Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تنقلب الأحزاب على صانعي أمجادها؟ بلير وثاتشر مثالاً

غادر رئيس الوزراء الأسبق منصبه حين كان أقل شعبية في أي وقت مضى، كما يقول... وفي المقال التالي، يتأمل شون أوغرايدي في أسباب عدم نيل الزعماء (السابقين) الثناء من أحزابهم التي رفعوا من شأنها

وصفت ثاتشر إطاحتها لاحقاً بـ"خيانة لها ابتسامة عريضة ارتسمت على الوجه" (غيتي)

على الرغم من المظاهر - الابتسامة العريضة التي تظهر الأسنان، وركوب الطائرة على عجل للتوجه إلى قمم يغمرها ضوء الشمس، والمساهمة في أداء مقاطع كوميدية مصورة مع كاثرين تيت - فقد اتضح أن توني بلير لم يكن يعيش خلال السنوات العشر التي شغل خلالها منصب رئيس الوزراء، الحلم الذي طالما داعب جفونه. هذا ما يقوله لنا حالياً!

والرجل الذي عرفه المحافظون وشعروا بالحسد منه، كما درسوا أداءه وأفكاره بوصفه "السيد"، وهو قد هيمن على المشهد السياسي لزمن طويل، يعترف بصراحة "لا أعتقد أنني استمتعت بالوظيفة، وذلك لأن المسؤوليات المنوطة بمن يشغلها ضخمة للغاية... أنت تتخذ القرارات كل يوم، وأنت تخضع كل يوم للتدقيق والتمحيص الكبيرين، وكذلك عائلتك. لذا لم أكن اعرف ما إذا كنت قد استمتعت بالوظيفة فعلاً".

وفي الواقع، اعتاد بلير أن يقول على الدوام إنه يكره أن يكون زعيماً للمعارضة، لذا فإن ملحمة آلامه الشخصية ربما تعود جذورها إلى عام 1994. وربما كان يريد تعويضاً عن إيذاء المشاعر الذي لحقه وفقدان المكاسب (بالمقارنة مع ما كان يمكنه أن يجنيه كمحامٍ، مع أنه من الصعوبة بمكان متابعة الجدال حول هذا الجانب، ولا سيما نظراً لقدراته التي تمت البرهنة عليها لجهة كسب المال منذ غادر مقر رئاسة الوزراء في 10 داونينغ ستريت عام 2007).

وتوني بلير، الذي لا يزال على عادته مميزاً بعمق تفكيره، يقدم لنا هذه النظرة الثاقبة التي تعتبر نموذجاً للأفكار التي عودنا على طرحها، قائلاً "المفارقة تكمن في أنك تبدأ وأنت في قمة شعبيتك، وفي مستواك الأدنى من حيث القدرة على الإنجاز، وتنتهي وأنت في مستواك الأدنى من حيث الشعبية، وفي قمة القدرة على الإنجاز".

يمكنك أن تفهم ما يقصده. يذكر أنه حين صار زعيماً لحزب العمال، سعى المتخصصون في حزب المحافظين بالدعاية والتلاعب بالتفسيرات لتجييرها لصالحهم، إلى تصويره بشكل ساخر على أنه "بامبي" (شخصية غزال في فيلم كرتوني شهير يحمل اسمه لوالت ديزني)، أي ظبية ناعمة ذات عينين كبيرتين ساحرتين، ومثالية. وصدق أو لا تصدق، فإن تلك الغزالة المزعومة غير مؤهلة على الإطلاق لاتخاذ القرارات الصعبة التي يترتب اتخاذها في سياق عمل الحكومة. وقالوا إن بلير لم يكن كجون ميجور. نعم لم يكن مثل سلفه بالتأكيد!

وبعد قرابة عقد ونصف العقد من تسلمه مقاليد الزعامة، أثبتت كومة الجثامين التي خلفها غزوه للعراق بأن بلير لم يكن "بامبي" الذي يروق لأي كان أن يتخيلها. تدفق الملايين إلى شوارع لندن للاحتجاج على الحروب "غير المشروعة" في الشرق الأوسط. وبعد سنوات قليلة (وعلى الرغم من أنه قد حقق انتصاراً تاريخياً حين استطاع أن يفوز للمرة الثالثة بالانتخابات العامة ويشكل حكومة تمتعت بالأغلبية البرلمانية)، أجبره وزير المالية في حكوماته الثلاث ونواب حزبه على التنحي عن منصبه. وكان محظوظاً لأن حزبه لم يرسله إلى لاهاي للمثول أمام المحكمة الدولية هناك بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وذلك خلال عهد زعيم حزب العمال السابق جيرمي كوربين (الذي عارض غزو العراق).

ولا شك أن بعض الاشتراكيين العاطفيين لا يزالون يحتفظون بلافتات رفعوها في أيام "تحالف أوقفوا الحرب" تشوه اسمه بغرض وصفه بالكذب، وذلك كتذكارات لبؤس الحياة في ظل حكومة "حزب العمال الجديد" التي قادها بلير. قد يشعرون ببعض الارتياح إذا علموا أن بلير لم يكن يحس بالكثير من البهجة لقصف بغداد، وأن الإشارة إلى زوجته شيري بصورة روتينية في صحف معينة على أنها "الساحرة الشريرة" لا يمكن أن تكون قد جعلته يشعر بالارتياح أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المسار الذي يصفه بلير هو فعلاً مألوف بالنسبة لرؤساء الوزراء. فقلة قليلة منهم يغادرون المنصب في وقت يختارونه هم وبأسلوب يبادرون إلى انتقائه أيضاً. ويمكنك أن تسأل تيريزا ماي عن ذلك. يشار إلى أن غوردون براون قد أنقذ الاقتصاد العالمي كله حين تمكن من إنقاذ البنوك، غير أن أحداً لم يقل له كلمة شكر لقاء ما فعله.

وتشبه قصة بلير إلى حد بعيد ما حدث لمارغريت ثاتشر التي سبقته إلى رئاسة الوزراء. فهي كانت أيضاً في ذروة قوتها، لاعبة عالمية بحق، حين قرر مجلس وزرائها التخلص منها في عام 1990 في عملية وصفتها هي لاحقاً بعبارتها الشهيرة كـ"خيانة مع ابتسامة عريضة ارتسمت على الوجه". وثاتشر، مثل بلير، حققت نجاحات مدهشة لحزبها الذي كان يشعر قبلها بالإحباط، وعززت متانة العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة، كما قادت مسيرة التقدم الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي اللذين غيرا وجه الأمة البريطانية. وانتهى الأمر بثاتشر وبلير، وقد أصبحا موضع كراهية من جانب أصدقائهما المفترضين، علاوة على أعدائهما، وذلك بسبب الجهود التي قاما بها. وقد خلف كل منهما رئيس وزراء كان بمثابة الحثالة عديمة الفائدة، كـ"عقب السيجارة"، ومثل خاتمة مخيبة للأمل بعد سلفه، صاحب الإنجازات المثيرة. هكذا خلف ثاتشر، جون ميجور، وخلف بلير، غوردون براون، على التوالي. وهكذا بدا الاثنان (ميجور وبراون)، وكأنهما قد خلقا كي يثبتا القول المأثور "كن حذراً مما تتمناه". وكما لفتت المرأة الحديدية (ثاتشر) نفسها لاحقاً "إنه لعالم عتيق مضحك" هذا الذي نعيش فيه.

ومع ذلك، لربما كان بلير الشيخ لا يزال يحاول أن يخدعنا. ولا شك أن مهاراته كرجل دولة في الحرب والسلام قد تغيرت بحلول عام 2007 الذي شهد تنحيه عن السلطة. ولا بد أن هذه المهارات كانت وافرة، كما يعترف على نحو محبب "كانت أول وظيفة لي في الحكومة هي رئاسة الوزراء. أستعمل هنا التشبيه بفريق لكرة القدم: لو كنت تبحث عن مدرب جديد لفريق مانشستر يونايتد، سنعثر على الشخص الأكثر حماساً وقدرة على الإقناع الذي نستطيع إيجاده بين المشجعين، وسنجعله مسؤولاً عن الفريق، سيقول الناس عندها: إنك مجنون".

ففي النهاية اعتبر زملاء بلير أنه كان مجنوناً بعض الشيء، وفاقداً للصلة بشكل متزايد مع الحزب، والبلاد، وحتى مع الواقع (تماماً كما قال منتقدو ثاتشر عنها إنها كانت غريبة الأطوار). وبعد عقد من الزمن في السلطة، صحيح أن ممارسة صلاحياتك بثقة تصبح أمراً مألوفاً كما لو كان طبيعة ثانية، بيد أن ثقتك هذه بقدراتك قد تتخرب وتتحول إلى ما يشبه هوس الإيمان بأنك معصوم عن الخطأ. ومن مظاهر هذا الهوس رفض الاستماع إلى من يوجهون لك الانتقادات، سواء كانوا ودودين أم لم يكونوا كذلك، وأيضاً الامتناع عن قبول الفرضية بأن أي شخص موجود جنب المريض يمكن أن يكون خليفة له عن جدارة. كما أن هذا الهوس يتجلى من خلال الانتفاخ الطفيف في العين عند الشعور بالانزعاج.

وعلى العكس من ذلك، قد يكون بلير أيضاً مبالغاً بعض الشيء في التعبير عن عدم شعبيته. لم يكن اليسار يحبه بكل تأكيد، حتى بعد كل ما فعله للخدمات العامة والحقوق المدنية، لكن ماذا عن الجمهور؟ ليس الأمر واضحاً جداً. هل كان من الممكن أن يفوز بولاية رابعة ويهزم المحافظين بزعامة ديفيد كاميرون لو أنه واجه المتمردين واستطاع الاستمرار بالحكم على نحو ما، خلال الأزمة المالية حتى الوصول إلى انتخابات عام 2010؟ لا يتعذر تصور أنه كانت لديه فرصة أكبر للفوز على المحافظين الذين لم يكونوا في الحقيقة يمثلون تحدياً قوياً بما فيه الكفاية حتى لتأمين أغلبية برلمانية لكاميرون. ومن المؤكد أن تحميل كاميرون مسؤولية هزيمة المحافظين الرابعة كان من شأنه أن تجعل بلير يشعر ببعض الرضا الوظيفي، في أقل اعتبار، حيث إن تحقيق انتعاش اقتصادي قوي بعد فوزه كان يمكن أن يفتح الباب أمام بلير، الذي كان لا يزال شاباً، للفوز أيضاً في انتخابات 2015. ولربما كان لا يزال معنا حتى اليوم في مقر رئاسة الحكومة في 10 داونينغ ستريت، ولو بقي فعلاً لما كان خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد حصل على الإطلاق، ولكان بوريس جونسون لا يزال يكتب أعمدة ومقالات صبيانية ويجري وراء مبتدئات أميركيات في عالم الأعمال على قدر من الجاذبية. وربما لم يكن ذلك كله ليجعل بلير سعيداً، لكنه ربما كان سيبهج بعضنا نحن.

© The Independent

المزيد من سياسة