Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التونسي الفرنسي أوبير حداد يغوص روائيا في عالم أحلام اليقظة

روايته الجديدة "حورية إيزيه" تدور في مصح على جزيرة

الروائي التونسي الفرنسي أوبير حداد (دار زولما الفرنسية - باريس)

ثمة كتب قادرة بسحرها على إنقاذنا من رداءة عالمنا الغارق في العنف واللامبالاة. وإلى هذا النوع من الكتب تنتمي رواية الكاتب الفرنسي ــ التونسي أوبير حداد "حورية إيزيه"، التي صدرت حديثاً عن دار "زولما" الباريسية، وتغوص بنا في عالم يخالط الخيال فيه واقعاً متقلباً، وتراود شخصياته القليلة باستمرار أحلام يقظتها، أو ذكرياتها، ما يمنح سرديتها بعداً حلمياً آسراً.

أحداث الرواية تقع على جزيرة "إستراند" الخيالية التي تعبر الغيوم سماءها بصمت مهيب، ويغني المحيط الذي يحاصرها أثناء احتدامه، لاعقاً الجرف الذي يحده، وناقلاً من حين إلى آخر سفناً فولاذية ضخمة وغرقى يدعون أنفسهم إلى الحكاية. وعلى طرف الجرف، مصح عقلي تتخلله متاهة يفقد من يعبر أروقتها الخضراء حواسه، أو يستعيدها. عالم استيهامي إذاً، أو بالأحرى عدة عوالم، بما أن زوايا النظر والإدراك تختلف وفقاً للشخصية التي نسير خلفها.

في الرواية، لدينا أولاً الشابة الجميلة ليلو، التي يعثر عليها يوماً عاريةً وحاملاً أثناء تسكعها في محيط قرية "أومفيلت" التي تقع داخل الجزيرة. ونظراً إلى تعذر التواصل معها، تنقل إلى ميدان "ديساندوري" الذي كان في الماضي مستشفى للمصابين بداء السل، قبل أن يتحول إلى مصح للأمراض العقلية. شابة تعيش في عمق نفسها، وتتوه داخل أفكارها "غائبة عن الآخرين، وغير مبالية بجميع محاولات تدجينها، لكنها تتمتع بحضور شهواني جنوني". وفي إحدى الليالي، تتسلق سور المصح، كعادتها، للتنزه على الشاطئ، لكن نزهتها تنتهي هذه المرة بقفزها من أعلى الجرف في المحيط، مثل مرضى كثر قبلها.

صمم الولادة

لدينا ثانياً ابن ليلو، مالغورن، الذي ولد في المصح، وترعرع في كنف الممرضة سيغريد. ومع أنه يعاني صمماً منذ الولادة، لكن ذلك لن يمنعه من استشعار كل تفاصيل العالم الذي يحيط به، ومن الاهتمام حين يكبر بأشجار السرو والصنوبر والشربين والطقسوس التي تتألف منها أروقة المتاهة التي تخيلها وشيدها الطبيب ريفالد داخل المصح على شكل مدونة موسيقية، لأسباب علاجية. ومن قمة الجرف الذي تتآكله الأمواج تدريجياً ويطل على محيط يخلب العقول والأجساد على حد سواء، نراه يتأمل باستمرار عالماً يبتكر له قواعد خاصة، نظراً إلى عجزه عن التحاور مع تلك الحفنة الصغيرة من البشر التي يخالطها داخل مصح مهدد مبناه بالسقوط داخل المحيط في أي لحظة.

لدينا الطبيب ريفالد، مدير المصح، الذي يمارس اختباراته على مرضاه، ولا يتردد في الذهاب بالصدمات النفسية أو الكهربائية التي يخضعهم لها إلى حد قتل عدد منهم، ما يؤدي في النهاية إلى توقيفه وإغلاق المصح. لدينا أخيراً الفتاة بيردر التي تعيش بوحدها في مبنى المنارة القديمة، وتسبر كل مساء المحيط بغبطة كبيرة. يتيمة الأم التي توفيت وهي طفلة، والأب القبطان الذي غادرها بعد وفاة زوجته لصالح الإبحار بلا هوادة في بحار العالم، يتسلط عليها صوت صديقة متوارية تحاورها باستمرار، وذكرى أخ ابتلعته الأمواج. غرفتها في أعلى المنارة مختبر أحلام يقظتها، وحين تعود إليها عند الغروب لتأمل البحر، تجتاحها فرحة لا تقاس. منغلقة داخل كآبتها، تطوف بيردر في أرجاء الجزيرة منذ الفجر، مدركةً أن "لا أحد قادر على منعها من غرف السعادة من قلب مأساتها". وفي أحد الأيام، تلتقي بالفتى مالغورن على الشاطئ حول كائن بحري غريب وتفتنه فوراً، لكن من دون أن يؤدي ذلك إلى مغادرة كل منهما دروب تيهه الاستيهامي الخاص.

أشباح الماضي

باختصار، شخصيات تتسلط عليها أشباح ماضيها، وتبدو محاصرة داخل جدران عزلتها، لكن من دون أن تعاني كثيراً ذلك لسبب بسيط، وهو أن "الأساطير هنا أكثر واقعية من حياة الناس"، وفتنة الطبيعة التي تعيش هذه الشخصيات في أرجائها تحثها باستمرار على مساءلة الرمل والبحر والسماء ونفسها لتحقيق قدر لا تحده أي عقلانية.

ولسرد قصته، يشحذ حداد لغةً رائعةً، شعرية بامتياز، ترسم بريشة محمومة ونعمة نادرة الأصوات والأضواء والسماء واليم واليابسة، فتنتج من ذلك لوحة مترفة بألوانها النيرة وإيحاءاتها العذبة. وبخلطه الواقعي والخارق، الصمت والموسيقى، الميثات والأساطير، يحل أيضاً داخلها لا زمنية سحرية نتمنى لو نلازمها أبداً. ومع أننا ننتظر، على مر الصفحات، حدوث شيء ما، عنصراً محفزاً لقصتها، جواباً أو إفضاءً لنثره الأخاذ، إلا أن الخيوط التي يمنحنا إياها بألمعية مرهفة لا تتقاطر نحو نقطة محددة، لا لشيء سوى لأنه يبحث معنا عن نفسه داخل سرده، فتبقى قصته بلا خاتمة، مشرعة، مثل جزيرته، على رياح الخيال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إنها إذاً قصة بعكس الزمن أو خارجه، تلك التي يقصها حداد علينا. قصة يبتلع المد والجزر أحداثها ويختطفها غناء الحوريات. نعم الحوريات، لأن البحر الذي يحاصر جزيرة "إستراند" سيلفظ حوريتين على الأقل على شاطئها، لكن في دوار الخاتمة المفتوحة على جميع الممكنات، لا يتركنا الكاتب نسقط من علو الجرف الذي يلتهمه المحيط، بل يمسك بنا ويسير معنا بضعة سطور إضافية، قبل أن يفلت يدنا ويتركنا تائهين، لكن منتشين، تماماً مثل شخصياته. خاتمة قد لا ترضي بعض القراء، لكنها الوحيدة الصالحة. فـ"في غبش الحلم ــ حيث تكمن الجزيرة ــ كل الدروب تضلل، ولا بداية أو نهاية لأي شيء".

باختصار، رواية على شكل قصيدة طويلة يمسك الخيال فيها بزمام السرد، وكل واحدة من صفحاتها، لا بل كل واحدة من جملها تشكل بموسيقاها واستعاراتها سفراً إلى تخوم الملحمة، سفراً يسائل حداد خلاله النفس البشرية بقريحة شاعر ملهم وقاموس ساحر موهوب يفتننا بـ"تعاويذه" من أجل دفعنا بشكل أفضل إلى تحرير أنفسنا من دبق الواقع ومنطقه.

المزيد من ثقافة