Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ساشا غيتري موليير معاصر ابتكر السيرة السينمائية

"هؤلاء من عندنا" لقاءات الحياة اليومية بين مبدعين فرنسيين كبار

ساشا غيتري في باريس عام 1927 (غيتي)

ليس من السهل إحصاء "السير" التي أبدع الكاتب والمسرحي والسينمائي الفرنسي ساشا غيتري في إيصالها إلى خشبة المسرح. ولم تكن المسألة سهلة على أية حال. فالمسرح لم يكن من عادته تقديم هذا النوع من السير وإن كان قد أسهم في أن ينقل إلى متفرجيه حكايات تتحدث عن شخصيات تاريخية واقعية يقدمها في لحظات درامية من حياتها. أما غيتري فكانت مسرحياته التي تخوض في هذا النوع استثنائية تقترب كثيراً مما ستفعله السينما لاحقاً، إذ تغوص في تلك السير عبر أفلام روت حكايات ألوف الشخصيات. والحقيقة أن غيتري كان رائداً في هذا الفن الذي شهد نوعاً من بداياته على يديه تحديداً عبر فيلم متوسط الطول بدأ عرضه في خريف عام 1915 يوم بالكاد كان الناس قد بدأوا ينظرون إلى السينما نظرتهم إلى جنس فني. فكيف بالسينما التي تتنطح لتقديم حياة مبدعين كبار وأعمالهم؟

كلهم في الصورة المتحركة

ما عرضه غيتري في ذلك اليوم هو فيلم عنونه "هؤلاء من عندنا"، حيث على مدى عدد محدود من الدقائق، جمع الفنان الذي كان يقول لمن حوله: "إنني أحلم بموسوعة من نوع جديد..."، مشاهد منتزعة من "الحياة الحقيقية" لأولئك الذين كان يعتبرهم "الشخصيات الأكبر" في زمنه من أندريه أنطوان إلى سارة برنار، ومن إدغار ديغا إلى أناتول فرانس مروراً بأوكتاف ميربو ولوسيان غيتري (والد ساشا) وكلود مونيه وأوغوست رينوار (مصحوباً بواحد من ولديه اللذين سيصبحان ذوي شأن، جان وبيار حيث اعتقد كثر أن الصبي الواقف وراء رينوار هو ابنه جان لكن تبين بشكل قاطع أنه كلود)، وأوغست رودان وإدمون روستان وكاميل سان سانس... وغيرهم من وجوه الحياة الإبداعية في فرنسا أوائل القرن العشرين. وكانوا جميعاً من أصدقاء ساشا أو أصدقاء أبيه. ولم يكن الفيلم تعريفياً وحسب بل كان، على صمته – فالسينما كانت لا تزال صامتة – فصيحاً في تقديم الشخصيات في لقاءات ودية وجلسات رفاقية أحياناً مع بعضهم البعض وأحياناً منفردين. والحقيقة أن النسخة التي عرضت يومها لم تكن الأولى بل كانت سبقتها نسخة من 22 دقيقة، ثم تبعتها عام 1939 نسخة جديدة أضاف فيها ساشا غيتري دقائق عدة يظهر فيها أبوه الذي كان ممثلاً ومخرجاً مسرحياً، ولكنه يتكلم هذه المرة حيث كانت النسخة الجديدة ناطقة عرف كيف يضيف المخرج إليها أصواتاً وحوارات منوعة. ونذكر في السياق نفسه أن المخرج فردريك روسيف عاد وحقق عام 1952 نسخة جديدة من الفيلم نفسه دامت هذه المرة 44 دقيقة، لا شك في أنها أسهمت في "إعادة الاعتبار" لساشا الذي كان قد بات مرذولاً من قبل النخبة الفرنسية... بسبب مناصرته للماريشال بيتان والنازيين حين احتلوا فرنسا.

إمحاء بسبب الخيانة

ونعرف أن ذلك الموقف المشين كان قد نسف سمعة غيتري الذي كان يعتبر، لفترة من الزمن، واحداً من أفضل كتاب المسرح الفرنسي إلى حد أن بعض النقاد كان يرى فيه موليير جديداً، ومع هذا حين انتهت الحرب العالمية الثانية، هبطت أسهمه بشكل مفاجئ وبدأ الناس يدبرون عن أعماله، ووصل الأمر إلى ذروته حين أقيل من عضوية أكاديمية غونكور في 1948، من دون أن يحرك أحد من معارفه ساكناً. وذلك بكل بساطة، لأن ذلك الكاتب الكبير والممثل المتفرد، والذي كان واحداً من أوائل الأدباء الفرنسيين الذين اكتشفوا فن السينما وخاضوا غماره باكراً، حدث له خلال الحرب العالمية الثانية وفي الوقت الذي كان الألمان يحتلون فرنسا ويحكمونها عن طريق حكومة الماريشال بيتان في فيشي، حدث له أن أبدى إعجابه بهذا الاحتلال ولم يخف تأييده للماريشال الخائن. صحيح أنه في ذلك الموقف إنما كان يتبع مثال قطاع عريض من الشعب الفرنسي، لا سيما من البورجوازية الفرنسية التي رأت في الوقوف إلى جانب نظام فيشي مخرجاً لها ومنقذاً، غير أن ما كان يمكن التهاون فيه، بالنسبة إلى طبقة بأسرها، كان من الصعب قبوله من كاتب وفنان، كانت أعماله على الدوام مليئة بالمعرفة وبالدعوة إلى نوع من التقدم الحضاري والاجتماعي. ومن هنا كان ذلك الخطأ الكبير الذي وقع فيه ساشا غيتري، وجعله ملعوناً طوال السنوات التي فصلت بين انتهاء الحرب العالمية الثانية ورحيله عن عالمنا في يوليو (تموز) 1957. مهما يكن فإن رحيل غيتري بدا وكأنه قد أمعن في إزاحة الغبار عنه وأنسى الناس مواقفه إلى جانب فيشي، إذ سرعان ما عادت مسرحياته تمثل من جيد، وعادت أفلامه تعرض، وراحت تصدر عنه كتب ودراسات حاول بعضها على أي حال أن يجد مبررات وأعذار لمواقفه.

الآتي من روسيا

مع هذا كله لم يكن ساشا غيتري فرنسي الأصل، بل كان، عند ولادته في 1885 روسياً وهو ولد في سانت بطرسبرغ، وكان والده ممثلاً مشهوراً يدعى لوسيان غيتري، اصطحب ولده باكراً إلى باريس، حيث تلقى دراسته في نفس الوقت الذي اختلط بعالم المسرح بفضل فن أبيه ومكانته. وهو كان في السابعة عشرة من عمره - كما تقول الحكاية - حين كتب أول مسرحية مثلت من تأليفه، وبعد ذلك بعامين تزوج وبدأ يستقر في حياته، وراح يكتب نصوصاً مسرحية بدأت تلفت إليه أنظار الجمهور الباريسي. وهو بدوره لفتت السينما نظره فإذا به يحقق في 1915 ذلك الفيلم الذي نتحدث عنه، "هؤلاء من عندنا" لعل أهم ما فيه أنه حمل، ربما، الصور المتحركة الوحيدة التي التقطت لبعض كبار فناني ذلك العصر من رودان إلى رينوار، ومن أناتول فرانس إلى مانيه وسان - سانس وتريستان برنار.

شاشة وخشبة للكبار

في تلك الآونة كان الجمهور الفرنسي يقبل بوفرة على مسرحيات البوليفار التي كان غيتري يكتبها بغزارة، ولما أحس الكاتب أنه يكاد ينزلق كلياً في ذلك النوع من المسرح الذي كان، حينها، يصل إلى حد التهريج، راح يثبت مكانته كمثقف، وككاتب من نوع آخر، عبر مسرحيات كان يكتبها ويخرجها بنفسه وأحياناً يتولى فيها الأدوار الرئيسية، وتتناول في ما تتناوله فصولاً من حيوات شخصيات أدبية وعلمية وفنية معروفة. وهو في هذا الإطار كتب مسرحيات عن "باستور" (1918) و"موزار" (1926) و"جان دي لافونتان" (1928) و"تاليران" (1947) والحقيقة أن تلك المسرحيات كان لها فعل السحر في نفوس الطبقة المثقفة في فرنسا، ودفعت أعضاء أكاديمية غونكور الشهيرة إلى جعله، بالانتخاب، واحداً منهم، وهو أمر ظل يفخر به حتى اللحظة التي أقيل فيها من الأكاديمية.

منذ مسرحيته الأولى في 1902، وحتى آخر كتاباته في 1949 في هذ المجال، كتب ساشا غيتري نحو مئة وأربعين مسرحية، كان ينقلها بنفسه إلى الخشبة في معظم الأحيان، إضافة إلى أنه كان غالباً ما يقوم بالدور الرئيسي. وهو نقل بعض مسرحياته إلى الشاشة، حيث عرف عنه كذلك ولعه بفن السينما الذي كتب له العديد من النصوص الخاصة خارج إطار كتابته للمسرح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

راصد المجتمع الفرنسي

ولئن كان ساشا غيتري قد كتب الكثير من المسرحيات، فإن عدداً قليلاً من مسرحياته يمثل الآن، ويركز أهل المسرح على مسرحياته القديمة بأكثر مما يفعلون بالنسبة إلى مسرحياته الأقل قدماً. ومن هنا، فإن المسرحيات المعروفة أكثر لجمهور ساشا غيتري هي أعمال مثل "حارس الليل" (1911) و"احتلال برغ - أدب - زوم" (1926) وبخاصة "جان دي لافونتان" (1928) التي يحلو لكثير من النقاد أن يعتبروها أهم مسرحية له، إضافة إلى هذا هناك مسرحية "أبي كان على حق" (1919) التي كان لا يخلو منها موسم مسرحي فرنسي.

مقابل هذا تكاد تغيب مسرحيات هامة لغيتري مثل "متى نلعب الكوميديا؟" و"لا تسمعن يا سيداتي" وكلها مسرحيات تعود إلى الفترة بين 1935 و1947. أما مسرحيات غيتري الموليارية مثل "زواج طيب" و"يد صغيرة" فإنها المسرحيات التي جعلت ناقداً كبيراً مثل ليوتو، يرى في غيتري خطاً جديداً للمسرح الفرنسي، بلغته الطبيعية وقدرته على رصد المجتمع الفرنسي وانطلاقة ترعته الروحية. ومع هذا فإن هذه المسرحيات تكاد تكون مجهولة كلياً في أيامنا هذه.

المزيد من ثقافة