Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الوسطاء بين عون والحريري استنزفوا ولا حلول داخلية

الفريق الرئاسي يلتقي سفراء عرباً وأجانب لتبرئة نفسه من تعطيل الحكومة

اللقاء الثامن عشر بين الرئيس اللبناني ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري في 22 مارس (أ ف ب)

خرجت الحلول للأزمة السياسية اللبنانية التي تفاقِم المأزق المالي الاقتصادي كل يوم، من يد الفرقاء المحليين وبات معظم هؤلاء يترقبون حلولاً من الخارج بعدما فشلوا في إيجاد مخارج مقبولة للفراغ الحكومي من خلال المساومات الداخلية. ولذلك يترقب السياسيون اللبنانيون بداية القمة الأوروبية المنعقدة عبر تقنية (الفيديو كونفرنس) يومي الخميس 25 مارس (آذار) والجمعة 26 منه، والتي يشارك فيها الرئيس الأميركي جو بايدن. 

انتهاء الاجتماع الثامن عشر بين رئيس الجمهورية العماد ميشال عون والرئيس المكلف سعد الحريري في 22 مارس إلى الفشل الكامل وتبادل الاتهامات، وكشف الوثائق عن خمسة أشهر من التفاوض على الحكومة، لم يترك مجالاً للشك بأن المراهنة على إمكان معالجة الرئيسين الخلاف حولها محلياً كان مجرد مكابرة. فالتوقعات بأن يؤدي التشجيع الخارجي للفرقاء على تسريع تأليف حكومة قادرة على الإصلاحات، كي يهب المجتمع الدولي لمساعدة لبنان مالياً، سيدفع نحو ولادتها خابت، حتى عند بعض الجهات التي كانت تسعى إلى استنباط الحلول الوسط.

بري يرد على سابقة عون  

ويقول مصدر سياسي بارز سعى فريقه إلى تدوير الزوايا بين عون والحريري، لـ"اندبندنت عربية"، إن الرئيس عون "نجح في تحويل مسار التأليف إلى حال استعصاء وتصادم ونفذ انقلاباً على الدستور بمحاولته فرض تشكيل الحكومة وفق مقاييسه ومصالح صهره رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل، عبر إرساله إلى الحريري عشية اجتماعهما، جداول لـ"منهجية" تأليف الحكومة تتناول التوزيع الطائفي للوزارات، ثم القوى السياسية التي ستسمي الوزراء في كل طائفة، طالباً إليه تعبئة الجدول الثالث الفارغ بأسماء الوزراء بناء لاقتراحات القوى السياسية".

أكثر الوسطاء الذين استغربوا هذه الجداول رئيس البرلمان نبيه بري الذي أطلعه الحريري على نسخ منها، فاعتبرها سابقة في تاريخ العلاقات بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، لم تحصل حتى قبل اتفاق الطائف، بأن يفرض الأول على الثاني توزيعاً للحقائب الوزارية، ويطالبه بـ"ملء الفراغات" ويتصرف خلافاً للدستور. وقرر على الفور إصدار بيان عن حركة "أمل" يشدد على التزام اتفاق الطائف وحكومة اختصاصيين غير حزبيين، وفقاً للمبادرة الفرنسية، مؤيداً وجهة نظر الحريري قبل اجتماعه مع عون. 

وشدد المقربون من بري على أن خلفية البيان هي الرد على عون وليس على الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله، الذي كان اقترح في 18 مارس، تشكيل حكومة تكنوسياسية لضمان اشتراك القوى السياسية في دعم قرارات الحكومة، كما اعتبر بعض وسائل الإعلام والمحللين، على الرغم من التباينات بين قطبي الثنائي الشيعي في الموقف من عون.

لائحة غير الحزبيين والتمسك بالثلث المعطل

أدى افتعال اقتراح الجداول من قبل الفريق الرئاسي إلى حجب السجال حول لائحة الوزراء الثمانية عشر، الاختصاصيين وغير الحزبيين، التي كان سلمها الحريري إلى عون في 9 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذين تنسجم سيرهم الذاتية مع أفكار المبادرة الفرنسية. فمراجعة أسماء هؤلاء والمعلومات المفصلة عنهم، تظهر أنهم ليسوا تابعين لأحزاب وقوى السلطة التي لا ثقة خارجية وشعبية بها لفسادها، لأنها غير مؤهلة لتنفيذ الإصلاحات الموعودة منذ عقود، وهمها الإبقاء على سيطرتها على المال العام وخدمات المؤسسات. وتبين أنه حتى الوزراء الشيعة الذين اقترحهم الحريري على أن يكونوا اختصاصيين غير حزبيين، لم تتم تسميتهم من الثنائي الشيعي، الذي سلّم بأنهم غير معادين له.

وفي وقت نفى القصر الرئاسي مرة جديدة، بعد الاجتماع مع الحريري، نية عون الحصول على الثلث المعطل في الحكومة، كشف الجدول الذي أرسله إلى الحريري ونشره الأخير، أن احتساب الوزراء الذين يعتبر رئيس الجمهورية أن من حقه تسميتهم، يؤدي إلى حصوله على هذا الثلث المعطل "وسكر زيادة"، كما قال أحد الوسطاء لـ"اندبندنت عربية".

وأبلغ مصدر ديبلوماسي فرنسي "اندبندنت عربية" أنه من الواضح أن الفريق الرئاسي ينفي رغبته بالحصول على ثلث عدد الوزراء زائداً واحداً، لكن عند تعداد الوزراء وتوزيعهم يكتشف المرء أنه يريد ذلك. 

كما أن رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، الذي رفع الصوت قبل أسبوعين داعياً إلى "التسوية" وتبادل التنازلات، لأن الوضع المعيشي وتفاقم الفقر وارتفاع الأسعار وفلتان سعر صرف الدولار، قوبل بازدواجية في الموقف. كان جنبلاط تراجع عن بعض تصريحاته النارية ضد العهد الرئاسي وعون، واجتمع إليه السبت 20 مارس في خطوة مفاجئة، لتشجيعه على تعديل موقفه في لقائه اللاحق مع الحريري بعد أن كان دعا زعيم تيار "المستقبل" إلى الليونة في التعاطي مع رفع عدد الوزراء إلى 20 أو أكثر. واعتبر جنبلاط أن مسعاه نجح مع عون في تكريس تراجعه عن مطلب الثلث المعطل، ليكتشف مثل غيره بأن رئيس الجمهورية تمسك به في الجداول التي بعث بها إلى الحريري، وأنه يريد إحراج الأخير لإخراجه ودفعه للاعتذار.

الوسطاء أوقفوا محركاتهم وسيناريو الفوضى

كثرة التفاصيل في الوثائق التي انكشفت نتيجة انفجار الخلاف بين الرئيسين في سجال علني، أدت إلى ترحيل تأليف الحكومة إلى أجل غير مسمى. ويُنسَب نجاح عون في إغراق البلد في السجال حول كمية من التفاصيل المملة، إلى أسلوب باسيل المماحِك، الذي يداوم في القصر الرئاسي ويشرف على كل المفاوضات بين عون والحريري ويعدل في الموقف والاقتراحات، إلى درجة أثارت حفيظة وسطاء. فبعض هؤلاء كان يلمس من عون موقفاً يساعد في حلحلة العقد الحكومية، ثم لا يلبثون أن يكتشفوا أنه عدل عنه. ومن هؤلاء المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي كان ينقل الأفكار بين الرئاسة الأولى والحريري، ويتداول في المخارج مع الرئيس بري. وفكرة الجداول التي بعث بها عون إلى الحريري جرى التداول فيها بين عون وباسيل خلال اجتماع في حضور اللواء إبراهيم الذي نصح بالاستغناء عنها، مؤكداً أنها تنسف أي إمكانية للتفاهم. سايره عون في الموقف، لكنه عاد فأرسلها إلى الحريري. وحين أبلغه بأنه فعل ذلك أطلعه على نسخة منها تبين له أنها غير تلك التي بعث بها إلى الرئيس المكلف... كان ذلك مؤشراً على إغراق الوسطاء في تفاصيل وألاعيب لا تنتهي، وليس فقط افتعال الالتباسات لدى الرأي العام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

النتيجة لدى الوسطاء الثلاثة هي أنهم استُنزفوا. بري قرر وقف طرح أفكار الحلول معتبراً أن لا مجال لتعديل موقف عون، وأن جنبلاط "لم يعد لديه شيء ليقوله" كما نقلت عنه مصادره، فيما اللواء إبراهيم سيكتفي في المرحلة المقبلة بالمداولات الهاتفية التي يجريها معه الجانب الفرنسي للاستفسار. وتتفق مصادر حركة "أمل" وجنبلاط على أنه "تأكد للمرة العاشرة أن ما يريده الفريق الرئاسي هو الثلث المعطل، وما لا يريده هو أن يبقى الحريري في رئاسة الحكومة، بل يسعى إلى التخلص منه بأي طريقة".

وفي تقدير الأوساط القيادية في حركة "أمل" فإن توقيع عون على مراسيم الحكومة مشروط بحصول فريقه على الثلث المعطل، لأن هذه الحكومة باقية حتى نهاية العهد الرئاسي في 30 أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بالتالي قد يكون هذا التوقيع هو الأخير له. أما الثلث المعطل فيضمن "توقيع" باسيل وتحكمه بعملها في حال حصول شغور رئاسي، لأنها ستدير هذا الشغور، فتكون له الكلمة الفصل في اختيار الرئيس المقبل. ولا مانع لدى عون من أن يتسبب استمرار الفراغ الحكومي بالفوضى إذا لم يحصل على ما يريد. في عام 1988 حين وضع الأميركيون اللبنانيين بين قبول ترشيح مخايل الضاهر للرئاسة الأولى والفوضى، رفض عون لأنه كان يطمح هو لتبوؤ المنصب، وانخرط في الفوضى. وها هو لبنان من دون إدارة لسياسة دعم المواد الأساسية، ولتصريف الأعمال، وسط تخبط حول القرارات المطلوب اتخاذها في ظل حكومة مستقيلة، مع احتجاجات يومية على ارتفاع الأسعار وتنافس يصل إلى حد العراك في السوبرماركت على مواد غذائية مدعومة من الدولة، وقطع طرقات من فقراء وناشطين.

ماذا يرتب الفشل؟

لا يبدو أن هناك تغييرات جوهرية، سواء في التحالفات أو الاصطفافات المعروفة في البلد، في ظل استمرار الغموض على الساحة الإقليمية، بالنسبة إلى الملفات الساخنة التي يتم ربط لبنان بها، بدءاً من الملف النووي الإيراني، مروراً باليمن، وانتهاء بسوريا. 

ويرى مؤيدون للحريري أنه مرة جديدة استعاد تعاطف الجمهور السني معه، بسبب تعدي عون على صلاحيات رئيس الحكومة في تأليفها، فضلاً عن بيان التأييد الذي صدر عن رؤساء الحكومات السابقين لمصلحته، في ظل رفض رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب تفعيل الحكومة بديلاً عن تشكيل حكومة جديدة ومطالبته البرلمان بتفسير دستوري لإمكان اجتماع حكومته المستقيلة، على الرغم من إلحاح "حزب الله" عليه. وبهذا المعنى يعتبر مؤيدو زعيم "المستقبل" أن عون معزول سنياً فضلاً عن امتعاض من سفراء الدول المتابعين لتفاصيل المداولات حول تأليف الحكومة من تعطيل فريقه لعملية تأليفها، سواء كان السبب خارجياً نتيجة تحالفه مع "حزب الله" أم محلياً، لرغبته في ترجيح كفة فريقه في السلطة.

لقاء السفراء لتجنب العقوبات؟

وإذا كانت العين على الخارج، لمعرفة إذا كان في جعبته وسائل ضغط إضافية أكثر فعالية على الفرقاء السياسيين بعقوبات أوروبية مثلاً، فإن الفريق الرئاسي حاول تبرئة نفسه من تهمة تعطيل تشكيل الحكومة، غداة إعلان فشل اجتماع عون- الحريري، فالتقى السفير السعودي الوزير المفوض وليد البخاري، وسفيرة فرنسا آن غريو، ليشرح لهما أسباب الخلاف من وجهة نظره، في خطوة تهدف بحسب ما قال معارضون لعون إلى إطلاع السفيرين على تعدي الحريري على صلاحيات الرئاسة الدستورية في تشكيل الحكومة. وهو سيستكمل لقاءاته مع السفراء، إذ إن فريق عون أراد من استدعاء السفراء الإيحاء بأنه ليس معزولاً على الصعيد الخارجي، وأن يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي بأنه لا يعطل ولادة الحكومة، كي يتجنب استهداف بعض معاونيه على لائحة عقوبات محتملة لوحت بها باريس، ويجري التشاور في شأنها في إطار الاتحاد الأوروبي ومع الولايات المتحدة وبعض الدول العربية. هذا في وقت ينقل عن صهره باسيل أنه ليس متأثراً بتهديده بالعقوبات، لأنه سبق أن تعرض لها من إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، بعد اتهامه بالفساد تحت قانون "ماغنتسكي"، وبالتعاون مع "حزب الله".

لكن المكتب الإعلامي للرئاسة سرب بأن عون أكد للسفيرة غريو تمسكه بالمبادرة الفرنسية، التي أظهرت لائحة الحريري الوزارية التزامه بها. وفيما سرب محيط عون معلومات بأن السفير البخاري تفهم موقفه حيال الحكومة بهدف الإيحاء بأن الرياض غير راضية عن الحريري، كان واضحاً ما أراده السفير من تلبيته دعوة عون الذي ألح عليه ثلاث مرات كي يزوره. فهو ذكّر في بيان مكتوب، بالمواقف التي تنسجم مع إصرار الحريري على حكومة الاختصاصيين، لتحقيق الإصلاحات، في ظل تمسكه بعدم التدخل في الشؤون الداخلية واتفاق الطائف، ووجوب تنفيذ القرارات العربية والدولية، لا سيما القرارات 1559 الذي ينص على نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، و1680 الذي ينص على ترسيم الحدود اللبنانية السورية، و1701 الذي يحصر السلاح بيد السلطة الشرعية جنوب الليطاني وفي كل لبنان. وهي قرارات يعني تنفيذها رفع هيمنة "حزب الله" على القرار السياسي في البلد، بتحالفه مع عون، ووقف استخدام الحزب لبنان منصة لخوضه الحروب لمصلحة إيران في المنطقة.

المزيد من تقارير