Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هنري باربوس الذي نقلته جراحه من "النار" إلى "الجحيم" مرة واحدة

بين الحماسة للحرب ومعاداتها معارك وخيبات واكتشاف صاخب للمجتمع

من تشييع هنري باربوس في باريس عام 1935 (غيتي)

خلال السنوات الأولى من القرن العشرين كانت فرنسا أكثر من أي بلد آخر في أوروبا، تمور بالسجالات الصاخبة حول قضية أساسية هي الحرب. ففي وقت راحت إشارات الحروب العالمية التي ستكون بعد حين جديد القرن العشرين، تطل برأسها، غدا هذا الموضوع، موضوع الساعة وانقسمت المجتمعات بين متحمسين لخوض الحروب ومعارضين لها. وكان من بين الكتاب الفرنسيين الذين تشددوا في خوض تلك السجالات والتأثر بتلك الانقسامات، كاتب أربعيني عُرف قبل ذلك بانتمائه إلى الرمزيين الذي اشتهر عنهم أنهم لا يأبهون بمثل تلك الأمور. بل ينظرون إلى الإبداع بوصفه قضية خاصة "منزهة" عن مثل تلك الصغائر. ولكن هنري باربوس، وهو اسمه، ما إن مضت سنوات أولى من القرن الجديد حتى وجد نفسه يندفع مبتعداً عن الرمزيين وعن شعار "الفن للفن" ليتحول كاتباً يدعو إلى الصراعات العسكرية كوسيلة لحل الصراعات الاجتماعية التي كان قد اكتشفها لتوه وباتت هي هدفه الأساس.

تقلبات في حياة كاتب

إذاً عند بدايات حياته الأدبية حين كان باربوس ميالاً إلى النزعة الرمزية، حيّاه مالارميه وجماعة "البارناس" لكنه سرعان ما انفصل عنهم ليضحي واقعياً اشتراكياً لا يشق له غبار. وهذا النوع من الانقلابات الجذرية سوف يواكب ما تبقى من سنوات هنري باربوس، فنراه بعد ما أصدر كتباً عدة تعبّر عن حماسته لقضايا المجتمع، يخوض الحرب العالمية الأولى متطوعاً وهو في الأربعين من عمره، وقد استبدت به حميّته للقتال. غير أنه أنهاها مناصراً للسلم يكره الحروب ويبحث عن "الأخوّة بين البشر". بعد ذلك حين خاض معمعان السياسة، بسبب إعجابه بشخصية لينين، الذي قاده ليس فحسب للانضمام إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، بل إلى تمضية جل وقعته في رحلات كان يقوم بها إلى موسكو ويمتد بعضها سنوات، لكنه حين كتب سيرة لزعيم سوفياتي كانت من نصيب ستالين. وهكذا إذاً كان وبقي طوال حياته هنري باربوس، الكاتب الفرنسي الذي لولا شهرة كتابيه "الجحيم" (1908) و"النار" (1961) لكان نسياً منسياً في أيامنا هذه.

أكثر جموداً من موسكو

إذا كانت رواية باربوس الكبيرة الأولى "الجحيم" التي سبقت "النار" بثماني سنوات ومهدت لها علماً أن كثراً يخلطون بين الروايتين لتقارب عنوانيهما. ولا بد من الإشارة إلى أن "الجحيم" تتميز عما كان سبق لباربوس أن أنتجه خلال المرحلة السابقة من مساره الأدبي بنوع من واقعية طبيعية تقربها كثيراً من عوالم إميل زولا. وكانت هي التي سجلت، على أية حال، بداية انغماس الكاتب في لون اجتماعي للأدب حقق الانفصال النهائي بينه وبين الرمزيين ومهد لانخراطه الحماسي والنهائي في أدب يساري يكاد يكون مؤسساً لنوع صارخ من "واقعية اشتراكية" ستلازمه مدى حياته وتخلق لديه جمودية كانت تُنتقد أحياناً حتى من أعتى الجموديين في موسكو!.

في "الجحيم" رسم باربوس لوحة شاملة للمجتمع كشفت عن نوع من الالتزام الغامض لديه عند تلك البدايات على أية حال، بقضايا ذلك المجتمع، وكان ذلك الالتزام نفسه هو الذي قاده للتطوع حين اندلعت الحرب العالمية الأولى باعتبار أنها حرب ضد الرأسمال العالمي. غير أنه سرعان ما اكتشف وهمه وحين عاصر أهوالها، بدأت تفقد بالنسبة إليه بريقها. ومن هنا، ما إن جرح واستراح قليلاً من عناء القتال، حتى انصرف إلى كتابة روايته التالية "النار" التي سجلت قطيعته النهائية مع غموض التزاماته الاجتماعية.

"لعن الله الحرب"!

تعتبر "النار" واحدة من أشهر الروايات التي كتبت عن حرب وربما أشهرها عن الحرب العالمية الأولى. وهي التي سوف تعتبر في نهاية الأمر صرخة ضدها، كتبها باربوس حين كان طريح الفراش جريحاً خلالها، ولقد سبب له الجرح يومها خيبة أمل كانت من الضخامة بحيث أن كتابه ذاك كان كله عن الحرب وضدها: كتاباً يصف الخنادق المليئة بالجنود الخائفين اليائسين، ساحات القتال الغارقة بالمطر والوحول، بالجوع، بمشاهد الحياة اليومية على جبهات القتال، ويتوقف طويلاً عند عبثية المعارك وسقوط القتلى. كل هذا بواقعية هزّت الناس جميعاً، وجعلتها تُقرأ على نطاق واسع. وكانت على أي حال أول رواية عن الحرب تهتم أساساً وفحسب بالمقاتلين البسطاء، بتلك الجمهرة من الجنود "الذين يتجاهلهم قادتهم ويحتقرونهم". في كتاب باربوس هذا، يطالعنا جنود لا يتوقعون شيئاً ولا يعرفون لماذا يحاربون وما الذي يدافعون عنه حقاً.

كلهم هاجموها و"الغونكور" تلقفتها

هذا الموقف الذي عبر عنه باربوس، كان موقف الجنود الذين رآهم من حوله، وهو الموقف الذي هزه هزّاً، وجعله يختار سلوك نزعة إنسانية سلمية بدلاً من السابقة التي كانت ترى في الحرب شاعرية ما. ولقد حققت الرواية نجاحاً هائلاً منذ خروجها من المطابع فهوجمت من قبل اليمينيين، "الحربجيين" عادة، لكنها هوجمت أكثر من قبل رفاق باربوس اليساريين الذي سيزيد من غيظهم حينها فوز الرواية بجائزة "الغونكور" التي كانوا ينظرون إليها على أساس أنها جائزة "تدجين رأسمالية بورجوازية" وبالتالي في نظرهم تتوّج "تحوّل" كاتبهم المفضل إلى اليمين. غير أن هؤلاء سرعان ما تراجعوا عن مواقفهم هذه ما إن خرج الروس من الحرب وانتصرت ثورتهم البولشفية وراحت تنادي بالسلم بين الشعوب. فأصبح هنري باربوس، من جديد، بطلهم الأكبر وراحوا يمجدون رواية "النار" ناسين كل ما كانوا قد قالوه عنها قبل ذلك! ولا شك في أن باربوس قد رد على "التحية" بمثلها ليمعن منذ ذلك الحين وحتى وفاته عام 1935، في كتابة روايات تدافع عن المواقف الشيوعية بما في ذلك عن بدايات القمع الستاليني في موسكو!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سيرة حياة "مستقيمة"

ولد هنري باربوس العام 1873 في ضاحية آنيار بالقرب من باريس وبدأ خوض الحياة العملية كصحافي حال تخرجه من المدرسة الثانوية وكان في السادسة عشرة من عمره. في البداية، وإلى جانب عمله الصحافي، خيل إليه أنه يمتلك موهبة شعرية حقيقية، فراح يكتب شعراً على الطراز الرمزي، وأصدر بالفعل وهو في الحادية والعشرين من عمره مجموعة بعنوان "سر آدم" التي لفتت إليه أنظار ستيفان مالارميه وموريس باريس. غير أن إقامته في ملكوت الشعر لم تدم، وانتماءه إلى الرمزية لم يرض طموحاته، وهكذا نجده في 1908 يصدر روايته الكبيرة الأولى "الجحيم" كما أشرنا. بعد تلك الرواية لم يعد هنري باربوس كما كان في السابق. صار، أولاً، كاتباً بالغ الشهرة، وثانياً، ملتزماً بقضايا السلم، وبدأت تتضح لديه أبعاد القضية الاجتماعية، فكان انتصار لينين وثورته البولشفية بالنسبة إليه الرد الحاسم على عبثية الحرب. وهكذا خرج من "مأزق الحرب" على حد تعبيره، ملتزماً سياسياً - وليس فحسب اجتماعياً -، وصار عضواً في الحزب الشيوعي الفرنسي، يؤثر أن يمضي جل وقته في "بلاد الثورة الاشتراكية" ولقد وصل التزامه بذلك إلى أن رحل عن عالمنا في أغسطس (آب) 1935، خلال زيارة طويلة كان يقوم بها إلى موسكو.

في السنوات الأخيرة من حياته، وضع باربوس العديد من الكتب، إلى جانب سيرة ستالين، وأبرزها روايتان هما "ضروب وضوح" (1919) و"بريق الفجر" (1921) عبّر فيهما عن صدق شعوره الثوري، كما أصدر مجموعات من القصص القصيرة أبرزها "بعض زوايا الفؤاد" (1922) و"يهوذا المسيح" (1927)، وكتب دراسات متنوعة مثل "السكين بين الأسنان" و"هاكم ما فعلوه بجورجيا".

المزيد من ثقافة