Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ينجح رهان أوكرانيا على أميركا في مواجهة روسيا؟

ليس في مصلحة كييف تحويل النزاع المجمد شرق البلاد إلى آخر ساخن لأنها ستكون الخاسرة

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ ف ب)

لم تهدأ أوكرانيا، الجمهورية السوفياتية السابقة، منذ أن شهدت احتجاجات واسعة قبل سبع سنوات، وعرفت باحتجاجات الميدان الأوروبي، وأطيح على إثرها بالرئيس فيكتور يانوكوفيتش الموالي لروسيا، وانقسمت البلاد إلى طرف موال للغرب، وآخر موال موسكو، ونظّم الموالون لروسيا استفتاء القرم العام 2014، وأعلنوا الانضمام إليها، وكذلك استفتاء شرق البلاد في مناطق ما يعرف الدونباس، وأعلنوا كذلك قيام جمهوريات جديدة من جانب واحد، لم تعترف بها سلطات كييف.

قلق أوكرانيا

ويزيد هواجس القلق الأوكرانية تراجع الموقف الأوروبي المتشدد حيال موسكو، حيث تلعب المصالح دوراً كبيراً، فألمانيا اليوم مهتمة بإكمال مشروع "نورد ستريم 2" لنقل الغاز الروسي إليها مباشرة، وفرنسا كذلك مهتمة بتحسين العلاقات مع روسيا وإعادتها إلى طبيعتها، لوجود ملفات أخرى كثيرة مرتبطة بموسكو، وفي هذا كله ضوء أخضر يدفع الكرملين نحو مزيد من التشدد في أوكرانيا.

وتشكّل أوكرانيا وروسيا وألمانيا وفرنسا ما يعرف بمجموعة "رباعية النورماندي"، التي تبحث حل النزاع الدائر في شرق أوكرانيا، وتخشى كييف من محادثات بوتين مع ميركل وماكرون قبل فترة، من دون مشاركة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وهي تحيي مخاوف في شأن إبعاد أوكرانيا إلى هامش عملية السلام، في وقت يظهر فيه أن المفاوضات الرامية إلى إنهاء صراع شرق أوكرانيا وصلت إلى طريق مسدود، مع سعي شخصيات أوكرانية إلى منح دور أكبر للولايات المتحدة، لا سيما بعد وصول إدارة أميركية جديدة إلى البيت الأبيض، ولديها اطلاع على كامل تفاصيل الأزمة الأوكرانية.

وإضافة إلى قلق أوكراني من أن روسيا لا تسعى إلى السلام بعد قرار موسكو العام 2019 بتسهيل الحصول على الجنسية الروسية بالنسبة لمئات آلاف الأوكرانيين الذين يعيشون في المناطق الشرقية، وهو ما يخفض فرص عودة هذه المناطق إلى السيطرة الأوكرانية بالكامل.

صحيح أن التحركات الروسية الأخيرة والحشود العسكرية المكثفة على مقربة من الحدود الأوكرانية وفي شبه جزيرة القرم، تجعل كل الاحتمالات والسيناريوهات قائمة، إلا أنه يستبعد احتمال حدوث عمل عسكري شامل "اليوم"، لكن هذا النزاع يبقى من بين بؤر التوتر المتزايدة بين روسيا والغرب، وتعتبر الهدنة في مناطق الشرق الأوكراني التي يسيطر عليها الانفصاليون الموالون لروسيا "الأنجح والأثبت" منذ 2014، وتم الاتفاق عليها في يوليو 2020.

التحركات العسكرية الروسية

وتحذر كييف باستمرار حلفائها الغربيين من وجود عسكري روسي كبير على حدودها الشرقية، وأن شبه جزيرة القرم تحولت إلى قاعدة عسكرية روسية منذ العام 2014، وهو ما تعتبره تهديداً لها ولأمن القارة الأوروبية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأعلن القائد العام للقوات المسلحة الأوكرانية، رسلان خومتشاك، قبل أيام أن روسيا تعزز وجودها العسكري بكثافة قرب الحدود الشرقية، ولم تنف روسيا هذا الوجود بل أكدته على عكس مرات سابقة، واعتبر متحدث الكرملين دميتري بيسكوف، أن تحركات القوات والمعدات العسكرية قرب الحدود تهدف إلى "ضمان أمن روسيا ولا تشكل أي تهديد لأوكرانيا".

وقد يكون هدف التحركات العسكرية الروسية الأخيرة مجرد اختبار لمعرفة إذا ما كانت أفعال إدارة بايدن حازمة، وتتماشى مع سقف التصريحات العالية التي وجهها ضد موسكو، وربما تكون أيضاً مجرد مناورات عسكرية لردع أوكرانيا عن أية هجمات في المنطقة، إلا أن المؤكد أن هذه التحركات تختلف كثيراً عن التدريبات العسكرية التي تقوم بها روسيا في العادة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن التصعيد الأخير والتصريحات المتبادلة بين موسكو وكييف تأتي بعد وصول إدارة أميركية جديدة إلى البيت الأبيض، وإظهار الرئيس الأميركي بايدن موقفاً متشدداً وحازماً مع روسيا، الذي بدأ بدعم أميركي حجمه 125 مليون دولار لقطاع الدفاع الأوكراني مطلع العام الحالي، والتأكيد على الاستعداد لتزويد كييف بأسلحة فتاكة، والمؤكد أن صانع القرار في الكرملين يضع هذه التحركات في الحسبان، وأن روسيا جاهزة لكل السيناريوهات.

الواضح أن إدارة بايدن ستشكل سياستها تجاه أوكرانيا من خلال استراتيجية التعامل مع روسيا بشكل أوسع، وطبيعة العلاقات بين موسكو وواشنطن ستحدد المسار في أوكرانيا، وبعد إعلان جو بايدن بأن رئيس روسيا فلاديمير بوتين "قاتل"، بدأت مرحلة جديدة في العلاقات بين واشنطن وموسكو.

الدعم الأميركي

وبالنسبة إلى أوكرانيا فمصالحها تكمن في استعادة وحدة أراضيها، وستعمل على استغلال زخم ومستوى جديد من دعم الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى، مع بقاء تحدي مدى توافق أوكرانيا مع هذا المستوى الجديد، في ظل استمرار قدرة روسيا على التصعيد في أوكرانيا من أجل إظهار قدراتها للأميركيين، كما أن هناك رغبة لدى أوكرانيا في إظهار نفسها لدى الإدارة الأميركية الجديدة بأنها تواجه روسيا، وذلك بهدف الحصول على مزيد من الدعم، وفي حال استطاعت كييف استدراج روسيا إلى شن هجوم داخل الأراضي الأوكرانية، فقد تنجح بإيقاف استكمال مشروع "السيل الشمالي 2"، الذي سينهي دور أوكرانيا كدولة عبور للغاز الروسي إلى أوروبا.

لكن المؤكد اليوم أنه ليس في مصلحة أوكرانيا تحويل النزاع المجمد شرق البلاد إلى آخر ساخن، لأنها ستكون الخاسرة حتماً، إلا أن كييف تستخدم التسخين في هذا الملف بين الحين والآخر لتوجيه رسائل داخلية، وأخرى خارجية متعددة الاتجاهات، وسيبقى مأزق أزمة شرق أوكرانيا قائماً طالما أن موسكو لم تعزم بعد على خطوة جذرية بضم جمهوريات الدونباس، دونيتسك ولوغانسك (غير معترف بها)، مثل ما فعلت مع شبه جزيرة القرم قبل سبع سنوات، وذلك خشية إلحاق مزيد من الضرر في علاقاتها مع الدول الغربية.

يبقى القول بعد مرور سبع سنوات لم تتضح أي ملامح لتسوية نهائية للأزمة في أوكرانيا، لتضاف منطقة الدونباس إلى النزاعات المجمدة الأخرى في فضاء دول الاتحاد السوفياتي السابق، إلى جانب إقليم ترانسنيستريا في مولدافيا، وما تبقى من نزاع في إقليم ناغورنو قرة باغ، بين أذربيجان وأرمينيا جنوب القوقاز، وإقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا.

المزيد من تحلیل