Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تنقّل "كوب القهوة" بين فتاوى التحليل والتحريم؟

اعتبره المتصوفة معيناً على عبادة الله في حين رآه آخرون يعمل بالعقل عمل الخمر

أحد المقاهي الشعبية في الخليج خلال عقد السبعينات (غيتي)

تحتفظ القهوة والمقاهي بمكانة خاصة في العالم العربي بوصفها معياراً للذائقة، كما هو الحال في بقية العالم، الأمر الذي حوّل هذا المشروب الأسود إلى ثاني أكبر سلعة تجارية متداولة في العالم بعد النفط، بقيمة تتجاوز الـ 80 مليار دولار سنوياً.

إلا أن مرتادي تلك المقاهي غضّوا طرفهم على ما يبدو عن التاريخ العسير الذي مرّ به مشروبهم العتيق، فالقهوة كانت معياراً وقياساً لأمور أخرى أبعد ما تكون عن الذائقة والأمزجة في فترة من الفترات، على الأقل في الجزيرة العربية، ففي فترة من الزمن تساوى محتسي القهوة مع عربيد الخمر، قبل أن ينقذها علي بن عمر الشاذلي من مطرقة الإقصاء الديني، وهو أحد المتصوفين في اليمن، عندما قرر أن يعامل البُن معاملة المُسهر لمعاونته في "عبادة الله".

لكن يبدو أن الشاذلي لم يكن العابد الوحيد، فسرعان ما انتشرت القهوة بين طلابه ومن يعرفهم عن قرب داخل أراضي اليمن، لتأخذ من اسمه نصيباً وتعرف بـ "الشاذلية" التي ترّبعت في أبيات القصائد العربية وقوافيها.

الطريق الوعرة إلى الحجاز

تجارة العصور القديمة في شبه الجزيرة العربية التي شقت الطرق بحثاً عن الأسواق، هي من حملت "الذهب الأخضر" إلى هذه المنطقة، لكن قوافل أخرى لعبت دوراً في تكثيف وجوده، وهي قوافل الحجاج الذين كانوا يستغلون الموسم الديني لعرض بضائع بلدانهم على الحجاج الآخرين، والتي كان من أبرزها البن الذي حمله حجاج اليمن إلى الحجاز للمرة الأولى.

إلا أن الطريق الوعر الذي سلكوه كان أقل صعوبة من رد الفعل الذي وجدته النبتة اليمنية حال وصولها مكة، بخاصة وأن المسلمين سابقاً عرف عنهم تحريم مالا يعرفون، درءاً للمفاسد، ولما للقهوة من أثر في العقل والبدن قرر فقهاء مكة المكرمة في عام 1511 ميلادية تحريمها، على إثر ضبطية لأفراد اجتمعوا لمناسبة بينهم، ومعهم كوب يتناولونه بينهم، لتؤرخ الحادثة بـ "واقعة مكة".

الواقعة التي حررها ناظر الحسبة في مكة آنذاك "خاير بك"، أشار إلى أن الجماعة التي تم ضبطها كانت تتعاطى "شراباً اتخذ في هذا الزمان وسمي القهوة، يطبخ من قشر حبّ يأتي من بلاد اليمن يقال له البُن، وأن هذا الشراب قد فشا أمره بمكة وكثر، وصار يباع فيها على هيئة الخمّارات، ويجتمع عليه بعض الناس بالرهن وغيره مما هو ممنوع في الشريعة المطهرة"، بحسب ما أوردته مخطوطة نشرت في كتاب للباحث عبدالقادر الأنصاري باسم "عمدة الصفوة في حِلّ القهوة".

فالقهوة التي جاءت إلى مكة بحسن نية، تفاجأت بوجود جنود الحسبة لتخوض حرباً ضروساً بين التحريم والتهريب و"التعاطي"، إذ واصل البن انتشاره بين الناس في الظل ليأخذ من أقبية البيوت والأحياء المهجورة مكاناً لتوزيعه وشرائه، بعيداً من أعين المحتسبين.

وكان ذلك نتيجة لأن الضبطية المعروفة بـ "واقعة مكة" دفعت بناظر الحسبة إلى تبليغ السلطان المملوكي قانصوه الغوري، أخذاً بمبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ليأخذ بعدها علماء وفقهاء مكة ومصر والشام موقفاً حاداً من هذا المشروب، مما أدى إلى إغلاق الأماكن المخصصة لشربها في مكة، وتحطيمها في القاهرة عام 1534 ميلادية كما تحطم الأصنام، وتتحول إلى شيء لا يمكن تناوله إلا بالسر.

الجانب اللغوي

رأى فقهاء ذلك العصر أن للقهوة والخمر مشترك في تأثيره على العقل إن لم تتشابه الأعراض، إلا أنها في النهاية لديها القدرة على ملامسة العقل والتأثير في المزاج، وهو ما كان اختصاصاً للمشروبات الروحية والنبيذ في ذلك الحين.

سبب آخر كان دافعاً لهذا الربط، إذ تشارك المشروبان في سد الشهية عن الطعام أثناء وقوع محتسيه تحت تأثيره، لتشتق القهوة اسمها من الفعل "قَهِيّ" وهو ما يعني وفق لسان العرب، "فقدان الشهية تجاه الطعام". وعلى الرغم من أن الفكرة لا تبدو متماسكة بما يكفي، إلا أنها إحدى الروايات حول سبب تسمية القهوة بهذا الاسم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن ما هو متفق عليه هو أن المبررات الشرعية للتحريم جاءت من المسمى والصفات التي نقلت للعلماء والفقهاء ومن في مرتبتهم، إذ شاعت سمعة القهوة بأنها "مغيرة للعقل، ومقاهيها تشبه الحانات، ويجتمع عليها الناس بذات طريقة اجتماعهم على الخمر والمسكرات"، وهذه كان سبباً كافياً لتبرير تحريمها.

صاحب الكأس الأول

هالة الغموض التي لفت القهوة والبن وكل ما يتعلق بهما، لم تكن عائقاً أمام الباحثين عن صاحب الكأس الأول، وهو ما يقود إلى ما شاع حول بداية انتشارها بين المتصوفين.

فقد أشارت أبرز الروايات إلى وجهين من التأويل، تحددها طبيعة الراوي وخلفيته الثقافية والاجتماعية، إذ تقول الأساطير إن مرضاً ما أصاب سكان إحدى المدن، حال بينهم وبين مقابلتهم لملك الجن سليمان نبي بني إسرائيل "حتى نزل جبريل على سليمان وأمره أن يوجّه الجن بإحضار ثمرة البن من اليمن، ليحرقها ويطبخها بالماء ويسقي السقم من أهل المدينة"، كما يروي ابن العماد الحنبلي في كتاب "شذرات من الذهب".

 

وتشير روايات أخرى إلى القصة ذاتها، إلا أنها تغيّر أبطالها، إذ استبدلت الرواية الغربية سليمان بالنبي محمد، ولم تكن الروايتان الوحيدتان في تاريخ القهوة القديم.

وفي زحام الروايات، ذكرت إحداها خواصاً جديدة للبن الذي وجده المتصوف الشهير العارف بالله الشاذلي مصادفة خلال إحدى رحلاته، وجذبته كثرة البن المتروك على الأراضي، وعندما دفعه فضوله لتجربة الثمرة وجد فيها تنشيطاً للدماغ وعوناً للسهر ومقوياً للعبادة، حتى دل أتباعه عليها لتنتشر من اليمن إلى الحجاز والشام ومصر وغيرها.

وعلى الرغم من أن معظم تلك الروايات ترجع الاكتشاف إلى اليمن، إلا أن الأحباش والدول المجاورة لها دخلت المنافسة على الأولوية التاريخية، ويشير الباحث والمستثمر في تطوير القهوة، علي الديواني، إلى أن "جميع ما يشاع حول القهوة ومصدرها أقرب ما يكون إلى أساطير غير مثبتة، إلا أن المؤكد منها حتى الآن أن اليمنيين هم من بدأوا زراعتها بشكل منظم".

وما بين روايات اليمن والقرن الأفريقي تجد اختلافاً في صغائر الأوصاف واتفاقاً على كبائرها، إذ أجمعت الروايات تقريباً على خواص القهوة التنشيطية والعلاجية للبدن والعقل، إلا أنها اختلفت حول طريقة تحضيرها وما إذا كان البن هو المطبوخ أو قشره.

قهوة أخرى في اليمن

ولطالما عرف اليمن بأنه أحد أهم مصدري البُن في العالم جودة أو كمية، إلا أن البُن لم يكن يخوض السباق لوحده، بل شاركته البدايات نبتة "القات" التي تنتشر في أراضيه وبعض مناطق شرق أفريقيا، فالمتصوفون الذين كانوا يبحثون عن أي مُسهّر مهما بلغ ثمنه المادي أو أثره الجسدي والعقلي، وجدوا في القات ما يعينهم لأسباب تعبدية، ليصنعوا من أوراقه مشروباً يغلى بالماء ويتم احتساؤه، وهو ما يختلف عن طريقة تعاطيه اليوم من طريق المضغ، إلا أن استخدام القات لم يطل، بخاصة بعد أن بدأت النبتة بالانحسار والندرة، ما دفع محمد الذبحاني وهو أحد شيوخ الصوفية اليمنيين في القرن الـ 15، إلى الإشارة إلى البُن كبديل يعطي المفعول ذاته.

التأثير الذي تركه استخدام المتصوفين للنبتتين كمشروب منشط بشكل مفرط خلط بينهما، حتى باتا يعرفان بـ "القهوة"، فالناتجة عن البن تسمى "القهوة القشرية" كونها تحضر من قشرتها، والتي وجدت من القات مصدراً تسمى "القهوة القاتية"، لتصبح أحد رموز الشراب المقدس عند الصوفية آنذاك.

التدافع الفقهي

ومع أن فتوى التحريم استمرت فترة طويلة، إلا أن بعض العلماء والفقهاء استمروا في محاولاتهم غير المجدية آنذاك لتحليل القهوة، إذ اعترض مفتي مكة في ذلك الحين نور الدين الشافعي على فتوى التحريم، مستدلاً بأنها مفيدة للصحة وآلام الحلق، إلا أن محاولاته لم تأتِ أُكلها واستمر التحريم.

وبعد جدل شرعي متواصل على القهوة وشاربيها والمدافعين عنها، أصدر سلطان مصر الغوري مرسوماً وسطياً تراجع فيه عن الموقف السابق، قال فيه "بلغنا أن أناساً يشربون القهوة على هيئة الخمر، ويخلطونها بالمسكرات ويغنون ويلتفون حولها بالرقص". مضيفاً، "معلوم أن ماء زمزم إذا شرب على الهيئة المذكورة كان حراماً، ويمنع شرّابها من التظاهر بذلك"، مما يعني أن التحريم رفع عن البُن مع التحفظ على طقوس تناوله، ويرى الديواني أن التحريم في أصله كان سياسياً أكثر منه دينياً، ويشير "كان يخيف الحكام في ذلك الوقت تجمع الناس حول القهوة، ومما يثار من أحاديث ونقاشات وآراء سياسية تدور خلال تلك الجلسات".