Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حقيبة البابا السوداء... هل تحمل شفرة الفاتيكان النووية؟

كم فرقة عسكرية تمتلك حاضرة روما الروحية ومن يقود دولة الكنيسة الكاثوليكية؟

البابا فرنسيس حاملا حقيبته السوداء على سلم الطائرة (أ.ف.ب)

يمكن القطع بأن زيارة البابا فرنسيس إلى العراق أثارت كثيراً من الأسئلة حول كيان الفاتيكان، وهي أسئلة لم تنقطع في واقع الحال طوال القرون السابقة، لا سيما وأن البعض ينظر إلى المؤسسة الرومانية الكاثوليكية بوصفها أهم مؤسسة بشرية عرفها التاريخ، بحسب تعبير المؤرخ الأميركي الشهير وول ديورانت، في حين يميل البعض الآخر إلى اعتبارها مؤسسة يغلب عليها طابع السرية والعمل في الخفاء، وما بين فكرة دولة قديسين، وكيان للشياطين، تغيب كثير من الحقائق.

أشعل الحديث عن الفاتيكان والبابا، مرة أخرى خلال الأيام الأخيرة، مشهد البابا فرنسيس، والذي اعتاد أن يحمل حقيبة سوداء في يده،  خلال زياراته لمختلف دول العالم، وقد شاهدها الشرق أوسطيون أكثر من مرة، عبر رحلاته للأردن ومصر والإمارات والمغرب، وأخيراً العراق، وبات التساؤل، هل هذه هي الحقيبة النووية للحاضرة الفاتيكانية؟ وقد طُرح التساؤل بشكل جدي مغلفاً بالمزح أو التندر، وربما أزكى التساؤل مشهد الحقيبة النووية للرئيس الأميركي، التي يحملها دوماً معه في رحلاته الخارجية أحد ضباط الاتصال، وتكون مهمته متابعة الشيفرات النووية حال حدوث هجوم نووي على البلاد في أي زمان أو مكان.

في هذه القراءة نحاول أن نقدم من دون تطويل ممل أو اختصار مخل، فكرة عن أصغر دولة في العالم، وعما يدور وراء جدرانها العالية وتراتبيتها ونفوذها العالمي، وهل تعتمد على قوات مسلحة أم قوى أخرى غير واضحة في عيون العوام حتى الساعة.

الفاتيكان أصغر دولة في العالم

تعتبر حاضرة الفاتيكان أصغر دولة مستقلة حول العالم، إذ لا تزيد مساحتها على 110 أفدنة، ونشأت في 7 يونيو (حزيران) 1929 حين تمّ توقيع ثلاث معاهدات في قصر لاتران بين الحكومة الإيطالية التي كانت آنذاك فاشية بقيادة بينيتو موسوليني، وممثل البابا بيوس الـ 11 الكاردينال بيترو كاسباري، وعرفت هذه الاتفاقات باسم "اتفاق لاتران"، وقد نظمت الاتفاقات الثلاث العلاقة بين الفاتيكان والدولة الإيطالية، ونصت على أن يكون الفاتيكان بحدوده الحالية جزءاً مستقلاً عن الدولة الإيطالية ويُدار من قبل البابا.

الفاتيكان دولة محايدة لم تشارك في أي حروب منذ ولادتها، ومع ذلك لم توفرها القوات النازية من القصف خلال الحرب العالمية الثانية، على الرغم من الاتهامات الكيدية التي لا تزال توجه للبابوية في ذلك الوقت، وتبقى مسؤولية الدفاع عنها في حال الحرب على عاتق الدولة الإيطالية.

لا تأخذ "الفاتيكان" بأية لغة على أنها لغتها الرسمية، لكن لغة الكرسي الرسولي الرسمية هي اللاتينية، وتستعمل الإيطالية في الفاتيكان بشكل واسع بحكم الأمر الواقع، كذلك حال اللغة الألمانية، وإلى جانب هذه اللغات يعترف الكرسي الرسولي بـ 38 لغة أبرزها، الإسبانية والفرنسية والبولندية والبرتغالية والإنجليزية والعربية، وتغطي هذه اللغات نسبة كبيرة من اللغات المنتشرة بين كاثوليك العالم.

الكوريا الرومانية... حكومة البابا

كيف تسير الأمور في داخل حاضرة الفاتيكان، ومن يساعد البابا الذي يؤدي مهمتين كبيرتين، واحدة روحية يبسط من خلالها سلطانه الأبوي الإيماني والوجداني على 1.3 مليار كاثوليكي، منتشرين في قارات الأرض الست، وأخرى مدنيّة بوصفه رئيس دولة لها تمثيل دبلوماسي مع معظم دول العالم؟

الجواب يتمحور حول "الكوريا الرومانية"، وهي الجهاز الإداري الذي يساعد البابا في الفاتيكان على إدارة مهماته المختلفة، ويعتبر البابا الرئيس الفعلي لتلك الكوريا، أي الحكومة، وهو من يعيّن أعضاءها   ويعفيهم بحسب ما تقتضيه المصلحة العليا للكنيسة وخيرها العام.

عادة كان جوهر تلك الكوريا، الكرادلة، الذين يعرفون بأنهم أمراء الكنيسة بالمعنى الروحي، وليس المادي المجرد، ومنهم يتم اختيار الباباوات عادة.

يأتي بعد البابا في الكوريا رئيس وزراء الفاتيكان، أو سكرتير الدولة كما يسمى، ويشغل منصبه منذ العام 2011 الكاردينال بيتر بارولين، وهو من يشرف على أقسام الكوريا الرومانية، ومنذ نشوؤها في القرن الـ 16 وهي تشمل المجامع والمجالس البابوية واللجان الحبرية والمكاتب.

ومع مجيء البابا فرنسيس عام 2013، تم إعادة تنظيم شؤون تلك الكوريا، واستحداث مكاتب وتخصصات جديدة تواكب التطورات الآنية العالمية على الصعد كافة.

جيش البابا بين الماضي والحاضر

يلفت الانتباه ونحن نتحدث عن الكوريا الرومانية، أننا لم نر أو نسمع عن وزير دفاع للحبر الأعظم، ولم تحفظ لنا شاشات التلفزة صوراً لاجتماعات هيئة أركان القوات المسلحة للفاتيكان، ولا نعرف أين توجد القواعد الصاروخية النووية لخليفة بطرس كبير الحواريين.

أما السبب، فلأن كل ما تقدم ليس إلا ضرباً من الخيال الذي ربما أزكته بعض الروايات والقصص التي نشرتها وروجتها جماعات تحمل عداء تاريخياً للبابوية، وهي جماعات سرية لا تغيب عن عين القارئ المحقق والمدقق.

ولعله يتوجب علينا إيضاح المشهد، ذلك أنه مع العام 1870 حين انفك عقد الولايات البابوية، تلك التي كان يدافع عنها جيش بابلي كبير نسبياً، بما في ذلك الحرس الكورسيكي الذي نشط من 1603 إلى 1662، تم حل معظم هذه القوات.

لاحقاً وبعد إلغاء الولايات البابوية من قبل مملكة إيطاليا، تم الإبقاء على أربع وحدات بابوية صغيرة، وهي الحرس البابوي السويسري والحرس النبيل وحرس البلاط وفيلق الدرك البابوي، وتم حصر نشاطها في حاضرة الفاتيكان.

لاحقاً وفي عهد البابا بولس السادس، وبالتحديد عام 1970، تم حل وحدتين والإبقاء على وحدة واحدة، وتمت إعادة هيكلة واحدة إلى خدمة شرطة مدنية.

كم فرقة عسكرية يمتلك البابا؟

ستظل علامة الاستفهام المتقدمة حاضرة دوماً، وبخاصة كلما جاءت   سيرة ومسيرة البابوية، وحاضرة الفاتيكان بنوع خاص، وهي لصيقة الصلة بتساؤلنا، محور هذه القراءة، عن حقيبة البابا النووية.

أصل التساؤل يعود إلى الزعيم السوفياتي العتيد جوزيف ستالين، وقد ورد على هامش مؤتمر يالطا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ذلك اللقاء الذي تم فيه تقسيم مغانم الحرب الكونية بين الروس والإنجليز والأميركان.

حين أخبر ستالين رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل، بأن بابا روما بيوس الـ 12 يود أن يشارك أعمال هذه القمة، والتي جرت بها المقادير في فبراير (شباط) 1945، جاء رد الشيوعي الأكبر بالتندر على الرجل ذي الثوب الابيض بالقول، "كم فرقة عسكرية يمتلك البابا؟"، وهو رد يتسق ورؤية من يؤمن بالفكر الماركسي الذي يرى أن السياسة لا تقاس إلا من منظور القوة المادية المدججة بالسلاح، ولا يقيم وزناً للقوى المعنوية والروحية بالمرة.

حين بلغت الإجابة مسامع البابا أجاب في هدوء كبير، "قولوا لابننا جوزيف إنه سيلاقي كتائبنا في السماء".

ولعل التاريخ سخر من إمبراطورية ستالين على الأرض من خلال قوة الإقناع المعنوية للبابا والبابوية، على حد تعبير المفكر الكاثوليكي الأميركي الشهير، جورج ويجل، فقد دق المسمار الأول في نعش الشيوعية من خلال البابا البولندي الأصل، يوحنا بولس الثاني، أو كارول فوتيلا، الذي رعى حركة تضامن العمال في بولندا، تلك التي أطلقت الرصاصة الأولى على العملاق السوفياتي الذي كانت قدماه من فخار، ليسقط صريعاً خلال عقد واحد من الزمان، ولتستمر البابوية في دورها الأخلاقي في خدمة الإنسانية، بعد أن توارت الشيوعية وراء أفق التاريخ، وقد فات ستالين أنه لم يستوف حتى الرأي الماركسي المكمل، وهو أن الأفكار "تتحول إلى قوة مادية" عبر قوة حامليها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في حقيبة فرنسيس السوداء

لم تكن زيارة فرنسيس إلى العراق، كما أسلفنا، هي الأولى التي يحمل فيها حقيبته السوداء بيده، ومن غير أن يحملها لها أحد، ففي يوليو (تموز) عام 2013، وبينما كان في طريقه إلى الفيليبين، وفي زيارته الأولى بعد توليه البابوية، أشار إلى سر الحقيبة السوداء التي يحملها بالقول، "ليس فيها مفاتيح القنبلة الذرية". وأضاف، "حسناً كنت أحملها لأن هذا ما كنت أفعله دائماً، فعندما أسافر ترافقني، أما ماذا في داخلها، فليس أكثر من شيفرة حلاقة وكتاب قصائد ودفتر مواعيد وكتاب للقراءة، كما أحضرت كتاباً عن القديسة تريزا (متصوفة كاثوليكية شهيرة 1873-1897) التي أنا مخلص لها".

على متن الطائرة عينها تعجب فرنسيس، الفقير وراء جدران الفاتيكان، من المتسائلين كيف وأنه البابا يحمل حقيبته بنفسه، ولا يحملها عنه أحد من مساعديه.

كان رد البابا، "لطالما أخذت حقيبتي معي عند السفر، وهو أمر طبيعي يوجب أن نكون طبيعيين".

هل يمكن أن نفهم سر حمل فرنسيس لحقيبته، بعيداً من السياق العام الذي طبع حبريته منذ اللحظات الأولى لانتخابه بابا وحتى الساعة؟

فرنسيس فقير وراء جدران الفاتيكان

في يناير 2014، حين لم يمض نحو عام على انتخاب الكاردينال الأرجنتيني الفقير، خورخي بيرغوليو كبابا للسدة البطرسية، حين قام أحد فناني إيطاليا الكاريكاتوريين، ويدعى "موبال"، برسم لوحة على جدار مبنى قريب من الفاتيكان، يصور فرنسيس، بوصف "سوبر بابا"، على وزن "سوبر مان".

 في الرسم ظهر البابا بملابسه البيضاء وصليبه وقد حركهما الهواء أثناء التحليق، ويمسك بيده اليسرى حقيبة كتب عليها كلمة "القيم"، باللغة الإسبانية.

دلالات الرسم تبين لنا أن حقيبة فرنسيس رمزية، بفكرة سوبرمان نفسها الذي درج على أن يخوض "معركة أبدية" من أجل الحق والعدل، وها هو فرنسيس يجوب العالم مطالباً بالقضاء على الحروب والفساد، ومنادياً بالعدالة الاجتماعية، وجعل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية كنيسة للفقراء.

منذ لحظات بابويته الأولى تخلى فرنسيس عن مظاهر العظمة، ولعل العارفين بتاريخ البابوية يدركون أن البابا لم تكن قدماه تطأ الأرض في المناسبات والاحتفالات الكبرى، أما الآن فلدينا بابا لا يستنكف أن يحمل حقيبته بيده وينادي على الدوام، "شعبي فقير وأنا واحد منهم".

لا مجال لحقائب نووية لدى بابا اختار الغنى الروحي، صليبه الفضي منذ زمن أسقفيته لم يغيره بآخر ذهبي بعد بابويته، ورداؤه يبدو منسول الخيوط، ولا نخجل من أن يشير البعض إلى كعب حذائه المهترئ أو نظارته التي لا يبدل إطارها، ويكتفي بتبديل العدسات.

قوة فرنسيس النووية الحقيقية في حقيبته، مجموعة من القيم التي تصلح لكل البشر من غير تمايز أو محاصصة طائفية، قيم عبّر عنها ذات مرة في حديثه إلى الكهنة والرهبان والأساقفة في 7 يوليو 2013، ولم يكن قد مضى على بابويته سوى أربعة أشهر تقريباً، حين قال، "إن امتلاك أحدث الهواتف الذكية أو الكماليات الفاخرة ليس طريقاً إلى السعادة".

تمتلئ حقيبة فرنسيس بأزرار ثقافة الحب والكرم ضد الأنانية والفردية، ويرى أن قوة كنيسته الحقيقية لا تمثلها فرق عسكرية، بل الأصوات المدافعة عن العدالة والفقراء، والمحفزة على السير في طريق الأخوة الإنسانية، ودعوة الشباب لبناء عالم جديد، واقتلاع الشر والعنف، ناهيك عن تدمير حواجز الأنانية والتعصب والكراهية، وتلك هي ترسانة فرنسيس والبابوية في الحال والاستقبال.