Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يمهد بيان جنرالات تركيا المتقاعدين لـ"انقلاب"؟

هاجمهم أردوغان وتوعدهم بالمحاسبة والنيابة العامة تفتح تحقيقاً وعشرة ضباط في قبضة السلطات

قال أردوغان إنه لا يمكن قبول بيان الجنرالات المتقاعدين ضمن حرية التعبير (غيتي)

إنها ليست المرة الأولى التي يتحرك فيها جنرالات الجيش في تركيا، معربين عن رفضهم سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان، حيث حذر 104 جنرالات من البحرية المتقاعدين، يوم الأحد الماضي، في بيان من المساس باتفاقية "مونترو" الدولية، الموقعة عام 1936، وتنفيذ مشروع قناة "إسطنبول" البديلة لمضيق "البوسفور"، وكذلك مساعي أردوغان لصياغة دستور جديد للبلاد.

وهو ما استدعى من النيابة العامة بالعاصمة أنقرة إلى "فتح تحقيق"، إذ نقل موقع "جمهورييت" التركي تأكيد النيابة أنه "سيجري التحقيق مع الموقعين على البيان، ومن يقف وراء إعداده".

أردوغان يهاجم

وهاجم أردوغان البيان، مشدداً على أنه "لا يمكن قبول بيان الجنرالات المتقاعدين ضمن حرية التعبير، لأنها لا تتضمن جملاً فيها تهديد للسلطة المنتخبة". مؤكداً أن "كل من يدعم الانقلابات سيحاسبه الشعب في الانتخابات"، ولافتاً إلى أن مثل هذه الخطوات "إساءة كبيرة لقواتنا المسلحة الباسلة، ليس من مهام الضباط المتقاعدين نشر بيانات تتضمن تلميحات انقلابية".

وأوضح أنه ليس لديه أي نية في الوقت الراهن للخروج من اتفاقية مونترو (الخاصة بحركة السفن عبر المضائق التركية)، وقال إن "معارضي مشروع قناة إسطنبول أعداء لأتاتورك والجمهورية التركية". وتابع "الضباط المتقاعدون الذين خططوا لهذه المؤامرة لم يقدّموا منفعة للشعب ومصالحه، ونعلم جيداً نياتهم المعادية للإرادة الشعبية"، معرباً عن استنكاره لإعلان بعض السياسيين في البلاد دعمهم للبيان.

وقالت وزارة الدفاع إن بيان الأدميرالات السابقين "ليست له أي فائدة سوى الإضرار بالديمقراطية ودوافع الجيش التركي ومعنوياته". مضيفة، "نعتقد أن نظام العدالة التركي سيتخذ الخطوات اللازمة".

واعتقلت السلطات التركية عشرة من الجنرالات المشاركين في التوقيع على البيان. ونقلت وكالة "الأناضول"، يوم الاثنين، عن بيان للمدعي العام، أن عشرة من المشتبه بهم في نطاق تحقيق مكتب المدعي العام في أنقرة، اعتقلوا بخصوص تصريحات بعض الأدميرالات المتقاعدين، وأُخطر أربعة آخرون، لم يوقفوا بسبب سنهم، بمراجعة الشرطة في غضون ثلاثة أيام.

وجاء في البيان أن التحقيق في القضية يتعلق بـ"الاتفاق على ارتكاب جرائم ضد أمن الدولة والنظام الدستوري". وأعلن عدد من قدامى البرلمانيين الأتراك تضامنهم مع أدميرالات البحرية المتقاعدين. وذكرت جريدة "سوزجو" التركية أن 126 سفيراً سابقاً أصدروا بياناً حول قناة إسطنبول واتفاقية مونترو، وفي اليوم السابق أدلى 104 من الجنرالات المتقاعدين بياناً حول الاتفاقية نفسها، بعد تلويح رئيس مجلس النواب بإمكانية انسحاب الحكومة منها.

بيان الجنرالات

وجاء في البيان إدانة للحكومة، على اعتبار أنها تخرج بالجيش والقوات البحرية عن قيمها، وعن الخط الذي رسمه مصطفى كمال أتاتورك مؤسس الجمهورية. وطالب الحزب الحاكم برئاسة أردوغان بالتراجع عن قرار الانسحاب من اتفاقية "مونترو" وعن حفر قناة إسطنبول.

وأفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية في إسطنبول أن ما حدث يعتبر أول بيان عسكري معارض لقرارات حكومية منذ محاولة الانقلاب في 2016. وتضمن البيان فقرة اعتبرت تذكيراً بالانقلابات التي شهدتها البلاد. حيث جاء "أن التشكيك في مستقبل ما يسمى باتفاقية مونترو يعد سياسة حكومية مضللة"، معتبرين أن معاهدة عام 1936 هي ضمانة للسلام في البحر الأسود، الذي تحده تركيا مع روسيا وأوكرانيا.

وكان الضباط قد أصدروا بيانهم بعد تصريح رئيس البرلمان مصطفى سنتوب بأن أردوغان "لديه القدرة" على الانسحاب من المعاهدة إذا أراد ذلك، على رغم أنه تراجع لاحقاً، قائلاً إنه كان "يحاول توضيح" وجهة نظر بشأن سلطات الرئيس، وليس بشأن أجندة سياسية معيّنة.

وأضاف البيان، "من الضروري أن يحافظ الجيش التركي بجد على القيم الأساسية للدستور، التي لا يمكن تغييرها، ولا اقتراح تغييرها. ندين ابتعاد القوات البحرية التركية عن هذه القيم، وعن المسار المعاصر الذي رسمه مؤسس الجمهورية التركية الحديثة مصطفى كمال أتاتورك. نحن نقف إلى جانب البحارة الأتراك الذين يعملون منذ فترة طويلة بإخلاص في كل ركن من أركان بلادنا في البحر والبر والجو، وفي منطقة الأمن الداخلي وخارج الحدود، الذين يعملون بقلب وروح لحماية حقوقنا".

اتفاقية "مونترو" 1936

وقعت الاتفاقية في مدينة مونترو السويسرية عام 1936 بمشاركة دول من بينها الاتحاد السوفياتي وتركيا وبريطانيا وفرنسا واليونان وبلغاريا ورومانيا ويوغسلافيا واليابان وأستراليا. وأعلنت عن حرية المرور عبر مضايق البحر الأسود للسفن التجارية في أوقات السلم والحرب، وسمحت بمرور السفن الحربية لدول حوض البحر الأسود من دون أي تحديد.

أما السفن الحربية التابعة لدول من خارج حوض البحر الأسود فسمحت بأن تكون سطحية وخفيفة ومساعدة، بحيث لا يزيد عدد المجموعة على تسع سفن مارة عبر مضيق في آن واحد، وبحمولة إجمالية لا تتجاوز 15 ألف طن.

وتحدد اتفاقية مونترو الحمولة الإجمالية للسفن البحرية لدولة من خارج حوض البحر الأسود بمقدار عشرين ألف طن، أما الحمولة الإجمالية لكل السفن التابعة للدول الواقعة خارج حوض البحر الأسود فتحدد بثلاثين ألف طن، وقد تزيد حتى 45 ألفاً. كما تحدد الفترة القصوى لوجود هذه السفن الأجنبية في حوض البحر الأسود بثلاثة أسابيع.

وبدأ سريان مفعول اتفاقية مونترو في التاسع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1936، وهي تعتبر وثيقة دولية تحدد نظام المرور عبر مضايق البحر الأسود. وشهدت المنطقة منذ بدء العمل بالاتفاقية خلافات بين عدد من الدول الموقعة عليها، خصوصاً موسكو وأنقرة، كان من بينها خلاف برز نهاية 2015.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذلك بعد أن قام أحد الجنود وكان على متن سفينة روسية بحمل قاذفة صواريخ في وضعية الإطلاق في أثناء مرور السفينة بمضيق البوسفور، واعتبرت تركيا ذلك التصرف استفزازاً، ومخالفة صريحة لاتفاق مونترو الذي يضمن مرور السفن المدنية والحربية وفق شروط واضحة.

وأعلن وزير الخارجية التركي حينها أن جميع السفن العابرة مضيق البوسفور يجب أن تحترم القواعد القانونية الدولية، معبراً عن أمله في أن تكون تلك الحادثة "الاستفزاز الوحيد، ولا يصبح نهجاً". وعلى أثر ذلك التصرف استدعت أنقرة السفير الروسي لديها احتجاجاً على الأمر.

وكانت تركيا قد صادقت على مشاريع لتطوير قناة للشحن البحري في إسطنبول، مما أدى إلى جدل حول اتفاقية "مونترو" الموقعة في 1936. ويعد شق قناة إسطنبول أحد أبرز مشاريع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي يصفها بأنها "مشاريع جنونية".

لكن معارضي المشروع يعتبرون أنه وبمعزل عن تأثيره البيئي، يمكن أن يقوّض اتفاقية "مونترو". ومن شأن القناة الجديدة أن تتيح عبور السفن بين البحر المتوسط والبحر الأسود من دون المرور بمضائق خاضعة لبنود اتفاقية "مونترو".

استحضار للانقلاب

وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو اعتبر أن البيان "يعتمد أسلوباً يستحضر الانقلاب". وقال في تصريحات إلى قناة "A Haber" التركية، نقلتها "الأناضول"، إن البيان "جاء بأسلوب استحضار الانقلابات كما كان في السابق"، مضيفاً أنه "بمثابة مذكرة عسكرية".

وأكد أن "قناة (إسطنبول) المائية التي تعتزم تركيا فتحها لا تؤثر في اتفاقية مونترو (الخاصة بحركة السفن عبر المضائق التركية)، وأن الاتفاقية ليس لها تأثير كذلك في مشروع القناة". مشيراً إلى وجود بيانات مشابهة لبيان الضباط، صدرت في وقت سابق من سفراء أتراك متقاعدين، مؤكداً أنها جرى تفنيدها على أنها "بيانات سياسية لا فنية".

وأضاف أن من يقفون وراء البيان لا يعنون منه اتفاقية "مونترو"، إنما "يستهدفون الرئيس أردوغان وحكومته وتحالف الشعب". لافتاً إلى أنهم "يلوّحون بالعصا من تحت عباءتهم. لو كانوا على رأس مهامهم لكان بيانهم بمثابة مذكرة إلا أنهم متقاعدون".

الجيش التركي وأردوغان

تعتبر مؤسسة الجيش الوريث لمؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، ولعبت دوراً سياسياً مهماً منذ 1923، وكانت طرفاً في إدارة البلاد. لكن هذا الجيش تدخل بشكل مباشر من خلال أربعة انقلابات عسكرية خلال أقل من أربعين عاماً، لتغيير حكومات مدنية منتخبة لأسباب مختلفة في مقدمتها حماية النظام العلماني.

ومرت على تركيا خمسة انقلابات عسكرية رئيسة قام بها الجيش التركي منذ قيام الجمهورية مع مصطفى كمال أتاتورك، وقد نجحت حكومة العدالة والتنمية في فرض تعديلات جوهرية على دور الجيش تتلخص في "حماية حدود البلاد والمواطنين".

وأول الانقلابات وأكثرها دموية كان في الـ27 من مايو (أيار) 1960، عندما أطاح الجيش حكومة عدنان مندريس، بعدما وجهت له اتهامات بالسماح للقوى الدينية بالعمل بحرية كانت الحكومات العلمانية السابقة قد منعتها تماماً، وعلى رغم أن مندريس لم يكن بالأصل إسلامياً فإن مجرد محاولته تخطي شكل العلمانية الذي شرعه أتاتورك كان كفيلاً بمحاكمته وإعدامه مع ثلاثة من وزرائه بتهم غير جدية.

وجاء الانقلاب الثاني في مارس (آذار) 1971، حيث كانت البلاد تشهد صراعات دموية بين القوى اليسارية وبين القوى اليمينية (الإسلامية والقومية) المدعومة من الدولة، وكانت واشنطن تتخوف أن يتحول التيار اليساري إلى قوة جدية في الشارع التركي، خصوصاً بعد أن قام اليساريون الذين تدربوا في مخيمات المنظمات الفلسطينية في لبنان بعمليات مسلحة استهدفت القواعد الأميركية والعاملين فيها، وقتلوا القنصل الإسرائيلي في إسطنبول.

وحدث الانقلاب الثالث في سبتمبر (أيلول) 1980 وسط ظروف داخلية مماثلة، حيث كانت تركيا تعيش ظروف التمرد الكردي في جنوب البلاد، إضافة إلى صعود القوى اليسارية، في وقت شهد تداعيات الثورة الإيرانية واندلاع الحرب العراقية- الإيرانية والاحتلال السوفياتي لأفغانستان، وكان كل ذلك يجري في غمرة الحديث عن نظرية الحزام الأخضر لبريغنسكي ضد الاتحاد السوفياتي.

أما الانقلاب الرابع فجرى في فبراير (شباط) 1997، وكان انقلاباً "نظرياً" اكتفى فيه الجيش بإخراج الدبابات إلى الشوارع في أنقرة ليضطر رئيس الوزراء نجم الدين أربكان إلى الاستقالة، قبل أن يصل الجيش إلى مقر رئاسة الحكومة.

وبرزت في هذا الانقلاب حدة الصراع العلماني الإسلامي الذي دفع إلى تدخل الجيش مرة أخرى للسبب ذاته، لا سيما أن أربكان اتخذ خلال العام الذي تولى فيه رئاسة الحكومة إجراءات لم يخف فيها رغبته بتغيير معالم أساسية في النظام العلماني التركي الذي يؤكد الجنرالات أنهم أصحابه وحماته باسم الأمة التركية وإلى الأبد.

أما الانقلاب الخامس، وفي مساء 15 يوليو (تموز) 2016، فاجأ عسكريون الجميع بإعلان انقلاب في البلاد، واستولوا على القناة الرسمية، وأجبروا العاملين بها على بث بيان يعلن "إسقاط نظام حكم أردوغان وتشكيل هيئة لاستلام السلطة"، ووعدوا بإخراج دستور جديد.

لكن، سرعان ما ظهر أردوغان على قنوات فضائية تركية وتعهد بإفشال الانقلاب ومحاكمة من يقفون خلفه، داعياً الشعب التركي للنزول إلى الشوارع لـ "حماية الديمقراطية وإفشال خطط الانقلابيين".

وفي 2013 أقرّ البرلمان تعديلاً على طريقة عمل الجيش وعقيدته العسكرية التي استندت منذ تأسيس الدولة التركية الحديثة إلى "صيانة الجمهورية التركية وحمايتها".

وكان متحدث الرئاسة التركية إبراهيم قالن، قد أعلن، في فبراير (شباط) الماضي، أن بلاده "تستحق دستوراً أفضل، يقضي على جميع محاولات التدخل غير الديمقراطية في الحياة السياسية، وعلى رأسها الانقلابات العسكرية".

المزيد من تقارير