Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"إشاعات" السفينة الجانحة تتفوق على جهود التعويم في قناة السويس

مصادر: تأخر الإعلان الرسمي فتح الطريق أمام استغلال الأزمة وبعض وسائل الإعلام تورطت في روايات مغلوطة

تواصل جهود تعويم السفينة الجانحة في قناة السويس  (أ ف ب)

ليست المرة الأولى التي تتوجه فيها أنظار العالم إلى قناة السويس المصرية، فقد تعرضت القناة، التي تتخذ من خليج البحر الأحمر والمدينة الساحلية المصرية هذا الاسم، لأزمات عدة نتيجة للحروب والصراعات السياسية خلال القرن الماضي، أو حتى الظروف المناخية وغيرها منذ افتتاحها للملاحة البحرية عام 1869، وتسببت تلك الأزمات في توقف الملاحة جزئياً أو كلياً، أو منع أطراف بعينها تكون في حال حرب مع مصر من المرور، وفقاً للاتفاقات الدولية التي تحكم الممر المائي الأهم بالنسبة لحركة التجارة العالمية، ومع كل أزمة لم تبتعد "قصتها" عن تعدد الروايات وتأرجحها وسط تواتر الإشاعات التي ظلت تمر على القناة كما تمر السفن.

وخلال مؤتمر صحافي عقده رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، مساء السبت، ناشد الإعلام والمواطنين الالتزام ببيانات الهيئة، مشدداً على ضرورة "ابتعاد الإعلاميين والمواطنين من الإشاعات والتصريحات غير الرسمية في شأن الحادثة".

ويبدو أن هذا "الالتزام" قد تقرر أيضاً تجاه الجهات الحكومية المعنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمواجهة الإشاعات وتصويبها، إذ حاولت "اندبندنت عربية" الحصول على تعليق وزير الإعلام المصري أسامة هيكل حول مستوى التغطية الإعلامية للحادثة مصرياً وعالمياً، وأخبرنا مكتبه أن "الجهة الوحيدة المعنية بالحادثة هي هيئة قناة السويس، سواء في شأن المسائل الفنية أو الإعلامية".

تاريخ من الأزمات والإشاعات

في "أزمة السويس" عام 1956 أو كما تسمى مصرياً "العدوان الثلاثي"، شنت بريطانيا وفرنسا مع إسرائيل هجوماً مشتركاً على مصر خلال أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) من هذا العام الذي سجلت فيه الأزمة إسرائيلياً أيضاً باسم "العملية قادش"، رداً على قرار الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر تأميم القناة، وهو ما تطلب تكاتف الغريمين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة للضغط لوقف "العدوان"، داعمين الموقف المصري الذي ساندته مقاومة شعبية من سكان مدن القناة.

بعد عقود من "أزمة السويس" الأولى، جاءت نظيرتها الثانية في ظل جائحة كورونا التي تجتاح العالم، فعقب تسبب السفينة الجانحة في توقف حركة الملاحة بالقناة، لتضاف إلى الانسدادات التى عانتها مسارات سلاسل التوريد العالمية بسبب إغلاقات الوباء العالمية، إلا أن مراقبين أجمعوا على أن جنوح السفينة العالقة منذ أيام بالقناة كشف انسداداً في تداول المعلومات حول إدارة تلك الأزمة التي تشغل العالم.

ومنذ الثلاثاء الماضي، استيقظ الاقتصاد العالمي على أنباء عن تعرض سفينة الحاويات العملاقة "إيفر غيفن" إلى حادثة خلال مرورها بقناة السويس، تسابقت بعدها الإشاعات حول حال حركة المرور بالقناة، وحجم الحادثة ومسؤولية الطرف المتسبب فيه، بما في ذلك "جنس" و"جنسية" قائد السفينة العالقة، وموعد وطريقة إعادة تعويمها، بينما كل ما صدر من رواية رسمية حول الحادثة جاء خلال مؤتمر صحافي، لم يخل من الملاحظات النقدية في شأن كثير مما تردد في وسائل الإعلام  ومواقع التواصل الاجتماعي، وأجاب عن عشرات الأسئلة العالقة خلف أزمة السفينة.

 

 

التحقيقات لا تزال جارية

لم تحدد هيئة قناة السويس على وجه اليقين القاطع السبب الرئيس لحادثة الجنوح في القناة، وقال رئيس الهيئة في تصريحات متلفزة، "لا نستطيع تحديد سبب جنوح السفينة إلى الآن، والعاصفة ليست السبب الوحيد، ومن الممكن أن يكون خطأً بشرياً أو مشكلة بالسفينة، والتحقيقات لا تزال جارية".

ونالت الإشاعات أيضاً جدوى مشروع "قناة السويس الجديدة" التي افتتحت للملاحة في 6 أغسطس (آب) 2015 بكلفة 64 مليار جنيه (8 مليارات دولار آنذاك)، وعدم ملاءمتها لمرور السفن العملاقة، وهو ما نفاه الفريق أسامة ربيع، خلال المؤتمر الصحافي أمس بقوله، "موقع الحادثة لم يكن فى قناة السويس الجديدة، ولكن فى المدخل الجنوبى على بعد 35 كيلومتراً من السويس".

وعما تعرض له مرشدو قناة السويس وموظفو الإنقاذ من انتقادات لاذعة على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، قال رئيس الهيئة، إن "عملية التكريك مهمة لتسهيل تعويم السفينة الجانحة، وأن نتائج الأعمال فى اليوم الأول لم تكن مجدية، ولم تتحرك السفينة لأنها عملاقة وحمولتها كبيرة، لذلك كان الموقف صعباً". وأوضح أن "مرشدي قناة السويس مدربون جيداً، وفي اليوم الذى وقعت فيه الحادثة عبرت 12 سفينة من الجنوب و30 سفينة من الشمال".

"بدائل القناة" تثير قلق القاهرة وحلفائها

وتحدثت أطراف دولية عدة حول بدائل القناة في ظل الأزمة، كان أبرزها ما كتبه الدبلوماسي الإيراني كاظم جلالي، سفير طهران لدى موسكو في تغريدة له على حسابه الرسمي بـ "تويتر" قائلاً، "في ضوء توقف حركة الملاحة البحرية في قناة السويس خلال الأيام الأخيرة بسبب جنوح سفينة إيفر غيفن العملاقة فيها، والخسائر الناجمة عن توقف حركة الملاحة للاقتصاد العالمي، التي تقدر بنحو 9 مليارات دولار يومياً، فإن الإسراع في إكمال البنى التحتية وتفعيل ممر (شمال - جنوب) كبديل عن ممر قناة السويس يحظى بالأهمية أكثر مما مضى".

وكان رئيس هيئة قناة السويس أشار إلى أن "اعتماد طرق بديلة كطريق رأس الرجاء الصالح عملية مكلفة تستهلك وقوداً ووقتاً أكبر"، مؤكداً "أن القناة تقدم خدمات مميزة، وأن الهيئة تعمل على إنهاء الأزمة سريعاً لطمأنة العالم عن أمان قناة السويس". وعن السفن المنتظرة للمرور حالياً عقب انتهاء الأزمة بالمدخل الجنوبي للقناة، قال، "لديها الحرية ولن نمنعها، ولو انتظرت يوماً واحداً في قناة السويس فهو أقصر من العبور برأس الرجاء الصالح".

وزعم الدبلوماسي الإيراني أن "ممر (شمال - جنوب) الذي يختصر الزمن حتى 20 يوماً والكُلف حتى 30 في المئة، يعد خياراً أفضل كبديل عن قناة السويس في مجال الترانزيت"، وهو التعليق الذي نال قدراً من النقد والهجوم على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وجرى تفسيره ضمن "النيات غير الودية" للمنافسين الإقليميين لمصر وقناتها بالشراكة مع قوى كبرى تسعى لخلق نظام عالمي جديد يتجه شرقاً، استغلالاً لتداعيات الجائحة العالمية، الأمر الذي لم نتلق حوله رداً من وزارة الخارجية الإيرانية، ومغزى مطالبة طهران بتفعيل خط ملاحي ليكون بديلاً لقناة السويس، في وقت سارعت فيه بلدان عدة بالمنطقة والعالم إلى إعلان استعدادها مساعدة مصر في التغلب على الأزمة، وفي مقدمها الولايات المتحدة والسعودية. وبينما أبدت هيئة قناة السويس استعدادها للسيناريو الثالث المتمثل في تخفيف أحمال السفينة الجانحة حال استمرار الأزمة، حصلت انفراجة بتحرير دفتها 30 درجة، مع استمرارها إغلاق الممر الملاحي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ظل نجاح القاهرة في تأمين حرية الملاحة بالقناة خلال السنوات الأخيرة التي شهدت تصاعد الهجمات الإرهابية في المنطقة ومصر، لم تسجل قناة السويس أية محاولة إرهابية تُذكر، و"يظل الأمن البحري هاجساً في القاهرة" بحسب مصادر حكومية مصرية، وبمحاولة الحصول على تعليق من جانب هيئة قناة السويس في شأن استهدافها من جانب المنافسين، أو احتمال كون الحادثة مدبرة ضمن سيناريوات التحقيق القائمة، لم نتلق رداً، لكن رئيس هيئة القناة أكد في تصريحاته السابقة أن "نسبة الحوادث فى قناة السويس لا تذكر، وتكاد تكون صفراً في المئة".

تأخر الإعلان الرسمي ومعلومات مغلوطة 

خلال السنوات الأخيرة لجأت وسائل إعلام عالمية كبرى إلى تخصيص قسم معني بمواجهة الإشاعات والخطاب الدعائي للجماعات والتنظيمات الإرهابية، وفي مصر كثيراً ما حذر المسؤولون الحكوميون من تعرض البلاد "لحرب إشاعات" تستهدف ما سماه الرئيس المصري في إحدى الخطابات الرسمية دفع المجتمع إلى "الانتحار القومي".

ويقول رئيس تحرير صحيفة الشروق المصرية وعضو لجنة الإعلام بمجلس الشيوخ، عماد الدين حسين، إن "الإشاعات موجودة في كل وقت وحين، ولكن جنوح السفينة أعطى فرصة لبعض القوى والمنظمات والتنظيمات المعادية أن تستغل هذه الفرصة، حتى إن بعض الدول الأجنبية الصديقة  لمصر حاولت أن تستغل هذه الأزمة في الترويج لطريق بحري جديد، وهو طريق سيبيريا الأقصر بين آسيا وأوروبا، ولكن هذا الكلام غير مؤكدة جدواه وإمكانه علمياً نتيجة وجود الجليد طوال العام، وبعض شركات السفن حاولت المساومة تجارياً بالاتجاه نحو الرجاء الصالح، وبعض المنصات الإعلامية في دول تدعى اتجاهها للمصالحة مع مصر روجت هذه الإشاعات، على الرغم من أن جنوح السفينة خطأ ناتج من قبطان السفينة وتوجيهها، وليس من القناة نفسها، بحسب كثير من المراقبين، وبالتالي فعلى الاعلام المصري أن يبذل جهداً أكبر في تقديم المعلومات الموثقة والدقيقة أولاً بأول، وكذلك في دحض الإشاعات وتفنيدها من خلال مزيد من العمل المهني المحترف".

في المقابل، يرى رئيس تحرير موقع "القاهرة 24"، محمود المملوك، أن "هناك أخطاء وقعت بها مصر بشقيها الحكومي الرسمي والإعلامي، فمصر الرسمية تأخرت في الإعلان عن تفاصيل الحادثة، وظلت مرات عدة تنفي ولا تصدر أية معلومات فورية عن جنوح السفينة، وعلمنا بالقصة من وسائل إعلام أجنبية وحسابات علماء أو بحارين أو متابعين أو صحافيين أجانب. كما تواصلنا مع مصادرنا من هيئة القناة وخرجنا بخبر ومعلومات أولية لحين الوقوف على تفاصيل الحادثة، وهنا بدأت تصدر البيانات والتفاصيل تباعاً عن الهيئة، وتأكدنا من صحة المعلومة، وربما أدرك المعنيون أهمية المكاشفة وأنه لا يمكن الصمت أو النفي أكثر من ذلك، وحتى الآن المعالجة الإعلامية الرسمية "ركيكة ومتأخرة"، ولم يكن المؤتمر الصحافي على أكمل وجه، وهو ما وفر الفرصة لخروج روايات مغلوطة وغير دقيقة، وعاد الحديث لما قبل إنشاء القناة بطرح الاعتماد على طريق رأس الرجاء الصالح كبديل".

وأكد الباحث في إدارة الأزمات أحمد أبوزيد، أهمية عنصر "الاتصال الإعلامي وقت الأزمات لمنع تفاقم الأزمة واحتوائها وإدارتها، وصولاً إلى حلّها، وبلورة رواية متكاملة ومُحكمة حول الأزمة وتطورها وتفاعلاتها ومراحلها المختلفة"، معتبراً "أن ذلك كان غائباً نسبياً خلال الأيام الأولى لوقوع الحادثة، قبل أن تصبح جهة واحدة معنية بتوفير المعلومة المؤكدة حول التطورات بشكل لحظي".

 ويشير الأكاديمي المتخصص في العلوم السياسية رامي مجدي إلى "أن الإشاعات وحال السخرية غير المبررة التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي حول الحادثة، ناتجة من ثقافة عامة للشعب المصري التي تميل دائماً للبحث عن الطرافة، ومواجهة الضغوط والمشكلات بحال من السخرية".

 وأضاف، "البعض يشعر بأن الأمر لا يعنيه وأنه لن يؤثر في مجرياته، ومواقع التواصل جعلت أي شخص يمكن أن يتكلم في أي شيء، خصوصاً أنه كان هناك مساحة واسعة من الغموض تركت فرصة للإشاعات مع غياب للرواية الرسمية، لكن البعض تطوع بجمع صور من الأقمار الصناعية ومعلومات حول أزمات سابقة للملاحة وطريقة حلها، ربما بدوافع وطنية".

 وتابع، "لكن الاعلام بشقيه الرسمي والخاص تسبب بطريقة أو بأخرى في انتشار بعض الإشاعات، إذ يسعى معظمه إلى جذب المشاهدات والانتشار بمواقع التواصل الاجتماعي كغاية أولى لعملها الصحافي، بغض النظر عن مستوى الدقة والحرفية التي دفعت إلى تناقل أنباء غير دقيقة، بما في ذلك تغريدات وتفاعلات على السوشيال ميديا، باعتبارها أخباراً ذات صلة بتغطية هذه الأزمة".

المزيد من تقارير