Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف يجير الأفرقاء اللبنانيون موقف الخارج ضد الخصوم؟

إلهاء الرأي العام بالضخ الإعلامي بانتظار محادثات فيينا وخيارات النهج الفرنسي الجديد

رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري (دالاتي ونهرا)

يُخضع بعض الأفرقاء اللبنانيين المواقف والاتصالات الخارجية الملحة على تسريع تأليف الحكومة وإنهاء حال الجمود التي يغرق فيها لبنان لتفسيرات تأتي معظم الأحيان لمصلحتهم، في محاولة منهم لتوظيفها ضد خصومهم. ولطالما اجتهد بعض السياسيين في تأويل ما يصدر عن بعض العواصم المعنية بالشأن اللبناني بالدعوة إلى الكف عن عرقلة ولادة الحكومة، على أنها تستهدف "الفريق الآخر".

وليس مجافياً للحقيقة القول إن كثيراً من الضخ الإعلامي حول علاقة الخارج بالأزمة السياسية التي تكاد تستعصي على الحل في لبنان هدفه تقطيع الوقت في انتظار الأفرقاء المحليين، سواء القريبين من محور إيران، أو المعادين له، تبلور المناخ التفاوضي بين الأخيرة وأميركا الذي تحتضنه فيينا، بحكم الربط بين الواقع اللبناني والمسرح الإقليمي.

اللعبة الإعلامية والنهج الفرنسي الجديد

اقتضت اللعبة السياسية والإعلامية التي يغرق الأفرقاء اللبنانيون في متاهاتها، ويُلهي بعض الأفرقاء الرأي العام بها عن جوهر المشكلة، أن يعتبر خصوم الفريق الرئاسي، ومن بينهم مناصرو الرئيس المكلف سعد الحريري، أن تلويح فرنسا أواخر مارس (آذار) الماضي، بخطوات ضاغطة لأجل وقف تعطيل ولادة الحكومة على أنه موجه ضد محيط الرئيس ميشال عون وصهره رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، مستندين إلى إعلان مصدر فرنسي مسؤول منذ مطلع مارس الماضي أن باسيل يقف وراء تعطيل تأليف الحكومة. وفق التسريبات ومصدرها لبناني تبحث الدوائر الرسمية الفرنسية إمكان دعوة باسيل إلى باريس. وتنسب هذه التسريبات الدعوة إلى وساطة قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم مع الجانب الفرنسي كي يستقبل رئيس "التيار الحر"، لعل ذلك يساعد في تليين موقفه من تأليف الحكومة. واستفاد الإعلام التابع للتيار من إعادة رئيسه إلى الواجهة، على أن موقفه يمثل حاجة للقوى الدولية المعنية بلبنان، للترويج للخبر. فهو يسعى إلى الندية مع رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الذي سبق أن التقاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ويتهيأ لزيارة الفاتيكان، وزار عواصم أخرى والتقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في أبو ظبي، فيما طلب باسيل زيارة موسكو، ولم يُستجب طلبه. ويحاذر بعض الدول دعوته نظراً إلى أنه خاضع للعقوبات الأميركية، فضلاً عن أن لقاءاته مع بعض السفراء والدبلوماسيين الغربيين في بيروت لم تكن في مصلحته، ما يُشعره بالعزلة.

إلا أن مصادر "التيار الحر" تشير إلى أن اتصالات المسؤولين الفرنسيين المتابعين للملف اللبناني مع باسيل لم تتوقف، وأن التشاور بينهم وبينه متواصل، وإذا استدعت الحاجة زيارته باريس سيفعل. وذكرت هذه المصادر أن لدى باسيل استعداداً لتسهيل قيام  حكومة من 24 وزيراً وفق الأفكار الوسطية المطروحة حالياً ولن يعرقلها، لكن التفاهم النهائي عليها يتوقف على لقاء باسيل مع الحريري، الذي يرفض أي لقاء قبل تأليف الحكومة، ويريد حصر لقاءاته بالرئيس عون، الذي يرغب بأن يلتقي الرئيس المكلف باسيل، كرئيس أكبر كتلة مسيحية.

وفي انتظار حسم باريس خطواتها خلال ساعات، إذ تناقش خلية الأزمة التابعة لقصر الإيليزيه الخيار بين توجيه دعوات للقيادات التي كان اجتمع بها الرئيس ماكرون في بيروت في 1 سبتمبر (أيلول) الماضي لبحث مخارج تسريع الحكومة، الواحد تلو الآخر، أم تتم دعوتهم سوياً، يستمر الأفرقاء، لا سيما التيار الحر وأحياناً "حزب الله" كل على طريقته في تقاذف التسريبات بتوجيه الضغوط الخارجية ضد الغير. إلا أن بعض المتصلين بأعضاء في خلية الأزمة الفرنسية من الشخصيات اللبنانية يتحدثون عن أن باريس تتجه نحو اتباع نهج جديد في ما سمي المبادرة الفرنسية التي أطلقها ماكرون الصيف الماضي. وخطوة دعوة القيادات إلى باريس تتوقف على ضمان مدى نجاحها تفادياً لأي خيبة جديدة تصيب الرئاسة الفرنسية التي كانت تأمل بتأليف حكومة جديدة في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

لم يترك مناصرو عون وباسيل مناسبة للضخ الإعلامي بأن المستهدف بالضغط الدولي هو الحريري، بحجة أنه يناقض المبادرة الفرنسية في اقتراحاته لتركيبة الحكومة، عبر توزيعه الحقائب الوزارية، التي يعتبرونها مخالفة لمبدأ الوزراء الاختصاصيين، بإسناده حقيبتي الخارجية والزراعة لوزير واحد، وبعدم "احترامه" صلاحيات رئيس الجمهورية في المشاركة في التأليف وفي تسمية الوزراء المسيحيين... ويذهب نواب "التيار الوطني الحر" وقادته في نشاطهم الإعلامي منذ أشهر إلى القول إن الحريري يؤجل تأليف الحكومة في انتظار اتصالات فرنسية مع المملكة العربية السعودية كي يحصل على ضوء أخضر منها، نظراً إلى عدم رضاها عن تشكيله حكومة لـ"حزب الله" دور فيها حتى لو كانت تحت عنوان حكومة الاختصاصيين غير الحزبيين. وجرى الترويج لهذه الفرضية مقابل تركيز معارضي "حزب الله" على استنتاج أن الأخير يرهن الحكومة لمصلحة إيرانية في استخدامها ورقة ضاغطة في مفاوضات واشنطن مع طهران حول النووي، وأن عون وباسيل هما واجهة للحزب في عرقلة التأليف، على الرغم من إبلاغ المسؤولين الإيرانيين القيادة الروسية أنهم ضد مطلب عون وباسيل بالحصول على الثلث المعطل في الحكومة... وهذا ما رسّخ القناعة لدى العديد من البعثات الدبلوماسية في بيروت ولدى عواصم عدة منها موسكو، أن الهدف من الضخ الإعلامي حول المسؤولية عن التعطيل، هو تحييد الأنظار عن مطالبة الفريق الرئاسي بالثلث التعطيلي داخل الحكومة العتيدة، والذي يشكل العائق الأساسي أمام ولادة الحكومة.

تجيير مواقف السفراء والدول

ومع أن الموقف السعودي معروف بعدم التدخل في عملية تأليف الحكومة التي تعتبرها الرياض مسألة داخلية، فإن الفريق الرئاسي أراد من دعوة عون الوزير المفوض السفير وليد بخاري غداة انفجار الخلاف بينه وبين الحريري، تجيير ذلك لمصلحته عبر الإيحاء بأن الرئاسة ليست في عزلة عربية، وأن علاقتها مع الرياض أفضل من علاقة الحريري بها، خصوصاً أنه دعا خلال يومين أكثر من سفير لهذا الغرض. لكن السفير بخاري الذي كشف أن القصر الرئاسي طلب منه 3 مرات زيارة عون، تقصّد في حينها إذاعة بيان مكتوب شدد فيه على "ضرورة الإسراع بتأليف حكومة قادرة على الشروع الفوري بتنفيذ إصلاحات جذرية تعيد ثقة المجتمع الدولي بلبنان". وأكد أهمية قرارات مجلس الامن 1701، 1680 و1559 والقرارات العربية والدولية، التي تتناول سلاح "حزب الله" لأنها تنص على حصر السلاح بيد السلطة الشرعية، وعلى ضبط الحدود مع سوريا.

وعلى الرغم من الرسائل الواضحة التي وجهها السفير بخاري للتذكير بطريقة غير مباشرة بانحياز السلطة إلى سياسة "حزب الله"، وبرزت تصريحات واضحة لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خضعت بدورها للتأويل من باسيل.

الوزير بن فرحان والإصلاحات و"حزب الله"

في مقابلة مع مذيعة "سي أن أن" بيكي أندرسون، الأحد 4 أبريل (نيسان)، قال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان رداً على سؤال عن دعوة السفير السعودي في بيروت القوى السياسية إلى تشكيل حكومة سريعاً، فيما "حزب الله" يوسع نفوذه في ظل فراغ القيادة في لبنان، ودور المملكة في استعادة الاستقرار، قال الوزير بن فرحان إن "مستقبل لبنان هو في يد اللبنانيين ونأمل بأن يلقي اللبنانيون والقيادة اللبنانية والهيئة السياسية اللبنانية نظرة جادة حقيقية على الوضع الذي يمر به لبنان، وأن يجتمعوا على تبني إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية تتصدى للتحديات التي يواجهها لبنان ويمكن أن تقدم حلولاً مستدامة للمستقبل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح الوزير بن فرحان أنه "ما لم تقم القيادة السياسية اللبنانية بذلك، أخشى أن يكون لبنان متجهاً إلى وضع أكثر خطورة من أي وقت. الوضع الحالي في لبنان لم يعد قابلاً للاستمرار، والمملكة تشعر أنه من غير المناسب الاستمرار في دعم الوضع الراهن والذي جعل لاعباً غير حكومي هو حزب الله، يحكم بحكم الأمر الواقع ويتمتع بحق النقض في كل ما يحصل في البلد، ويسيطر على مفاتيح بنيته التحتية، بينما لا تقوم الطبقة السياسية إلا القليل لمواجهة التحديات التي تواجه عامة الشعب اللبناني، سواء في الفساد أو سوء الإدارة".

أضاف الوزير السعودي "لذلك يحتاج لبنان إلى أجندة إصلاحية حقيقية ونأمل بأن يلتقي السياسيون اللبنانيون لتبني أجندة كهذه. وإذا فعلوا نحن على استعداد للدعم".

وحين سألته "سي أن أن" عما إذا كانت المملكة تدعم الرئيس سعد الحريري في هذه الأجندة وأنها سبق أن دعمته، أجاب بن فرحان "نحن على استعداد لدعم أجندة إصلاح قوية وحقيقية، ونأمل بأن يتمكن سعد الحريري وآخرون من تحقيق ذلك. إذا رأينا أجندة إصلاحية حقيقية سنقف وراء ذلك. نحن لا نقف وراء أفراد في لبنان، بل سنكون مستعدين لأن نقف وراء لبنان طالما الطبقة السياسية اللبنانية تأخذ خطوات جدية لمعالجة المشكلات التي يواجهها لبنان".

باسيل يفسر الموقف السعودي بعكسه

فاجأ النائب باسيل الوسط السياسي بتعليق على موقف يعاكس ما قصده الوزير بن فرحان محاولاً تجييره لمصلحته، خلافاً للنص الذي صدر عنه. فهو غرّد عبر "تويتر" كاتباً: "موقف متقدم لوزير الخارجية السعودي يؤكد وقوف المملكة إلى جانب لبنان لا إلى جانب طرف فيه، ورغبتها، كما فرنسا، بدعم برنامج إصلاحي يلتزم به المسؤولون اللبنانيون. فهل يلتزم رئيس الحكومة المكلف والحكومة بالتدقيق الجنائي وبقانون الكابيتال كونترول وبوقف سياسة الدعم الهادرة للأموال؟".

وفي وقت ركزت اتهامات الاحتجاجات الشعبية على تدهور الوضع المالي في لبنان منذ الانتفاضة الشعبية في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، على مسؤولية باسيل بأنه وراء الهدر خصوصاً في قطاع الكهرباء، الذي تسلمه مع وزراء من فريقه على مدى 10 سنوات، سأل في تغريدته هذه: "هل يلتزم (قاصداً الحريري) بتصفير العجز في الكهرباء وفي الموازنة ووقف الهدر".

أضرار الانحياز لإيران منذ 2016

وكان من الطبيعي أن يتوقف الوسط السياسي أمام إيحاء رئيس التيار الحر بأنه والرياض على الموجة نفسها. فالعلاقة اللبنانية- السعودية بدأت تشهد تراجعاً حين اتُهم كوزير للخارجية، عام 2015 في اجتماعات الجامعة العربية، بالانحياز للموقف الإيراني، إرضاءً لحليفه "حزب الله"، وامتنع عن تأييد صدور قرارات ضد التدخلات الإيرانية في الدول العربية، وشارك مع عون في تغطية خرق الحزب مبدأ "النأي بالنفس" الذي أقرته حكومتا الرئيسين نجيب ميقاتي وتمام سلام، للابتعاد عن لعبة المحاور الإقليمية. فهذا الانحياز كلف لبنان مطلع عام 2016 سحب سفراء دول الخليج من بيروت ووقف سفر السياح إلى لبنان والامتناع عن توظيف الاستثمارات الخليجية في البلد وسحب مبلغ 3 مليارات دولار لتسليح الجيش اللبناني. وعلى الرغم من عودة السفراء، فإن العلاقات ما زالت غير مستقرة بسبب تحالف عون مع "حزب الله".

وبصرف النظر عن كثير من المناورات المحلية تتجه الأنظار إلى الزيارة التي يقوم بها وزير الخارجية المصري سامح شكري إلى بيروت الأربعاء 7 أبريل، والتي عنوانها حث الأفرقاء اللبنانيين، لا سيما الفريق الرئاسي، على استعجال تأليف الحكومة. فالقاهرة على تنسيق دائم مع باريس والرياض وسائر العواصم حول المأزق اللبناني، وهي تسعى إلى التعويض عن الفراغ العربي في البلد، لقلقها من تداعيات الانهيار اللبناني الكامل في حال بقيت الأزمة الاقتصادية المالية بلا حلول، على الأمن الاجتماعي وبالتالي الإقليمي، بينما أولى الخطوات لتفادي ذلك قيام الحكومة الجديدة.

المزيد من تقارير