Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر جوزف برودسكي في منفاه بين "غرفة ونصف الغرفة"

يوم كانت الانشقاقات تملأ الدنيا وتشغل الناس خلال الحرب الباردة

جوزيف برودسكي عام 1987 (غيتي)

في سنوات الستين لم يحتج قراء النخبة العربية لانتظار انشقاق الشاعر السوفياتي جوزف برودسكي وبعد ذلك فوزه بجائزة نوبل، حتى يتعرفوا عليه من خلال واحدة من أجمل قصائده، "جون دان نام"، التي نشرتها يومها مترجمة إلى العربية مجلة "حوار" التي كانت تصدرها منظمة لحرية الصحافة سيتبين لاحقاً أنها ممولة من وكالة الاستخبارات الأميركية، بحسب ما تخبرنا فرانسيس سامرز في كتابها الموثق "من يدفع أجر الزمار". والحقيقة أن القصيدة كانت بديعة وعميقة بحيث أعادت الاعتبار إلى ترجمة الشعر. ولكن موضوعنا ليس هنا ولا يتناول تلك القصيدة بالذات، بل هو عن كاتبها ومن ثم عن فيلم حُقق عن ذلك الكاتب بعد ذلك بسنوات طويلة. ومن خلال ذلك عن الدور الذي لعبه منشقو الأدب في لعبة الأمم السياسية ولو مواربة. ونعرف أن حكاية الانشقاقات التي تبدو منسية اليوم لعبت دوراً كبيراً في الحرب الباردة، وكان برودسكي أحد أبطالها، في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين.

التاريخ وألعابه
في ذلك الحين طرد الاتحاد السوفياتي برودسكي الذي كان يعتبر بانشقاق أو من دونه واحداً من أكبر شعراء الروسية الأحياء، ليسلك طريق المنفى إلى الولايات المتحدة، حيث لن يلبث أن يفوز بجائزة نوبل للآداب. كان برودسكي شاعراً مشاكساً فصار واحداً من أوائل المنشقين. والسؤال الذي يعنينا هنا هو، حين سار المبدع السوفياتي على درب مصيره نافداً بجلده من عنف سلطات بلاده وغضبها القاتل عادة، هل كان ليخيل إليه أنه، سيكون يوماً موضوع فيلم سينمائي روسي كبير (حين بات وصف سوفياتي خارج التاريخ)؟ وهل كان ليخيل إليه أن الفيلم سيتحدث عن نفيه، ثم عن "عودته" إلى الوطن بعدما زالت أسباب النفي؟
أبداً بالتأكيد. كما أن العودة نفسها، التي صورها الفيلم لم تكن حقيقية. كانت عودة الشاعر الروسي إلى دياره متخيلة جملة وتفصيلاً، تخيلتها كاميرا فيلم "غرفة ونصف الغرفة" (2008)، في شكل حلمي مدهش. بل لنقل منذ الآن إن "رحلة العودة" هذه لجوزف برودسكي إلى دياره تشكل كل الفيلم، حيث اختار مخرجه أن يجعل من الرحلة المتخيلة سلسلة مشاهد ومواقف تعود زمنياً إلى الوراء لترسم ليس فقط حياة صاحب قصيدة "جون دان نام" الشهيرة، بل حياة والديه وموتهما، وحياة جزء من الساحة الثقافية في موسكو ولينينغراد خلال سنوات الستين والسبعين من القرن العشرين.
رحلة ما...
نحن هنا إذاً أمام فيلم عن "منشق" من النوع الذي كان يشغل أعمدة الصحف وصفحات التعليقات في شكل وافر، يوم كان الانشقاق نفسه وكما أشرنا، سلاحاً في الحرب الأيديولوجية الباردة بين "الشرق" و"الغرب". ونعرف اليوم أن هذا النوع من الاهتمام قد تضاءل، بل، نكاد نقول إنه اختفى، لا سيما في السينما، ليصبح مجرد جزء من الماضي... ذكريات يفضل أصحاب العلاقة أن ينسوها. ومن هنا حين تشاء صدفة ما أن يُحقق فيلم كبير يطاول هذا الموضوع، من الصعب أن نتصور أن الغاية منه اليوم فتح ملفات أيديولوجية، أو حتى أن يكون جزءاً من استحضار ذكرى معينة لمناسبة تاريخية ما. بشيء من حسن النية نقول، إذاً، إننا أمام فيلم غايته الأولى سينمائية، يأتي في زمن يكثر فيه إنتاج أفلام السير الذاتية. ونكاد نشدد على هذا الجانب بخاصة لأن نهاية فيلم برودسكي، الذي نعرف أنه رحل عن عالمنا قبل سنوات من إنجاز الفيلم، ولكن بعدما شهد حدوث تلك التغيرات الجذرية في وطنه السوفياتي، تقول لنا كم ظل حنينه إلى وطنه الروسي وإلى لغته كبيراً وهو في منفاه... وهذا، طبعاً، ما يشكل الموضوع الأساس لـ "غرفة ونصف الغرفة"، الذي بُني أصلاً على شكل قصيدة شعرية، واستخدم مخرجه فيه كثيراً من عناصر اللغة السينمائية في "كولاج" ينتمي حقاً إلى سينما - ما - بعد الحداثة، تيمناً بشعر برودسكي نفسه.

حلم يمتد ساعتين فقط
"غرفة ونصف الغرفة" هو الفيلم "الروائي" الطويل الأول لمخرجه، مخرج التوثيق الروسي المخضرم أندريه خرجا نوفسكي، الذي حين قرر وهو في التاسعة والستين من عمره، أن ينتقل من سينما التوثيق وسينما التحريك، فضل أن يبقي على هاتين كجزء أساس من لغته السينمائية. ومن هنا نراه يستخدم المشاهد التمثيلية المصورة، ومشاهد التحريك والوثائق التاريخية المؤفلمة، والسرد الشعري ومشاهد الطبيعة الصامتة والريبورتاج الصحافي، ليصنع ساعتين سينمائيتين حالمتين تتابعان حياة برودسكي من قبل بدء تلك الحياة، منذ شباب والديه ولقائهما وعيشهما معاً، ثم إنجابه وتربيته حتى أيامه الأخيرة، وصولاً إلى ما بعد تلك الأيام، أي بعد موته حين يتخيل المخرج تلك "الرحلة" المدهشة التي يقوم بها الشاعر عائداً إلى مدينته، لينينغراد (وقد عاد اسمها سانت بطرسبرغ) هو الذي أصلاً لم يبرحها أبداً في خياله تيمناً بقول سابقه في المنفى فلاديمير نابوكوف، صاحب "لوليتا" بين أعمال رائعة أخرى، حين كتب وقد أضحى أميركياً عجوزاً، أنه على الرغم من كل شيء يعرف أنه حين يأتي مساء كل يوم، يرحل في روحه وقلبه إلى روسيا الحبيبة محلقاً فيها. الشيء نفسه يقوله الفيلم عن برودسكي الذي نراه وهو على سفينة العودة، عجوزاً مكللاً بمجد نوبل الأدبي، يعيش ماضيه، وفي شكل خاص ماضي أبيه، الذي يبدو أنه كان الشخصية الأساسية المؤثرة في حياته، لكنه في الوقت نفسه يعيش مدينته وتحديداً من خلال كاميرا خرجانوفسكي المتمرسة في هذا النوع من التوثيق الساحر للمكان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


شعر السينما وسينما الشعر
ينتمي فيلم "غرفة ونصف الغرفة" إذاً، إلى سينما شاعرية، تليق بأعمال جوزف برودسكي الشعرية وبحياته التي كادت أن تكون رتيبة من دون أحداث كبيرة، وكادت أن تتواصل في موسكو أو في لينينغراد، لولا أنه ورفاقه في الستينيات، اكتشفوا الحرية من خلال فترة سماح خروتشفية (نسبة إلى الرئيس نيكيتا خروتشيف)، ناقد ستالين الأول ومحرر الأذهان في الخمسينيات، الذي فتح آفاقاً سرعان ما أغلقها الحزبيون الجامدون، من دون أن يعرفوا كيف يطفئوا جذوتها لدى مبدعين من طينة برودسكي.
مهما يكن من أمر لا شك أن فيلم "غرفة ونصف الغرفة" يبدو وكأنه (إضافة إلى سرد "سيرة" برودسكي)، محاولة مدهشة للتجديد في فن السينما. أما السمة الأساسية فيه فتكمن في كونه عملاً يذكرنا ببعض التاريخ الانشقاقي الأيديولوجي، ومن خلال ذلك أولاً بهذا الشاعر الذي كان بحق واحداً من كبار شعراء القرن العشرين، وثانياً بتلك الحقبة التي استُخدم فيها انشقاق برودسكي بشكل صاخب حتى اللحظة التي زال فيها الاتحاد السوفياتي ومنظومته الستالينية الاشتراكية، فإذا ببرودسكي يختفي من الواجهة إلا حين أعاده هذا الفيلم إليها!

أميركي أم روسي؟

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن جوزف برودسكي (1940 – 1996) كان يُعرف بأنه شاعر أميركي يكتب بالروسية، وهو ما يشير إليه الفيلم، بشكل لا يخلو من الغضب، حتى وإن كان برودسكي لا يتوقف عند هذا الأمر طويلاً، بل يكتفي بأن يقول إنه روسي من أصل بولندي ساعده رفاقه من الشعراء الغربيين على الوصول إلى الولايات المتحدة، ونيل جنسيتها في انتظار ظروف أفضل، وأن شعره الروسي هو الذي جعله يفوز بجائزة نوبل في العام 1987، فيما مكنه إتقانه للإنجليزية من الاشتغال مدرساً في "منفاه" كحال مواطنه نابوكوف. ويبقى أن نذكر أن "غرفة ونصف الغرفة" لم يكن الفيلم الوحيد الذي حُقق عن برودسكي، بل تلاه فيلمان هما الروسي أيضاً "برودسكي ليس شاعرا" (2015) للمخرج إيليا بيلوف، وهو وثائقي يتحدث عن حياة الشاعر في منفاه الأميركي، و"دوفلاتوف" (2018) الذي تابع فيه مخرجه ألكسي جرمان جونيور، مجريات الحياة الثقافية في لينينغراد عند بدايات العام 1971 من خلال استعراضه لسيرة الشاعر سيرغاي دوفلاتوف الذي كان صديقاً لبرودسكي فكان من الطبيعي أن يكون هذا الأخير شخصية محورية في الفيلم قبيل مبارحته جمهورية السوفيات.

المزيد من ثقافة