Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شاكر عبد الحميد المفكر الموسوعي المولع بتجاور الفنون

رحل عن 69 عاما وكتبه عن علم النفس والجماليات عرفت رواجا عربيا

الباحث المصري شاكر عبد الحميد (صفحة الباحث على فيسبوك)

ودّعت الأوساط الثقافية في مصر أمس الخميس وزير الثقافة السابق الدكتور شاكر عبد الحميد الذي غيبه الموت في أحد المستفشيات أثر إصابته بوباء كورونا. والراحل أحد أبرز المثقفين المعاصرين الذين اتسم إنتاجهم العلمي بالموسوعية والتنوع في دراسات علم نفس الإبداع ويليق وصفه بلقب "المثقف العلامة"، كما كتب مشيعوه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث سادت حالة من الحزن العام وتواترت عبارات التقدير والأسى من المفارقة التي جعلت أول مفكر عربي يهتم بالتأصيل لما سمّاه "ما بعد الكورونيالية" يفقد حياته بسبب هذا الوباء.

شاكر عبد الحميد من مواليد 20 يونيو (حزيران) 1952 في أسيوط - صعيد مصر، عمل أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، ثم تولى منصب وزير الثقافة في ديسمبر (كانون الأول) 2011، واستمر في المنصب شهوراً قبل أن يستأنف عمله أستاذاً لعلم نفس الإبداع في أكاديمية الفنون المصرية.

وخلال مسيرته حاز جوائز عديدة أبرزها جائزة الدولة التقديرية في مصر وجائزة الشيخ زايد للكتاب دورة 2012، وجائزة شومان للعلماء العرب الشبان في "العلوم الإنسانية" التي تقدمها مؤسسة عبد الحميد شومان في الأردن عام 1990. وعلى الرغم من المناصب الرسمية التي تولاها وانخراطه في العمل الأكاديمي داخل مصر وخارجها، إلا أنه كان منتمياً إلى الهامش الثقافي، واتسم سلوكه الاجتماعي بالبساطة والتواضع فضلاً عن الحرص المتواصل على متابعة الإنتاج الإبداعي للكتاب والفنانين الشباب، سواء في الكتابة النقدية أو عبر المشاركة في نقاشات مفتوحة حولها. وحظي الراحل بفرص للتواصل والحوار بين مختلف أجيال الأبداع العربي وأعطى بإنتاجه الغزير تجربة عملية في تحقيق التجاور بين مختلف الفنون والآداب.

إرث مصطفى سويف

 ومنذ أن جاء إلى القاهرة أوائل سبعينيات القرن الماضي للدراسة الجامعية في كلية الآداب جامعة القاهرة، نظر إلى نفسه كأحد أفراد ظاهرة جيل السبعينيات الإبداعي، وظهرت مقالاته الأولى في مطبوعات "الماستر" التي كانت الملمح الأهم في الثقافة المصرية خلال تلك الفترة. وكانت نقطة التحول في حياة الفقيد عندما دعاه أستاذه الراحل الدكتور مصطفى سويف ليدرس معه الإبداع الأدبي من جهة علم النفس خلال مرحلتَي الماجستير والدكتوراة.

وبدأ سويف هذا الاتجاه في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي ونشر دراسته الشهيرة "الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر". واستكمل تلميذه مصري حنورة العمل في دراسات مماثلة في الرواية والمسرحية، في حين فضّل شاكر عبد الحميد العمل على نماذج من القصة المصرية.

وظهرت نتائج دراسته في كتاب بعنوان "الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة"، وأجرى فيه مقابلات مع أكثر من 20 كاتباً من أعلام القصة القصيرة، واعتمد على عيّنة من القصص واستبيانات إحصائية دقيقة. ولم يكن هذا المنهج شائعاً حين اعتمده عبد الحميد الذي تم اختياره من ثم للعمل في أكاديمية الفنون مدرّساً لعلم نفس الإبداع.

وانتظم إنتاجه العلمي لتأكيد أهمية الدراسة الموضوعية للأدب والأديب، في إطار تكاملي أكثر شمولاً يضع في اعتباره الأبعاد المختلفة المتفاعلة مع ظاهرة الإبداع الفني وهي أشد ظواهر السلوك الإنساني تعقيداً.

وحرص عبد الحميد على أن يكون إنتاجه جزءاً من الحياة الثقافية داخل الجامعة وخارجها، فكتب العديد من المقالات في مختلف المجلات العربية العامة والمتخصّصة. ولقيت مؤلفاته انتشاراً واسعاً على صعيد العالم العربي، لأن معظمها نشر في سلسلة "عالم المعرفة" التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت، وباشر فيها نشر كتابه الأول "العملية الإبداعية في فنّ التصوير" منتصف الثمانينيات.

وظل يتعاون مع السلسلة ذات الشريحة الكبيرة من القراء عربياً، لنشر مؤلفات وترجمات حظيت باهتمام القراء ومنها: "التفضيل الجمالي – دراسة في سيكولوجية التذوق الفني"، "الفكاهة والضحك"، "عصر الصورة -الإيجابيات والسلبيات"، "الخيال من الكهف إلى الواقع الإفتراضي"، "الغرابة: المفهوم وتجلياته في الأدب". ونشر في السلسلة ترجمات عديدة منها "العبقرية والإبداع والقيادة"، "سيكولوجية فنون الأداء".

باحث ومترجم

درّس عبد الحميد في جامعات خليجية في سلطنة عمان والإمارات والبحرين، وأتيحت  له فرصة بناء صداقات ومتابعة الإنتاج الإبداعي في تلك البلدان. وخلال معظم السنوات التي عاشها خارج مصر تركز إنتاجه على مجال الترجمة فترجم أكثر من 15 كتاباً أهمها "بدايات علم النفس الحديث"، "الأسطورة والمعنى" لليفي ستروس، "معجم المصطلحات الأساسية في علم العلامات" ،"الدراسة النفسية للأدب" لمارتن لنداور، "ثلاث أفكار مغرية" لجيروم كاجان وكتاب "قبعة فيرمير: عن القرن السابع عشر وفجر العولمة" وصدر عن مشروع  كلمة في أبوظبي.

وكان كتابه "الدخان واللهب: عن الإبداع والاضطراب النفسي" (دار العين2020 ) أخر مؤلفاته المنشورة، وهو محاولة لفهم العوامل التي تدفع بعض المبدعين إلى الوقوع أسرى الاضطراب العقلي، وفيه يتناول كتب عدد من المبدعين الذين عانوا من أمراض نفسية، أبرزها الاكتئاب والهوس العقلي والخوف من الموت، وتناول فيه إصابة تشايكوفسكي (1840-1893) بالهوس، ومعاناة شوبان (1810-1849) من الاكتئاب طوال حياته.

واعتبر الباحث أن هناك ثمناً للعبقرية يدفعه المبدع، لافتاً إلى أن الشعراء هم الأكثر قابلية للانتحار مقارنة بغيرهم من المبدعين بنسبة 26 في المئة، ويأتي الممثلون في المرتبة الثانية بنسبة 23 في المئة، والموسيقيون في المرتبة الثالثة، أما مبدعو الفنون التشكيلية فهم الأقل عرضة للانتحار. وأقرّ الكتاب باستحالة إيجاد علاقة واضحة بين المرض النفسي والإبداع، ونفى العلاقة المزعومة عن ارتباط الإبداع بتعاطي المخدرات، مؤكداً أنّ الإبداع يحتاج إلى قدر من المرونة العقلية والمثابرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ودرس الراحل حالات انتحار قامات فنية وفكرية بارزة مثل بيتهوفن والفرنسي جيل دلوز والألماني فالتر بينيامين، والفيلسوفة الفرنسية سارة هوفمان الرائدة في كتابات الحركة النسوية، وأهم ما لاحظه أن الفلاسفة يقبلون على الانتحار في سن متأخرة، على عكس الشعراء الذين ينتحرون مبكراً.

ورجّح الكاتب أن يكون الإقدام على الانتحار نتيجة نقص هرمون الدوبامين المسبب للبهجة والسعادة، وإجمالاً لا توجد أي علاقة بين الإبداع أو الانتحار.

وتوقف عبد الحميد مطولاً أمام حالة انتحار الرسام الشهير فان غوخ في فصل بعنوان "الجنون المقدس"، واستكمل في هذا الكتاب ما عالجه في كتاباته حول مفهوم الغرابة، بالتركيز على دراسة العلاقات الموجودة بين إحساسات الخوف والفزع والرعب وبين الإحساس بالغرابة. فضلاً عن اشتغاله على مفهوم الذات وتطورها نحو السواء أو التفكّك والاختلال والمرض، وأيضاً الجذور الفلسفية والسيكولوجية والأدبية لفكرة الازدواج.

وفي مسار مواز اهتم الراحل بمسائل التفضيل الجمالي، وطالب في كتاباته بالاهتمام بالتربية الثقافية، وتنمية مهارات الإدراك الفني، من خلال نشر الثقافة البصرية. وكان له اهتمام بتبسيط قواعد التذوّق الفني وشرح مسار الفن وتطوّره في الثقافة الإنسانية.

لا يعرف قراء المفكر الراحل، أنه كان بدأ كتابة رواية مستلهمة من سيرة الرسام السوريالي المصري الراحل عبدالهادي الجزار منطلقاً من لوحته الشهيرة "المجنون الأخضر" وكانت دراسته عنها آخر ما نشر له.

المزيد من ثقافة