Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

في اليوم العالمي للسعادة... الكل يبحث عن "الكنز المفقود"

عادات التواصل مع الأصدقاء وقضاء الوقت خارج المنزل والتريض باتت أقصى أماني من ينشدون الفرح

على الجميع أن يشعر اليوم بالفرحة والسرور، وعلى كل من تنتابه مشاعر حزن أو يأس أو بؤس أن يتنحى جانباً وينقشع بعيداً حتى يمر اليوم 20 مارس (آذار) بخير وسلامة وسعادة. إنه اليوم العالمي للإحساس الأكثر إثارة للجدل والسخرية والرفض المشوب بالغضب للبعض، وغاية المنى والأمل للبعض الآخر. اليوم العالمي للسعادة يطل على 7.7 مليار إنسان هذا العام في ظروف هي الأغرب منذ عقود. فيصبح ـ والأمر كذلك ـ وكأن الكل يبحث عن "الكنز المفقود".

جائحة هائجة

تأبى جائحة كورونا أن ترحل، وتضيف في كل يوم على مدار 13 شهراً المزيد من الوفيات والإصابات والمصاعب الاقتصادية والهموم النفسية والمخاوف المستقبلية من دون وجود ضوء ما في نهاية نفق شديد الإظلام. ولذلك يقف اليوم العالمي للسعادة هذا العام موقفاً لا يحسد عليه. فسكان الأرض غير قادرين على استيعاب فكرة "السعادة" في زمن الجائحة، الذي انخفض سقف طموحها هذا العام عما كان سائداً، متمثلاً في بعد "الستر والصحة". ولكن القائمين على أمر اليوم العالمي يعطونه مسمى أكثر تعقيداً. "حافظ على هدوئك. ابق حكيماً. كن عطوفاً". إنه ثالوث السعادة في زمن الجائحة على موقع "السعادة" الإلكتروني.

المعني بالسعادة باعتبارها قيمة وهدفاً وعلماً وأملاً يشير إلى أن اختيار ثالوث "الهدوء، والحكمة، والعطف" هذا العام يعكس الأزمة التي يمر بها الكوكب. ويعتبر اليوم العالمي في العام الثاني من الجائحة فرصة ذهبية لإيجاد سبل وأدوات قادرة على إشاعة قدر من البهجة والإيجابية تمكن الجميع من العناية بنفسه وبمن حوله.

كن هادئاً وحكيماً

الأحداث والحوادث من حولنا أقرب ما تكون إلى الجنون، ولذلك "كن هادئاً". على الجميع أن يتذكر أن غالبية ما يحدث حولنا خارج عن إرادتنا وسيطرتنا. نفس عميق وتركيز شديد على الأشياء التي تصنع الفرق فعلياً في الحياة يساعد على الاستجابة البناءة للأحداث، التي تحتاج إلى اتخاذ قرارات حكيمة بعيدة عن الاندفاع أو الذعر أو الغضب التي من شأنها أن تساعد الجميع، وتشملهم بالعطف والتعاطف، وهي مشاعر تصنع فارقاً كبيراً في أوقات الشدة والأزمات، لا سيما تلك التي يتعرض فيها الجميع لأزمة واحدة. الشدة تقرب بين البشر، وكذلك التكافل والتعاطف لمواجهة الشدة.

"كلكتا" الهندية

شدة خروج المولود "جايم إليان" إلى الدنيا كيتيم يتربى في ملجأ ضمن عشرات الملاجئ في مدينة كلكتا الهندية التي كانت ترعاها الأم تيريزا ليس لها شبيه. هذه الشدة قد تدفع بصاحبها إلى عالم بائس وحياة قوامها الحزن. لكنها أيضاً قد تؤدي إلى فكرة يوم عالمي اسمه كفيل باستحضار ابتسامة ولو باهتة.

الصورة الباهتة بدأت بمقترح فكر فيه إليان الشاب، الذي كانت قد تبنته أسرة أميركية وانتقل للعيش معها في الولايات المتحدة، تمثل في تخصيص يوم للاحتفاء بـ"السعادة" في العالم في عام 2006. وفي عام 2012، تبنت منظمة الأمم المتحدة الفكرة. وشهد يوم 20 مارس 2013 الاحتفاء الأممي الأول باليوم العالمي للسعادة.

فكرة إليان عن السعادة وثيقة الصلة بالأداء الاقتصادي للدول بشكل يضمن تحقيق السعادة لأكبر عدد ممكن من الناس. وهذا المفهوم حيث السعادة والأداء الاقتصادي الجيد الضامن لقدر أوفر من العدالة للجميع هو ما تعتمد عليه الأمم المتحدة في احتفاءاتها السنوية باليوم. ومنذ عام 2013، والاحتفال السنوي يربط بين أهمية السعادة في حياة الناس وارتباطها بسبل إنهاء الفقر أو تحقيق العدالة الاجتماعية أو حماية الكوكب من التغيرات المناخية وغيرها.

أهداف التنمية المستدامة

حتى الـ17 هدفاً للتنمية المستدامة التي دشنتها الأمم المتحدة تمثل في مجملها العوامل الرئيسة القادرة على تحقيق قدر أكبر من الرفاه، ومن ثم السعادة. وإذا كانت فكرة اليوم تعود إلى جايم إليان، فإن لفت الانتباه إلى الحاجة لنهج أكثر شمولاً ومساواة وإنصافاً للنمو الاقتصادي من أجل تحقيق التنمية المستدامة والقضاء على الفقر ونشر السعادة بين الناس يعود إلى بوتان، هذا البلد الذي أقر بسيادة السعادة الوطنية على الدخل القومي منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي.

بوتان المدهشة

بوتان الملقبة عالمياً بـ"مملكة السعادة" هي مملكة صغيرة فقيرة غير ساحلية تقع في الطرف الشرقي من جبال هيمالايا في شرق آسيا بين الهند وتبت. هذه الدولة البوذية التي تغطي الغابات نحو 60 في المئة من مساحتها اعتبرت أن غاية الحكومة تحقيق أكبر قدر ممكن من السعادة.

وكانت بوتان من أوائل الدول التي دشنت وزارة للسعادة وتجري مسوحاً كل خمس سنوات لقياس معدل السعادة المحلية الإجمالية. ومعروف أن الهدايا التذكارية التي كان يجلبها السياح من هناك مكتوب على أغلبها عبارة "بوتان: السعادة مكان".

وإذا كانت الهدايا التذكارية المقبلة من بوتان توقفت نظراً لتوقف حركة السياحة بسبب الجائحة، فإن بوتان نفسها لم تتوقف عن إدهاش الجميع رغم أنف الجائحة. كل من يتقفى أثر بوتان ووضعها في الجائحة تصيبه دهشة بالغة. تقول الأرقام، إن تعداد بوتان يبلغ نحو 760 ألف شخص. عدد الإصابات بكوفيد-19 بلغ 868 إصابة، شفي منها 866 شخصاً وتوفي شخص واحد! هذا مع العلم أن لها حدوداً مع الهند، إحدى أكثر الدول التي سجلت وما زالت إصابات بكوفيد-19.

مجموع عدد الأطباء في بوتان يبلغ 337 طبيباً، وهناك طبيب واحد فقط متخصص في الرعاية المركزة في بوتان. لديها كذلك جهاز "بي سي آر" واحد، إلا أن الإجراءات المتخذة خلال ساعات بعد التأكد من وجود فيروس وبائي يفتك بالعالم أدت إلى تحقيق قدر من الحماية غير مسبوق. أغلقت الحدود، ركزت بشكل مكثف على ارتداء الكمامات والتباعد الجسدي، وتحولت الغالبية إلى العمل من البيت. وعزلت كل الحالات الإيجابية، وكذلك الحالات الإيجابية من دون أعراض. كما كثفت خدمات الدعم النفسي للجميع. أما رئيس وزراء بوتان لوتاي تشيرينغ فقد حولته الجائحة إلى بطل لشعبه. تشيرينغ، واحد من أطباء بوتان الـ337، ظل ملازماً مكتبه وينام على مقعده طيلة فترة الإغلاق المفروضة في البلاد التي امتدت أسابيع.

حرية وفساد وكرم

أسابيع من القياس والاستطلاع يمضيها واضعو تقرير "السعادة العالمي" السنوي. هو مسح سنوي تقوم به شبكة حلول التنمية المستدامة التابعة لمنظمة الأمم المتحدة ويقيس حالة السعادة العالمية في 156 دولة. العوامل الستة التي تتم عملية القياس بناء عليها هي "الناتج المحلي الإجمالي، ومتوسط العمر المتوقع، والكرم، والدعم الاجتماعي، والحرية، والفساد".

وكما هو متوقع ومعروف، فإن تقارير قياس السعادة في العالم على مدار السنوات الماضية شهدت تربع دول غربية، لا سيما اسكندنافية على قائمة الدول والشعوب الأسعد. "فنلندا، والدنمارك، والنرويج، وأيسلندا، وهولندا، وسويسرا، والسويد، ونيوزيلندا، وكندا، والنمسا"، تعد الدول العشر الأكثر تسيداً لقوائم السعادة في العالم.

ومن منطقة الشرق الأوسط، تأتي إسرائيل في المرتبة رقم 13، والإمارات 21، والسعودية 28، تليها قطر في المرتبة الـ30. وعربياً، الدول الأكثر سعادة هي: "الإمارات، والسعودية، وقطر، والبحرين، والكويت"، وهو ما يعني أن العلاقة بين الرفاه الاقتصادي والسعادة واضحة وصريحة وقوية.

الفقر والسعادة

لكن اليوم العالمي للسعادة في 2021 يطرح أسئلة من نوع خاص وجديد. هل هناك مفهوم للسعادة أعمق وأقوى من مجرد الاعتماد على الأرقام التي تخبر الجميع أن هذا البلد سعيد لأنه الأكثر رخاء، وآخر تعيس لأنه الأفقر والأكثر احتياجاً، وهل يعقل أن تجد دول عربية يمزقها الصراع والاقتتال على مدار عقد كامل وأخرى تعاني الاحتلال منذ ما يزيد على سبعة عقود نفسها متقدمة على أخرى في مؤشر السعادة العالمي هذا العام؟

واحدة من مؤلفي تقرير السعادة السنوي لعام 2021 شارون باكيلور تشير إلى أن الجميع يتوجه رأساً إلى المراتب، التي يحددها الاقتصاد ونموه والعائد المادي. لكن هذا العام شهد تحولاً جذرياً لمفهوم السعادة وسبل قياسها بفضل الجائحة.

تقول باكيلور، إن ما يجري في العالم منذ أوائل 2020 أكد للجميع أن المال يسهم في صنع السعادة، لكنه يبقى قاصراً من دون صحة وتفاعل اجتماعي والشعور بالقدرة على الإنجاز. 

تقرير السعادة العالمي لعام 2021 يحوي دعوة لإعادة بناء أكثر سعادة. والسعادة التي قيست على مدار العام الأول من عمر الوباء عادت إلى مربع الإنسانية باقتدار. نحو 62 في المئة قالوا إن الإغلاق وإجراءات احتواء الوباء قوت لديهم الشعور بالانتماء لمجتمعهم وشارعهم وعمارتهم السكنية. وقال 58 في المئة، إن الاتصال بالبشر هو ما كان يمنحهم شعوراً بالسعادة طيلة الإغلاق.

أما الأنشطة الثلاثة التي قال الأفراد إنها منحتهم السعادة فهي: الاتصال بالآخرين (58 في المئة)، وقضاء بعض الوقت خارج البيت (45 في المئة)، والتريض (42 في المئة).

عودة إلى الرضا

اليوم العالمي للسعادة هذا العام يخبرنا أن العالم يعود أدراجه إلى المعنى الأصلي والأكثر بساطة لهذا الشعور المفتقد. سيظل البعض يقول متفكهاً، إن السعادة هي أكلة شهية، أو امرأة جميلة، أو شاب مفتول العضلات، أو إجازة على البحر، أو قصر فاره، لكن الحقيقة هي أن السعادة تتمثل في اتصال الناس ببعضهم البعض وعودتهم لممارسة حياة شبه طبيعية حيث قضاء بعض الوقت خارج المباني السكنية وفرصة المشي في الهواء الطلق. كثيرون قالوا إن سلوكيات مثل الاتصال بآخرين والخروج من البيت والتريض منحتهم شعوراً هائلاً بالرضا.

إطلاق قوائم الدول الأكثر سعادة هذا العام سيفقد بعضاً من إثارة، وسيكتسب كثيراً من زخم. إثارة التفاخر بين الدول وبعضها حيث أيها نجح في أن يقترب من قوائم دول غربية ظلت مهيمنة على مفهوم السعادة سيخفت نسبياً اليوم. وستكتسب معاني السعادة البسيطة السهلة الممتنعة أرضية كبيرة وشعبية جارفة. الجميع سيجد نفسه باحثاً عن الستر والصحة وراحة البال من رعب الوباء وما فعله بالجميع. وستظل هذه المفاهيم سائدة إلى أن ينقشع الوباء ويعود سكان الكوكب أدراجهم من الناتج المحلي للسعادة إلى الناتج المحلي الإجمالي.

عربياً يظل المقياس الرئيس لسعادة السكان والمقيمين قائماً على عوامل الاقتصاد، على الأقل في العرف الشعبي. لكن سنوات الصراع وعقود المصاعب الاقتصادية والمشاحنات السياسية ثم صدمة الجائحة وآثارها الاقتصادية والنفسية تدفع بكثيرين في المنطقة العربية إلى الاعتقاد بأن السعادة "إيموجي" موطنه الأصلي والوحيد ساحات التواصل الافتراضي، لكن ما السعادة حقاً؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعريف السعادة

في قاموس المعاني الجامع تعريف السعادة هو فرح، وابتهاج، أي كل ما يدخل البهجة والفرح على النفس. وفي الفلسفة والتصوف، هي حال تنشأ عن إشباع الرغبات الإنسانية كماً وكيفاً، وهي عكس الشقاوة أو الشقاء. وعندهم السعادة سعادتان، السعادة الدينية والسعادة الدنيوية.

تعريف قاموس أوكسفورد الإنجليزي لكلمة "السعادة" لا يبتعد كثيراً عن المعجم فهي: "الشعور أو إظهار المتعة أو الرضا". وفي الموسوعة البريطانية شرح أوفى، فالسعادة هي حالة من الرفاهية العاطفية التي يمر بها الشخص إما بالمعنى الضيق، عندما تحدث الأشياء الجيدة في لحظة معينة. أو على نطاق أوسع، كتقييم إيجابي لحياة الفرد وإنجازاته بشكل عام. يمكن تمييز السعادة عن المشاعر السلبية (مثل الحزن والخوف والغضب) وأيضاً عن المشاعر الإيجابية الأخرى (مثل المودة والإثارة والاهتمام). غالباً ما تحدث هذه المشاعر مع تعبير وجه محدد: الابتسامة.

أما في التعريفات المعاصرة، فإن السعادة تنطوي على المشاعر الإيجابية والرضا عن الحياة. لكن هذا التعريف لا يختصر المفاهيم الإنسانية عن السعادة التي شغلت تفكير الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأدباء والشعراء وعلماء النفس على مر التاريخ، حتى الأديان السماوية التي وعدت المؤمنين بالسعادة الأبدية، أما الأديان الأرضية كالبوذية والكونفوشسية، فقد وعدت المؤمنين بالسعادة على الأرض وفي حياتهم. ولكن بما أن السعادة مفهوم شعوري غير ملموس، فإن التعريفات التي تناولته تشكل مروحة واسعة لا يمكن حدها بحدود واضحة.

مثلاً يستخدم علماء النفس وعلماء الاجتماع المعاصرون مصطلح "الرفاهية الذاتية" كتعريف للسعادة. ويرى هؤلاء أن هناك مكونين رئيسيَن للسعادة (أو الرفاهية الذاتية) هما، توازن العواطف والرضا عن الحياة. ووضع علماء النفس المعاصرون معايير محددة لتقييم الشخص إذا ما كان سعيداً أم لا، وهي: الشعور وكأنك تعيش الحياة التي تريدها، والشعور بأنك أنجزت أو ستنجز ما تريده في الحياة، والنظرة الإيجابية للأحداث.

السعادة في الفلسفة

ميز أرسطو بين نوعين مختلفين من السعادة؛ السعادة اللذة "هيدونيا"، غالباً ما يرتبط بفعل ما يشعر صاحبه بالرضا عن الذات. أما "اليودايمونيا" أو سعادة المعنى، فهو نوع من السعادة مشتق من البحث عن الفضيلة، والوفاء بالمسؤوليات، والاستثمار في الأهداف طويلة المدى، والاهتمام برفاهية الآخرين، والارتقاء إلى المثل العليا الشخصية. عموماً في الفلسفة غالباً ما تتم مناقشة السعادة بالاقتران مع الأخلاق.

أما الأديب الألماني العالمي يوهان غوتة، فيختصر الوصول إلى السعادة بجملة واحدة، وهي أن "وضوح الغاية عند الإنسان يسبب له الاطمئنان ويؤدي إلى السعادة"، ورأى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن جعل السعادة هدفاً نهائياً من الوجود "يجعل المرء محتقراً". كان نيتشه يريدنا أن نفكر في قيمة ما هو صعب، وما لا يمكن كسبه إلا من خلال النضال والصعوبة والألم، وبالتالي الوصول إلى رؤية القيمة الإيجابية للمعاناة والتعاسة.

ويشير الفيلسوف الفرنسي ألان باديو إلى أن السعادة قائمة في جوهرها على عدم الرضا وعدم القناعة بنظام العالم كما هو. واعتراض باديو أساساً هو على التصور الليبيرالي للسعادة الذي هو إشباع الرغبات المادية. فالسعادة عند باديو كونية، في حين أن الإشباع فردي وأناني، لأنه لا يلبي إلا حاجات فردية ضيقة تحول الإنسان إلى وسيلة في آلة الاستهلاك الكبرى للعالم الرأسمالي المتوحش، برأيه.

السعادة كما رأتها الأديان

السعادة موضوع مركزي في التعاليم البوذية من أجل التحرر المطلق من المعاناة للوصول إلى حالة "نيرفانا"، وهي حالة سلام دائم. ولا تتحقق السعادة المطلقة إلا من خلال التغلب على الرغبات المادية، والتعامل باللطف والمحبة والرحمة، والرغبة في إسعاد جميع الكائنات.

في الهندوسية الهدف النهائي للحياة هو السعادة، حين يدرك المرء نفسه على أنه الذات في الكل، وفي الكونفوشيوسية، يلعب العقل دوراً وسيطاً بين "الذات الأدنى" (الذات الفيزيولوجية) و"الذات الأكبر" (الذات الأخلاقية)، وأن تحديد الأولويات بشكل صحيح بين هاتين الذاتين من شأنه أن يؤدي إلى الحكمة.

الأديان الإبراهيمية

السعادة في اليهودية تكمن في خدمة الله كما جاء في المزمور "عبادة الرب بفرح، تعال أمامه بترانيم مبهجة" (مزمور 100: 2). فعندما يكون الإنسان سعيداً يكون أكثر قدرة على خدمة الله وممارسة أنشطته اليومية، أكثر مما يكون عند الاكتئاب أو الانزعاج.

وفي الكاثوليكية، تتمثل القيمة النهائية للوجود البشري في السعادة، التي وصفها الفيلسوف اللاهوتي توماس الأكويني في القرن الثالث عشر بأنها رؤية تطويبة لجوهر الله في الحياة الآخرة. ويتفق القديسان أوغسطين وتوما الأكويني، على أن النهاية الأخيرة للإنسان هي السعادة. ويتفق الأخير مع أرسطو على أنه لا يمكن الوصول إلى السعادة إلا بالسعي وراء الأسباب الجيدة للأفعال مثل ممارسة العادات التي تحقق الفضيلة.

 أما في المجتمعات الأوروبية التقليدية الموروثة من ثقافة الإغريق والمسيحية، فرُبطت السعادة بأداء نوع معين من الأدوار في الحياة الاجتماعية. ومع ذلك، مع صعود النزعة الفردية التي ولدت مع ظهور البروتستانتية والرأسمالية، انقطعت الروابط بين الواجب في المجتمع والسعادة تدريجياً. وكانت النتيجة إعادة تعريف المصطلحات الأخلاقية.

في الإسلام عادة ما يتم الرجوع إلى ما كتب الغزالي (1058-1111)، المفكر الصوفي الذي يقول "إن اللذة والسعادة عند بني آدم هي معرفة الله، عز وجل". "ولذة القلب خاصة بمعرفة الله. لأن القلب مخلوق لها". أما الفارابي فوجد أن "السعادة هي أعظم الخيرات"، وذلك ضمن تصور للمدينة الفاضلة التي "تحتاج إلى الفضائل النظرية والأخلاقية".

هرمون السعادة

تناولنا السعادة كحالة معنوية غير محسوسة من كل جهاتها الفلسفية والنفسية الدينية، ولكن هناك فريقاً يرى أن الأمر برمته لا يعدو كونه مجموعة من الهرمونات التي تفرزها الغدد الدماغية، فإذا نقصت هذه الهرمونات اكتأب الشخص، ولطالما تجد فقيراً سعيداً وغنياً حزيناً، فليس الأمر بالثروة ولا بالماديات ولا بالتعريفات الفلسفية، بل بقليل من دواء يحتوي على الهرمون الناقص، وينتهي الأمر. البعض يقول إنه هرمون السيروتونين، والبعض الآخر يراه في الإندروفين. لكن في الواقع هناك مجموعة من الهرمونات والنواقل العصبية الكيماوية المسؤولة عن شعورنا بالسعادة، أهمها، السيروتونين، والإندروفين، والدوبامين، والأوكسيتوسين.