Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طوني موريسون في روايتها الأخيرة "احفظ الصغار يا ربي!"

 صراع الأم وابنتها في مجتمع تصل عنصريته إلى داخل البيت الواحد

وُلدت طوني موريسون في مدينة لورين بولاية أوهايو الأميركية (غيتي)

بحسب النقاد الذين تناولوا رواية طوني موريسون الأخيرة، "احفظ الصغار يا ربي!" والتي صدرت العام 2015، لم يكن لهذه الرواية التي لا يصل عدد صفحاتها إلى 200 صفحة، قوة روايات موريسون السابقة، بل إن بعضهم رآها أقل قوة من روايتها الأولى "العيون الأكثر زرقة"، والتي وجدوا أنفسهم يقارنونها بالأخيرة، بحيث بدا وكأن أدب صاحبة جائزة نوبل الأدبية (1993) دار دورة كاملة ليعود إلى نقطة الانطلاق من دون أن يبارح الموضوع ذاته، "صعوبة العيش التي تواجه الأفارقة الأميركيين منذ ولادتهم".

بل إن النقاد لم يفتهم أن يلاحظوا كثيراً من التكرار في المواقف والعلاقات، إذ بدا لهم وكأن موريسون فقدت مع مرور الزمن واقترابها من الرحيل، كثيراً من نسغها ومخيّلتها، متحسرين على أعمال كبيرة مثل "محبوبة" و"أغنية سليمان" و"جاز".

ومع هذا فإن المواقف من الرواية نفسها عادت وتبدلت بعد رحيل الكاتبة في العام 2019 عن 88 عاماً، إذ اعتبرت نوعاً من تذكير لا بد منه بين الحين والآخر، بالمأساة المتواصلة.

القيمة درجات لونية

وهكذا بدا وكأن الرحيل عن عالمنا أنقذ الكاتبة من تراجع إبداعي مؤكد، ليرسخ على الأقل مكانتها بالنسبة إلى الرسالة التي حملتها مواضيعها، والتي كانت في الماضي قد تضافرت مع قوة إبداعية استثنائية جعلت موريسون واحدة من كبار الكتاب عند الحقبة التي تصل بين القرن الـ 20 وما يليه، هي التي عرفت كيف تستقبل بحماسة وفرح وصول أول أفريقي أميركي إلى سدة الرئاسة في الولايات المتحدة بشخص باراك أوباما، الذي ساندت انتخابه ودعمته.

تتحدث الرواية الأخيرة عن الفتاة لونا آن بريدويل التي كان من سوء حظها أن تولد لأبوين مهجنين غامقي البشرة بعض الشيء، فيطغى السواد القاتم على لونها مما يغضب أباها ويدفعه إلى ترك المنزل متخلياً عن الوليدة وتربيتها لأمها "سويتنس"، التي لا تستسيغ وجود هذه "الزنجية" في بيتها، لكنها ليست قادرة على التخلص منها، فهي ابنتها بعد كل شيء.

وفي المقابل، تحرص سويتنس على أن تربي لونا آن بعيداً من العيون، وتتجاهل وجودها طالبة منها منذ الطفولة ألا تناديها "ماما" بل باسمها سويتنس. وكذلك فإنها تبخل بأي حنان تجاهها أسوة بما يفعله المجتمع نفسه، المجتمع الذي من أعرافه حتى أن يفرز السود أنفسهم درجات درجات، "كلما بدا لون الفرد منهم غامقاً، تضاءلت قيمته الاجتماعية، وكلما فتح لونه يكون من حقه أن يحظى باحترام أكثر".

غير أن المشكلة مع لونا آن كانت في جمالها الأخّاذ وأنوثتها الطاغية على الرغم من اسودادها الشديد. فما العمل؟ ما الذي يتغلب هنا على الآخر: اللون أو الجمال؟

بين الأم وابنتها

تلك هي المعضلة التي ظلت لونا آن، وحتى من بعدما غيّرت اسمها إلى لونا آن برايد (أي عروس) تسعى إلى إيجاد حل لها، وهي تجابه أمها التي ترفضها قبل أن يرفضها المجتمع نفسه.

ومن هنا تبدو الرواية خطّية وهي تتعامل مع موقف سويتنس الذي لا يحيّر لونا آن بقدر ما يحير قارئ الرواية نفسه، بخاصة أنه يبدو وكأنه يجابه هنا معضلة قضائية تتطلب حلولاً يغيب عنها المنطق، وذلك انطلاقاً من سؤال بسيط يتعلق بالكيفية التي يتعين عليه أن يحكم بها على موقف الأم، فهل تتوجب إدانتها وهي التي لم تفعل أكثر من التماشي مع مجتمع يصيغ حقائق لا بد من أخذها بعين الاعتبار، في عالم أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه صنع كي يفاقم صعوبة العيش للسود في مجتمع صُنع للبيض، ومن بعدهم لمن يلُونهم في درجة البياض، حيث بقدر ما تكون أقرب الى البياض تكون حظوظك أكبر وأكبر؟.

من الواضح أن طوني موريسون إذ نقلت الصراع هنا ليكون بين الابنة السوداء والأم الأقل سواداً، تركت للأجيال المقبلة وصية وسؤالاً كبيراً لا بد من الإجابة عليه.

حكايات موروثة عن عبودية قاتلة

وُلدت طوني موريسون في مدينة لورين بولاية أوهايو الأميركية، وحين وُلدت كان اسمها كلوي أنطونيا فونورد، على اسم الإقطاعي الأبيض الذي كان يمتلك جدودها وآباءها ويشغلهم عبيداً لديه، لكن طوني الصغيرة لم تعش حياة العبودية، ذلك أن والدها كان عند ولادتها قد تحوّل إلى عامل مصنع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، وصلتها حكايات العبودية والعبيد من طريق أمها التي كانت تحفظ مئات القصص. وقالت طوني دائماً إن معظم ما كتبته ما كان له أن يكتب لولا حكايات أمها. من هنا يمكن القول بأن الأم كان لها دور كبير في توجيه الابنة إلى الأدب ودراسته.

من الطلاق التي الكتابة

عند نهاية سنوات الـ 40 من القرن الـ 20، نجد طوني طالبة في كلية الآداب بجامعة هوارد، لتنتقل بعد ذلك إلى جامعة كورنل حيث حضّرت العام 1955، أطروحة عنوانها "الانتحار في أعمال فولكنر وفرجينيا وولف"، أما بعد تخرجها فإنها ستبدأ حياتها أستاذة للأدب الإنجليزي في الجامعة نفسها.

ومن ثم تزوجت المهندس هارولد موريسون الذي أنجبت منه ولدين قبل أن يطلّقا عام 1964، أي العام ذاته الذي بدأت فيه مرحلة الكتابة.

وحول بداياتها الكتابية تقول طوني موريسون، "في البداية انصرفت للكتابة كنوع من التعويض عن ذلك التبدل الكبير الذي طرأ على حياتي، لكني بعد ذلك أدركت أن الكتابة باتت حاجة عضوية في هذه الحياة، بخاصة من أجل التعبير عن احتجاجي ضد الظلم الذي يطاول أبناء جلدتي من السود الأميركيين".

ولعل من الأمور اللافتة هنا أن تكون كتابة طوني موريسون، التي لم تَنل بداية ما تستحقه من اهتمام نقدي أو جماهيري، تواكبت مع نوع من التراجع كان يطاول الاهتمام بقضايا السود الأميركيين، بعد فترة الازدهار الكبرى بداية سنوات الـ 60.

أما روايتها الأولى فكانت "العيون الأكثر زرقة" التي صدرت عام 1961، وعنها تقول موريسون متسائلة، لماذا كتبتها؟ الحقيقة أنني كنت قبل ذلك بسنوات قد صرت قارئة مخطوطات لدى الناشر "راندوم هادس"، ولكثرة ما قرأت من مخطوطات سيئة، قررت أن أجرب حظي في الكتابة لعلّي أكتب أفضل وفعلت".

أنواع من الظلم

منذ روايتها الأولى، حددت طوني موريسون زاوية تحركها، قضية السود والظلم الذي يعيشونه، ولكن غالباً من خلال التركيز على معاناة المرأة السوداء. من هنا كان طبيعياً لروايتها الأولى أن تحكي حكاية طفلة سوداء تحلم بأن يكون لها شعر أشقر وعينان زرقاوان على شاكلة شيرلي تمبل.

والواقع أن تلك الرواية جاءت، وإلى حد كبير، أشبه بسيرة ذاتية لطفولة طوني موريسون نفسها. غير أنها في الرواية التالية "سولا"، انتقلت من حكاية طفلة إلى حكاية امرأة سوداء منبوذة تعيش في عزلة تامة عن الناس. ويومها، حين صدرت هذه الرواية وتنبّه النقد الخجول أول الأمر، إلى أن الأنثى هي حتى الآن البطلة الظاهرة في روايتَي موريسون، تساءل عن السبب، فجاء الجواب من الكاتبة مباشرة، "لأن المرأة السوداء مضطهدة مرتين، مرة لأنها أنثى ومرة لأنها سوداء".

واقعية سحرية من نوع خاص

ومن الواضح أن هذا الجواب يشكل تمهيداً جيداً لرواية طوني موريسون الكبرى، والتي جاءت عملاً أدبياً سيخصّ بالذكر لاحقاً، حين تُمنح الكاتبة جائزة نوبل الأدبية، فتكون بذلك أول امرأة سوداء أميركية تنال تلك التي تعتبر أكبر جائزة أدبية في العالم، لكنها لم تكن أول جائزة كبرى تنالها، إذ سبقها وعن الرواية نفسها جائزة "بوليتزر" الأدبية الأميركية الرفيعة. وكان ذلك العام 1988.

أما الرواية فهي "بيلافد" (محبوبة بالعربية)، وهذه الرواية التي تحمل اسم شخصية رئيسة فيها، أو أكثر من شخصية، كانت رائدة حتى في مجال إضفاء مسحة من الواقعية السحرية على أدب أميركا الشمالية، بعدما كانت هذه النزعة من مميزات أدب أميركا الجنوبية.

المزيد من ثقافة