مصادر في مصرف لبنان، فإن الكتلة النقدية المتداولة قد تتجاوز 40 ألف مليار ليرة نهاية أبريل (نيسان) الجاري، بعدما كان نحو 17 ألف مليار ليرة في عام 2019، أي​ ضخّ نحو 2000 مليار ليرة شهرياً في الاقتصاد اللبناني كمعدل وسطي.

وتشير المصادر إلى أن المصرف المركزي ملتزم بسد الفجوة المالية في موازنة الدولة بموجب قانون "النقد والتسليف"، بحيث أن الدولة تحتاج شهرياً إلى ألف و300 مليار ليرة مصاريف ورواتب لموظفي القطاع العام، في وقت تشهد واردات الخزينة منذ نهاية عام 2019 تراجعاً حاداً، بالتالي تدفع الدولة ما يتوجّب عليها من خلال طباعة العملة الوطنية. وتضيف المصادر أن المصرف المركزي بات أمام سندان دفع ثمن عجز الدولة من ناحية ومطرقة تأمين رواتب 39 في المئة من القوى العاملة، وهم موظفو القطاع العام والقطاعات الأمنية والعسكرية.

وتلفت المصادر نفسها إلى أن المصرف المركزي يدرك أن تطبيق القرار الرقم 151 القاضي بسحب الأموال المودعة من ​المصارف​ بالدولار على سعر صرف 3900 ليرة أسهم في رفع مستوى طبع النقد، إلا أنها تبرر ذلك بالواقع الاجتماعي وتخفيف وطأة تآكل القدرة الشرائية للمودعين بالدولار والذين لا يستطيعون سحب أموالهم من المصارف. وتشدد المصادر على أن المصرف المركزي لا يملك حلولاً سحرية في ظل عدم وجود أي خطّة من الحكومة لوقف الانهيار منذ عام ونصف.

ثلاثة أسباب

وعلى الرغم من تسارع تضخّم الكتلة النقدية المتداولة خارج مصرف لبنان، تؤكد المعلومات أن طبع الأوراق النقدية سيستمر في المرحلة المقبلة بمعزل عن أي إجراءات سيتّخذها المصرف، وذلك لأسباب عدة أبرزها استمرار المصارف بضخ الليرات في السوق من خلال تمويل السحوبات النقديّة بالليرة من الودائع المقومة بالعملات الأجنبية، واستمرار المصرف بخلق النقد لإقراض الدولة وتمويل عجز الموازنة العامة. وقد بلغ لغاية شهر آب (أغسطس) الماضي 2.53 مليار دولار، أي بمعدّل سنوي يقارب 3.8 مليار دولار. إضافة إلى خلق النقد لإقراض الدولة من أجل سداد مستحقاتها للمصارف بالعملة المحلية. وقد بلغت قيمة الأموال التي أقرضها مصرف لبنان للدولة لهذه الغاية 2.77 مليار دولار في عام 2020.

طبع عشوائي

ويرى المتخصص في الشأن الاقتصادي زياد ناصر الدين أن "النهج الذي يتّبعه مصرف لبنان في طباعة العملة بشكل عشوائي أدى إلى توسيع دائرة التضخم بشكل مخيف أدت إلى رفع سعر صرف الدولار، وتآكل الرواتب والأجور والقدرة الشرائية". ويعتبر ناصر الدين أن "لطباعة العملة شروطاً وضوابط يجب أن تترافق مع بعض الضمانات لحمايتها، كأن يكون لدى البنك المركزي ما يوازي كمية الطباعة من الاحتياطات الأجنبية، أو ما يوازيها من الذهب، أو أقله يجب أن يكون لديه ما بين 30 و40 في المئة من نسبة الطباعة مغطاة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقدر ناصر الدين احتياطات مصرف لبنان من العملات الأجنبية بأقل من 16 مليار دولار، وقيمة الذهب بحوالى 16 مليار دولار، إضافة إلى موجودات نقدية لدى المصارف بقيمة 13 مليار دولار، في حين وصل الدين العام في لبنان إلى 95 مليار دولار، 60 في المئة منها سندات بالليرة اللبنانية والمتبقي بالدولار.

ويرفض ناصر الدين تبريرات المصرف المركزي في شأن طباعة الليرة بأنها تهدف إلى حماية المواطنين، ويقول إنه "عندما يُخفّف مصرف لبنان من طباعة الليرة، فإنه يُخفّف حكماً من الطلب على الدولار، بالتالي فإن من لديه دولار سيضطر إلى عرضه في السوق، ما يسهم في انخفاض سعر صرفه".

نمو سلبي

ويشير المتخصص في الشؤون المالية والاقتصادية مارون خاطر إلى مقاربة الاقتصادي الأميركي الشهير ميلتون فريدمان، بأن "زيادة الكتلة النقدية في غياب النمو تؤدي إلى زيادة مؤشر الأسعار"، موضحاً أن "طباعة الأوراق النقدية المستمرة في لبنان تؤدي حكماً إلى ارتفاع معدل التضخم وتهاوي القدرة الشرائية للعملة، لا سيما أن الاقتصاد اللبناني يسجل في السنوات الماضية نمواً سلبياً".

ويعتبر أن "وقف الطبع والسيطرة على حجم الكتلة النقدية لا يحفِّزان النمو، الذي يجب أن يكون متلازماً مع أي زيادة في حجم هذه الكتلة"، مشدداً على أنه "لا يمكن لأي معالجة للأزمة الاقتصادية أن تنطلق من اعتبار سعر الصرف مسبباً لها، كون تدهور سعر الصرف ليس إلا نتيجة لهذه الأزمة التي سبَّبَها عدم الاستقرار السياسي والأمني واستشراء الفساد وعدم كفاءة الحكومات المتعاقبة وغياب التخطيط".

ويلفت إلى أن الأزمة وقبل أن تكون نقدية أو اقتصادية ومالية هي سياسية.

ويوافق عميد كلية إدارة الأعمال في "جامعة الحكمة" جورج نعمة، رأي خاطر بأن "طباعة الأوراق النقدية من الفئات الأكبر تعد مؤشراً على أننا نواصل مسار زيادة مستوى ​التضخم​ المفرط أساساً، والانهيار الإضافي في قيمة العملة الوطنية". ويوضح أن "هناك عاملاً نفسياً يحكم هذا الإجراء، إذ إن رؤية ورقة نقدية واحدة من فئة المليون ليرة ستزيد من فقدان الثّقة، فيما التداعيات ستكون كارثية".