Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أزمة تأليف حكومة لبنان تلتحق بالتصعيد الإيراني في المنطقة

سعد الحريري يرفض دعوة "حزب الله" لـ"تكنو سياسية" لأنها تنسف المبادرة الفرنسية وتمنع المساعدات

رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري في القصر الرئاسي ببعبدا (أ ب)

يغلب التوقع السلبي على الإيجابي في لبنان مرة أخرى في شأن إمكان إحداث خرق في جدار أزمة تأليف الحكومة الجديدة خلال اللقاء الـ18 المنتظر، الاثنين 22 مارس (آذار)، بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف تأليف الحكومة سعد الحريري، وسط استمرار الحملات المتبادلة بين الجانبين، على إثر اجتماعهما في 18 مارس، بعد بيانين شديدي اللهجة من كل منهما حيال الآخر. لكن بعض الدوائر الضيقة تستشعر دخول لبنان مرحلة خطيرة من التأزم في حال بقي الفراغ الحكومي على حاله.

فإضافة إلى استمرار تباعد عون والحريري في مقاربة الملف الحكومي، تعتبر الأوساط السياسية المعارضة لـ"حزب الله" وحتى تلك المحايدة، أن مطالبة أمينه العام حسن نصرالله في 18 مارس بحكومة تكنو سياسية، تنسف جهود الرئيس المكلف، المستند إلى المبادرة الفرنسية بقيام حكومة اختصاصيين غير حزبيين، على الرغم من موافقة الحزب على تلك المبادرة. بل إن بعض هذه الأوساط ذهب إلى حد اعتبار عودة نصر الله للحديث عن تمثيل السياسيين في حكومة تكنو سياسية، مشيراً إلى أن الصعوبات التي ستواجه حكومة الاختصاصيين ستقضي على البلد وعلى رئيسها، ربما يعود إلى تطور ما طرأ على الصعيد الإقليمي، يحتم تراجع الحزب عن الموافقة على حكومة من الاختصاصيين، ما يستوجب ترحيل تأليف الحكومة إلى وقت لاحق، بدل التجاوب مع الضغوط الدولية من أجل إنجازها سريعاً.

تفاصيل خلاف الرئيسين

حتى الذين يدعون إلى ترقب جهود الوساطة مع كل من عون والحريري، خصوصاً تلك التي يقوم بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، بعيداً من الأضواء وبتكتم، يقولون إن انتظار ثمار من لقاء الرجلين يتم "بحذر شديد"، نظراً إلى أن أوساطاً مواكبة لموقف الحريري المتكتم بدوره، لم تخفِ أن عون عاد فطالبه برفع عدد وزرائها إلى 20، على أن يسمّي رئيس الجمهورية ستة وزراء منها زائد وزير أرمني يسمّيه حليفه حزب "الطاشناق"، زائد وزير درزي يسمّيه حليفه الآخر النائب طلال أرسلان، ما يعني ضمان ثمانية وزراء لفريق الرئاسة، أي الثلث المعطل في التركيبة الحكومية. هذا، على الرغم من النفي المستمر من الرئاسة بأنها تريد ثلث الوزراء زائداً واحداً. 

في المقابل، يشير الفريق الرئاسي إلى أن عون أبلغ الحريري أنه لا يحق له أن يفوّض نفسه بحق تسمية وزراء مسيحيين، فيما رئيس الجمهورية يمثل المسيحيين في ظل غياب حزبي "القوات اللبنانية" و"الكتائب" عن الحكومة، فضلاً عن أنه المؤتمن على الدستور والميثاق ومن حقه الاشتراك في تسمية الوزراء كافة من كل الطوائف.

 ووفق المعلومات التي سرّبها الفريق الرئاسي عن اجتماع عون والحريري في 18 مارس، فإن الأول طالب الثاني بالعودة إليه بلائحة حكومية كاملة لأن لائحته السابقة التي تقدّم بها في 9 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عاد فشطب اسمَي وزيرين شيعيين منها كان يفترض أن يكونا من أصدقاء "حزب الله". وطالبه عون بالحصول على موافقة الحزب على اسمّي هذين الوزيرين.

الفريقان مهّدا لشعارات تصعيد الصراع

بصرف النظر عن تفاصيل الخلاف التي باتت مملّة للبنانيين الذين يعيشون حالة من عدم اليقين والاضطراب بسبب التدهور المتواصل في أحوالهم المعيشية وبفعل الارتفاع اليومي والجنوني في سعر صرف الدولار والسقوط المريع لعملتهم الوطنية، فإن عدم التوصل إلى قواسم مشتركة بين الرئيسين يخرج الحكومة من عنق الزجاجة، سيزيد الأوضاع سوءاً ويضاعف الاحتجاجات في الشارع، فضلاً عن احتمال انتقال الصراع إلى أبعد من ذلك. فعون طالب الحريري بالاعتذار عن التأليف إذا كان "عاجزاً" عن ذلك. والحريري ردّ بالقول إنه إذا كان عون "عاجزاً" عن التوقيع على مراسيم اللائحة التي سبق أن قدّمها إليه، وجبت الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. أي أن كلاً من الرئيسين يهيّئ الأجواء لرفع شعار إسقاط الآخر، على الرغم من أن الحريري قال إثر لقائه عون الخميس الماضي، "قد يكون اللبنانيون عاينوا أمس الاصطدام بين رئاستي الجمهورية والحكومة، وأنا هنا اليوم لنحاول التخفيف من هذا الأمر وتهدئة الأوضاع"، مشيراً إلى "فرصة (للتفاهم) يجب استغلالها". لكن خروج الاجتماع المقبل بنتائج إيجابية مستبعد، في شكل سيؤدي بعون وصهره النائب جبران باسيل إلى إعادة طرح مسألة اعتذار الحريري عن تكليفه تشكيل الحكومة، فيما الأخير ليس في هذا الوارد على الإطلاق.

حجب المساعدات 

ويقول مصدر سياسي بارز ومواكب لاتصالات تأليف الحكومة لـ"اندبندنت عربية" إن كل ما يحكى عن وساطات وتحركات هي تسريبات شكلية بعدما خرج نصر الله وحدد مواصفات جديدة للحكومة هي التكنو سياسية، التي يرفض الحريري الموافقة عليها لأسباب عدة، منها أنها تناقض مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحكومة "المهمة" المحصورة بالإصلاحات والتفاوض مع صندوق النقد الدولي وإعادة هيكلة الاقتصاد والقطاع المصرفي... وتنسفها بالكامل، وتؤدي إلى تمثيل الأحزاب السياسية في الحكومة، الأمر الذي يرفضه المجتمع الدولي، المطالب باختصاصيين بعيدين من الزعامات لكن المدعومين منها، بالتالي هي لن تحصل على مساعدات مالية من المجتمع الدولي الذي يرى مثل الحراك الشعبي أن الطبقة السياسية سبب إفلاس البلد وانهيار ماليته العامة. 

كما أن الحكومة التي تضم ممثلين عن الأحزاب السياسية إلى الاختصاصيين التكنوقراط، تقوم على إضافة ستة وزراء يمثلون الزعامات السياسية والطوائف الست الرئيسة، إلى الوزراء الـ18 الاختصاصيين غير الحزبيين، بحيث تصبح من 24 وزيراً، وهذا سيؤدي حكماً إلى حصول فريق الرئاسة على الثلث المعطل إما لوحده أو بالتحالف مع "حزب الله".

نصر الله هدد ووزّع الإنذارات

لماذا تراجع نصر الله عن مواقف سابقة كان التزمها، ثم قال نقيضها في كلمته في 18 مارس؟ فهو في خطابه في 16 فبراير (شباط) الماضي، رفض حصول أي فريق على الثلث المعطل، وفي الخطاب الأخير استعاد اقتراح الحكومة التكنو سياسية وقال إنه ملتزم بموافقته على حكومة الاختصاصيين التي طرحها الجانب الفرنسي؟ فكيف يستقيم الأمران؟ 

شغل هذا السؤال الأوساط السياسية في تفسير أسباب هذا التحول، خصوصاً أن نبرة زعيم الحزب حملت تهديدات وإنذارات يميناً ويساراً لجهات عدة في ظل الوضع المأزوم. حذّر من إمكان حصول الحرب الأهلية لأن هناك من يعمل لها، على الرغم من قوله إن السقف الذي يجب التحرك تحته هو عدم الذهاب إلى اقتتال داخلي. قال إن صبره نفد من قطع بعض المحتجين الطرقات، مطالباً، بلغة الأمر، الجيش والقوى الأمنية بقمع هذه الأعمال، ملوحاً بأنه سيلجأ إلى إجراء ما في حال استمر قطعها. رفع إصبعه منذراً حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بأن في إمكانه لجم ارتفاع سعر صرف الدولار في السوق السوداء. اعتبر أن الحياد (الذي يطالب به البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي) هو الانضمام إلى المحور الأميركي الإسرائيلي. لمّح في معرض تبريره الحكومة المختلطة من التكنوقراط والسياسيين بالحاجة إلى دعم الأحزاب لقراراتها الصعبة اقتصادياً حتى لا يتم إسقاط رئيسها... كما طلب من رئيس حكومة تصريف الأعمال تفعيل عملها حتى لو اضطرها الاجتهاد القانوني إلى الاجتماع، ملوحاً بأن لدى الحزب خططاً بديلة لمعالجة الفراغ لم يكشف عنها، قائلاً "للبحث صلة". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن الملاحظ أن نصر الله أفرد مساحة واسعة في خطابه، لتفنيد الحجج المناقضة لاتهام الحزب بأنه سبب تدهور الوضع الاقتصادي، بفعل تدخلاته خارج لبنان وإخضاعه الوضع الداخلي لمقتضيات خوضه الحرب في سوريا، حيث دافع بلهجة متوترة. كما ردّ على انتقاد شرائح واسعة من الطائفة الشيعية لقبض المنتسبين للحزب رواتب بالدولار، ودعا هؤلاء إلى التبرع ومساعدة بيئتهم. وأظهر هذا الجزء من الخطاب أن الحزب محرج أمام البيئة الشيعية التي يصيبها تدهور الأوضاع المعيشية وامتدت إليها النقمة على قياداتها، بمن فيها قيادة "حزب الله". 

أكثر من اغتبط بكلام نصر الله، رئيس "التيار الوطني الحر" النائب جبران باسيل، الذي رأى أن "هذا ما ينتظره التيار وهذا هو المشروع المشترك وروحية وثيقة التفاهم المطوّرة التي يمكن أن تنقذ البلد". فصيغة التكنو سياسية يمكن أن تعيد باسيل إلى الحكومة ممثلاً لتياره، فيما هو مبعد حالياً وعليه عقوبات أميركية بموجب قانون "ماغنتسكي".

كلامه لم يمرّ من دون ردود، فقال رئيس حزب الكتائب سامي الجميل "ما في لبناني بدو حرب أهلية يمكن إلا إنت وما تهددنا بحرب". 

مصادر البطريركية المارونية ردّت على قول نصر الله إن المطلوب من الحياد أن نكون جزءًا من المحور الأميركي - الإسرائيلي، بالإشارة إلى أن "طروحات البطريرك لا تحتاج لا إلى تفسير وتأويل، وهدفها حماية لبنان، فالبطريرك لا يُخوَّن ولا يحتاج إلى شهادة وطنية من أحد".

أسباب خارجية وراء موقف "حزب الله"؟

احتمالات عدة تكمن وراء هذا التصعيد الذي تعتقد أوساط سياسية وأخرى دبلوماسية تحدثت إليها "اندبندنت عربية" أنه سيؤدي إلى انسداد أفق الحلول في لبنان، ليس على المستوى الداخلي والحكومي فحسب، بل على الصعيدين الإقليمي والدولي وربما تأخذه إلى وضع خطير.

القراءات لتصعيد الحزب انطلقت من أنه جاء غداة عودة وفده من زيارة موسكو، حيث اجتمع رئيس كتلة نوابه محمد رعد إلى وزير الخارجية سيرغي لافروف. وفد الحزب كان بحسب التسريبات من العاصمة الروسية متناغماً مع ما سمعه من لافروف حول تأييد تسريع ولادة حكومة مهمة برئاسة الحريري ومن 18 وزيراً ومن اختصاصيين، من دون ثلث معطل لأي من الفرقاء. وتردد أن الحزب أبلغ موسكو أنه بذل جهداً من أجل معالجة الخلاف وقام بما يستطيع. 

لكن أصحاب هذه القراءة يعتبرون أن تراجع الحزب بعد عودة وفده ربما يعود إلى أن الجانب الروسي أبلغه رسالة تهديد من إسرائيل تتعلق بالصواريخ الدقيقة التي يملكها وبمطالبة تل أبيب بسحبها من لبنان، وبوقف التسلح بها من إيران. وفي وقت لا يستند هذا الافتراض إلى معطيات واضحة، فإنه يشير إلى أن زيارة وزير خارجية إسرائيل غابي أشكينازي إلى موسكو فور انتهاء محادثات وفد الحزب فيها، ربما له علاقة بالأجوبة عن هذه الرسالة.

رسائل إسرائيل عبر موسكو

الاحتمال الثاني هو أن الجانب الروسي تناول بحسب البيان الصادر عن الخارجية، الوضع في سوريا، التي تسعى موسكو فيها إلى الحل السياسي وفقاً للقرار الدولي الرقم 2254. فهل تناولت موسكو مع الحزب مسألة انسحابه من بلاد الشام، من أجل تسهيل الحل السياسي الذي يحتاج ترسيخه إلى إعادة إعمار سوريا غير الممكنة من دون ضخ أموال غربية وخليجية فيها، يستحيل استجلابها في ظل وجود الميليشيات التابعة لإيران على أرضها؟ لكن أوساطاً مطلعة على موقف موسكو تستبعد هذا الافتراض لأن شأناً كهذا تناقشه القيادة الروسية مع طهران مباشرة وليس مع الحزب، وأن توقيته لم يحِن بعد طالما أن البحث مع الجانب الأميركي حول سوريا وغيرها لم يبدأ بعد.

رد على التشدد الفرنسي حيال إيران

ثمة احتمال ثالث تشير إليه أوساط سياسية بارزة هو أن نسف المبادرة الفرنسية من قبل نصر الله موجّه إلى الموقف الفرنسي الآخذ بالتشدد حيال إيران في المفاوضات على ملفها النووي، بحيث تشدّد باريس على وجوب أن يشمل التفاوض حوله برنامج طهران للصواريخ الباليستية وتدخلاتها في الإقليم. 

والموقف المتشدد هذا كرره الرئيس ماكرون، داعياً إلى السيطرة على أنشطة الصواريخ الباليستية الإيرانية في المنطقة، أثناء استقباله الرئيس الإسرائيلي رؤوفلين ريفلين يرافقه رئيس الأركان أفيف كوخافي الذي كرر التهديدات للبنان بسبب صواريخ الحزب. ووفق هذه القراءة، فإن طهران تفضل في هذه الحال أن تقدم التسهيلات أو التنازلات لأميركا وليس لفرنسا.

وفي اعتقاد من يبحثون عن تفسير لانقلاب نصر الله على مواقف سابقة في الشأن الحكومي، أن إيران تصعد في الميادين كافة في المنطقة، أي في اليمن، وضد السعودية وفي العراق، فلماذا لا تصعد في لبنان أيضاً؟

المزيد من تقارير