Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب في سوريا... من هتاف أطفال درعا إلى ثورة زعزعت النظام

خسرت دمشق مكانتها الإقليمية بسبب القمع وتمسك الأسد بكرسي الرئاسة

أطلال مبنى تحمل صورة لبشار الأسد  (غيتي)

انطلقت الثورة السورية يوم 15 مارس (آذار) 2011، متأخرة قليلاً عن ثورات الربيع العربي، لتعد في ما بعد من أهم الثورات في التاريخ الحديث. الدمشقيون الذين قاموا بالاعتصام أمام السفارة الليبية يوم 22 فبراير (شباط) 2011، للتضامن مع الشعب الليبي، هتفوا للمرة الأولى في تاريخهم بشعار لا يمت لحزب البعث بصلة. لعقود من الزمن تمحورت هتافات المواطن السوري حول حافظ الأسد وما لبث أن ورث الابن (بشار) تلك الهتافات، هذه المرة صدحت حناجرهم بشعار "خاين يلي بيقتل شعبو"، وحملوا شموعاً ولافتات تندد بالرئيس الليبي السابق معمر القذافي، واعتقل يومها نحو 12 شخصاً.

قبل ذلك بأيام أهان شرطي مرور مواطناً سورياً، وكانت هذه الواقعة لتمر بشكل عادي لكن ليس في 17 فبراير 2011، بعد أن كانت نسائم الثورات وصلت إلى البلاد، فقام مئات من السوريين بالتجمع بطريقة عفوية للتعبير عن غضبهم بمنطقة الحريقة بقلب دمشق، وانطلق هتاف "الشعب السوري ما بينذل" الذي أصبح في ما بعد من أبرز شعارات الثورة.

في تلك الأثناء لم يخطر ببال أطفال درعا الخمسة عشر، أن شعاراتهم التي خطوها على حيطان مدرستهم هو ارتداد لما يقع في العاصمة دمشق، شعارات الأطفال نادت بالحرية وطالبت بإسقاط النظام، اعتقلوهم وعذبوهم بأساليب وحشية من قبل الأمن، وكان ذلك في 26 فبراير 2011.

 بعدها بأيام وفي 15 مارس (آذار) خرجت الناشطة السورية مروى الغميان، متوشحة بالعلم السوري في سوق الحميدية في قلب دمشق منادية "حرية حرية"، مما عرضها للضرب والاعتقال على أيدي عناصر يرتدون ملابس مدنية، تناقلت وسائل الإعلام حينها فيديوهات توثق اللحظة. هنا كانت "ثورة الكرامة" تعلن الانطلاق في عدة مدن سورية، أيام قليلة فصلت بين أحداث بسيطة سيكون لها وقع عظيم على الشعب السوري، في الخامس عشر من مارس، الذي أصبح علامة فارقة في تاريخ البلاد.

عشر عجاف

أولى الإعلام العالمي الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة السورية أهمية كبيرة، وتصدرت عناوين صحف أجنبية كثيرة، بخاصة الأوروبية. ووصفت صحيفة "لوموند" الفرنسية، في تقرير لها بتاريخ 13 مارس الحالي، رئيس النظام السوري، بعد عشر سنوات من الحرب بـ"ملك الخراب"؛ بلد مجزأ، اقتصاد ممزق، نظام محظور، الرئيس السوري لا يحكم إلا من خلال الخضوع والدمار، وفقاً لتقرير الصحيفة.

يقول كاتب التقرير بنيامين بارت، "في بداية الانتفاضة ضد النظام السوري رفع أنصار رئيس النظام بشار الأسد شعار (الأسد أو نحرق البلد)، انتشرت التهديدات على الجدران، وبشكل صاخب في التجمعات المؤيدة للنظام، ونابضة في وسائل الإعلام الرسمية، التهديدات كانت واضحة بطريقة وحشية، الخضوع أو الدمار، هذه كانت إملاءات دمشق".
كما دفع الأسد وأنصاره بأن البلاد تتعرض إلى مؤامرة "كونية" فأعمل النظام ماكنة القمع ضد المحتجين.

يتابع التقرير "أن الأسد وبعد حرب أهلية كارثية لا يزال في مكانه، ولكنه يحكم على بساط من الخراب. توقف القتال عملياً، وبقي النظام على قيد الحياة، لكن سوريا انهارت. ناسها ذليلون، بلدهم في حالة يرثى لها، ولم يعد لشعار (الأسد أو نحرق البلد) معنى، لأن الواقع أصبح "الأسد والبلد المتفحم". لكن بشار لا يبدو أنه تغير. أو تغير قليلاً، ببعض التجاعيد على صدغيه والنظارة الرقيقة التي يرتديها لقراءة خطبه لتؤكد مرور السنين". 

 

 

الأسد سحق التمرد ومعه البلاد

ويرى بارت في "لوموند"، أنه من المرجح أن يفوز الأسد بولاية رابعة مدتها سبع سنوات خلال هذا الربيع. و"كل الدلائل تشير إلى إعادة انتخاب هذا المنبوذ ذي الأيدي الملطخة بالدماء الذي وُعد قبل بضع سنوات بمصير كارثي، المنفى أو الزنزانة أو القبر، إلا أنه اليوم يشعر هو ونظامه بالانتصار". قد يكون الأسد سحق التمرد، ولكنه سحق معه البلاد. وتنقل "لوموند" عن دبلوماسي أجنبي يزور دمشق بانتظام، قوله، "النظام السوري يشعر بالانتصار لأنه يعتقد أن الجزء الأصعب أصبح وراءه. فبين عامي 2012 و2014، بدا الأمر كما لو أن ثلثي الكرة الأرضية كانت ضده. وسيطرت الجماعات المسلحة على معظم الأراضي وبدا أنها على وشك الدخول إلى العاصمة دمشق. كنا نظن أن الأمر قد انتهى". وبعد ذلك، مثل حجار الدومينو، سقطت المناطق التي سيطر عليها الثوار واحدة تلو الأخرى، القصير عام 2013، وحمص في 2014، وحلب وداريا عام 2016، ودوما ودرعا عام 2018. ودفعت الميليشيات الشيعية المتمردين إلى الاستسلام. أصبحت "سوريا المقيدة" العمود الفقري للبلاد على طول محور دمشق وحلب تحت سيطرة الموالين للأسد مرة أخرى.

أما مجلة "كريستيان ساينس مونيتور" وفي مقال لها بتاريخ 10 مارس الحالي، قالت إن كلمة "النصر" هي الكلمة التي تستخدمها وسائل الإعلام الموالية للنظام السوري للإشارة إلى نجاة بشار الأسد من الحرب الأكثر وحشية في القرن الحادي والعشرين، لكن متخصصين يقولون، إن انتصاره كان باهظ الثمن. يقول جوليان بارنز داسي، الباحث في الشأن السوري ومدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، "الانتصار كان أولاً وأخيراً بالنسبة للنظام هو النجاة". و"منذ البداية، أوضح (الأسد أو إحراق البلد)، وهو ما نفذ في قتاله ضد المعارضة. لذا فهو الآن ملك لبلد مدمر بمظهر يأس وانهيار متزايد".

يضيف الباحث، "إذا كان الثمن الذي يجب دفعه للبقاء هو الانهيار الداخلي المستمر، أعتقد أن النظام مستعد تماماً لدفع هذا الثمن". وأوضحت المجلة، "أن الأسد لم يقدم أي تنازلات للمعارضين الداخليين المطالبين بحكم ديمقراطي أكثر شمولاً، ولا مع  عناصر "داعش" الذين حاولوا وفشلوا في تحويل سوريا إلى دولة خلافة لهم. وبدلاً من ذلك، فقد تجنب الأسد الهزيمة باستخدام الأسلحة الكيماوية، والتعذيب المنهجي، والتكتيكات التي ليس عليها قيود، التي حولت مدناً بأكملها إلى أنقاض وخلفت مئات الآلاف من القتلى السوريين".

بقاء الديكتاتور

وأفردت صحيفة "بوليتيكن" الدنماركية مساحة واسعة في عددها يوم الأحد 14 مارس، لتغطية ذكرى الثورة السورية، وخصصت غلافها للملف الذي تناولته على عدد من صفحاتها.

وفي عنوان فرعي "أمير حرب متعطش للدماء"، فصلت الصحيفة معلومات عن القمع الذي مورس على الشعب السوري منذ 2011. واعتبرت أن "بشار الذي قدم نفسه بصورة الخجول، وطبيب العيون الذي لا يحب الدماء، سرعان ما انكشفت حقيقته الدموية، وأزال الشكوك حول أنه لن يستطيع إلا أن يكون مثل أبيه الذي دمر مدينة حماة، وقتل نحو 20 ألف شخص في 1982، ليثبت خطأ من راهن على تحول سوريا نحو الديمقراطية، وثبت أنه ورث ظل أبيه وسمعته الديكتاتورية حول العالم، على رغم جهود تلميعه". وتابعت الصحيفة أن "المفارقة بقاء الديكتاتور، كبقية الطغاة، يردد أن شعبه يحبه كثيراً، وأنه هو بنفسه يحب شعبه وبلده، كما قال لـ"دير شبيغل" الألمانية في 2013، لكنه أظهر حبه لشعبه بتلك القسوة والدموية التي حوّل فيها البلد إلى مذبحة فوضوية في مواجهة انتفاضة سلمية". وتخلص "بوليتيكن" إلى أن "ذلك القمع لم يكن كافياً، فجيشه لم يكن قوياً بشكل كاف، إذ اعتمد على تحالفات مع إيران وروسيا، واستدعى قوات قمع منهم "حزب الله" اللبناني ومرتزقة خارجيين، بمساعدة إيران رغم نفيها أي تدخل عسكري على الأرض والتأكيد بأنها تقدم استشارات لحليفها فقط. وبعد أن فقد السيطرة على البلاد استعاد حوالى الثلثين بفضل روسيا وإيران". تقول الصحيفة إن "سوريا القديمة خسرت مكانتها الإقليمية بالكامل، بفضل القمع ومواجهة الثورة الشعبية وتمسك الأسد بالكرسي، وتحولت من لاعب كان يحتل لبنان ويملك نفوذاً إقليمياً إلى ساحة يلعب فيها الغير، وارتهن الأسد لمن حمى سلطته، ويعيش على رغم ذلك أوهاماً في قصره الفاره الذي يطل من الجبل، وقد عمل على تحويل بلده إلى أنقاض".

ماري أنطوانيت السورية

وفي عدد مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، نهار 14 مارس، نشرت تقريراً بعنوان "المصرفية، الأميرة، أميرة الحرب، حياة أسماء الأسد المتعددة"، كيف أصبحت فتاة من غرب لندن الفائز غير المتوقع في الحرب السورية. يضيء التقرير على شخصية أسماء الأسد، نشأتها وعلاقتها برئيس النظام والأدوار التي أدتها في الدولة، وصولاً إلى احتمالات ترشحها للرئاسة.

وبحسب المجلة، جسدت أسماء الأسد شخصيات مختلفة، بدءاً من موظفة في مصرف "جي بي مورغان تشيس"، وسيدة أولى متألقة حاولت تحديث دولة منبوذة، إلى ماري أنطوانيت الدمشقية التي تتسوق وبلدها يحترق، وصولاً إلى "أم الشعب السوري" التي كافحت السرطان في وقت كانت قوات النظام تسحق المعارضين. وأكدت المجلة، أن أسماء على رغم كل ما حدث في سوريا فإنها أقوى مما كانت عليه في أي وقت مضى، مؤيدة ما وصفتها به الحكومة الأميركية من أنها واحدة من "أسوأ المستفيدين من الحرب" في سوريا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول مدير مجلس التفاهم العربي- البريطاني كريس دويل، "كان الناس ينتظرون ربيع سوريا عندما تولى بشار الأسد الحكم، إذ كان الرئيس الجديد أكثر سهولة في التواصل وتم الاستغناء عن بعض الحرس القديم في نظام والده. كان هناك إحساس بالانفتاح بعض الشيء، ووظفت حملات ضخمة ترسم صورة الزوجين الجديدين على كل المستويات المحلية والعالمية". يضيف، "بعد سنوات من المجازر والتهجير والصراع الطويل مع النظام القاتل، يصعب التصديق أن أسماء لا تعرف ما الذي يحدث في سوريا؟ أعتقد أن السلطة تفسد الأشخاص ذلك لأنهم يصبحون أكثر ارتياحاً في موقع القوة ويصبحون أكثر اعتياداً وتأقلماً مع الممارسات الديكتاتورية".

السيدة الأولى متهمة بالتحريض على الإرهاب

لكن السيدة الأولى في سوريا والمصرفية البريطانية سابقاً باتت تواجه محاكمة محتملة واحتمال فقدان جنسيتها البريطانية، بعد تحقيق أولي فتحته شرطة لندن بشأن مزاعم تحريضها على أعمال إرهابية خلال العشر سنوات الأخيرة من الحرب في البلاد. حيث إن الشرطة البريطانية فتحت تحقيقاً أولياً، في ما يُعرف باسم "عمليات التقييم وتحديد نطاق" الاتهامات، بعدما أرسل مكتب محاماة العدالة الدولية "جيرنيكا 37" Guernica 37 أدلةً تشير إلى مدى نفوذها في الطبقة الحاكمة بسوريا، ودعمها القوي لقوات النظام.

ووفقاً لصحيفة "تايمز" البريطانية، فقد فتحت السلطات التحقيق بشأن أسماء الأسد بعد حصولها على أدلة تشير لنفوذ السيدة الأولى في سوريا بين أفراد الطبقة الحاكمة ودعمها القوي لقوات الأسد. خلال تلك السنوات، أصبحت أسماء أماً لثلاثة أطفال، ومع مرور الوقت ازدادت قوة ونفوذاً في سوريا، كما انصرفت إلى توسيع نطاق إمبراطوريتها الخيرية والتجارية، وإلقاء الخطب الداعمة لقوات جيش نظام الأسد. وتؤكد التحقيقات، بحسب الصحيفة، أن أسماء مذنبة بالتحريض على الإرهاب من خلال دعمها العلني لقوات النظام السوري.

وبينما تستبعد الصحيفة مثول زوجة الأسد أمام المحكمة في بريطانيا، تشير إلى إمكانية صدور نشرة حمراء من الإنتربول بحقها، ما قد يمنعها من السفر خارج سوريا تحت تهديد تعرضها للاعتقال.

رموز الثورة السورية

تلك الثورة التي بذل فيها السوريون الغالي والرخيص دماً ودموعاً، قد لا يكون المجتمع الدولي قد أنصفهم حقهم. ولكن مع هذا هناك رموز حفرت في الذاكرة كالطفل حمزة الخطيب، الذي كان في الـ13 من عمره عند انطلاق الثورة، وعاد إلى أهله جثة مشوهة بلا فكّين وبجسد مليء بالحروق وبالصدمات الكهربائية وكدمات الضرب بالكابلات. أيضاً "منشد الثورة" إبراهيم القاشوش، الذي قضى تعذيباً "في أقبية النظام السوري" بعد اقتلاع حنجرته. ومي سكاف التي سألت عند اعتقالها ما الذي تريده من مشاركتها في الثورة فردت ببساطة، "لا أريد لابني أن يحكمه ابن بشار الأسد". فأجابها المحقق، "بكل بساطة لا تجيبي ولاد". ووصفت الفتاة بـ"أيقونة الثورة السورية". كذا حارس الثورة السورية وبلبلها عبد الباسط الساروت، الذي قاد تظاهرات في مدينة حمص، وتوفي متأثراً بجروحه بعد معارك مع قوات النظام بريف حماة. وغير هؤلاء الكثيرون، وما زال السوريون ينتظرون عدلاً لم يأتهم بعد.

المزيد من تقارير