Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحمّام الشعبي المغربي مكان ضروري له طقوسه الخاصة

تعرض لتقلبات العصر واحتكاك الحضارات المختلفة والتطور التكنولوجي حتى أصبح على الصورة التي نجده عليها اليوم

الحمّام الشعبي في المغرب من المرافق العمومية التي تلعب دوراً اجتماعياً (غيتي)

يحظى الحمّام العمومي بالمغرب بمكانة خاصة في الثقافة الشعبية المحلية، بخصوصيات تميزه عن بقية أمثاله عبر العالم، وقام على مدى العصور بأدوار اجتماعية مهمة، كما يرتبط بالمحظور في ذاكرة الأطفال.

فضاء ضروري

لطالما شكل الحمّام الشعبي مكاناً محورياً إلى جانب المسجد والسوق، وبالتالي يحرص المغاربة عند انتقالهم للسكن في مكان جديد على البحث عن منزل يكون قريباً من تلك الأماكن الضرورية في الحياة اليومية.

يعتبر الكاتب المغربي، علال ركوك، أن عادة الحمّام تدخل ضمن تقاليد الحضارة العربية الإسلامية، ويظهر هذا من وفرة الحمّامات في بعض المدن الإسلامية التقليدية كبغداد التي كان يوجد فيها أكثر من 1500 حمام، ونظراً لمختلف الأدوار التي كان يلعبها على المستوى الاجتماعي والديني والمعتقدي، فقد كانت السلطة الحاكمة توليه اهتماماً وعناية بالغين عن طريق المحتسب الذي كان يسهر على نظافته ومراقبة الأشخاص الذين يشتغلون به.

ويؤكد الكاتب أن الظاهرة تطورت في المغرب داخل بعض المدن العتيقة كفاس التي كان يرتاد حماماتها ما يناهز 3000 مستحم في اليوم، معتبراً أن لها بالمغرب خصوصيات مختلفة عن نظيرتها في تركيا أو دمشق أو القاهرة أو تونس في المعمار والوظيفة والممارسة، وقد تعرض الحمّام المغربي كالمشرقي لتقلبات العصر واحتكاك الحضارات المختلفة والتطور التكنولوجي حتى أصبح على الصورة التي نجده عليها اليوم، على حد تعبيره.

مراحل دقيقة

يتكون الحمّام الشعبي من ثلاث غرف مرتبطة ببعضها بعضاً، الأولى باردة، والثانية متوسطة الحرارة، والأخيرة التي تسمى "البرمة" شديدة الحرارة نظراً لاحتوائها على صهريج الماء الساخن حيث يتزود رواده بذلك الماء المغلي الذي يضيفون إليه الماء البارد لتصبح درجة الحرارة دافئة.

ترتبط البنية الهندسية للحمام بمراحل الاستحمام؛ تبدأ بالتمدد لفترة معينة، بحسب قدرة المرء البدنية، حتى يتصبب العرق من الجسم، وهو ما يساعد على تسهيل عملية إزالة الجلد الميت أو ما يسمى محلياً عملية "الحكّان"، يتم الانتقال بعد ذلك إلى الغرفة ذات الحرارة المتوسطة لكي يكمل المرء عملية غسل الشعر وبقية الجسم، وهناك من يفضل غسل الجسم بالصابون في الغرفة الباردة المرتبطة بعملية "التشلال" (صب الماء على الجسم لإزالة أية بقايا محتملة للصابون)، وبالتالي ينطبق بذلك جانب من المثل الشعبي المغربي "دخول الحمّام ماشي بحال خروجه" (دخول الحمّام ليس كالخروج منه).

أدوار اجتماعية

ارتبط الحمّام الشعبي بأدوار اجتماعية عديدة، حتى أنه في بعض الأحيان لم يكن ملاّك الحمّامات يكسبون أرباحاً كبيرة منها، بل يقتصرون على المردود المعنوي المتمثل في ضمان وجود مكان يؤمن الماء للنظافة.

يشير الكاتب المغربي إلى أن "الحمّام يعد من المرافق العمومية التي تلعب دوراً اجتماعياً، ولم يكن الحمّام يشكل مصدر ربح لصاحبه ولكن كان يقوم بدور اجتماعي"، معتبراً أنه "يشكل أحد الفضاءات الضرورية التي تؤثث كل حومة كالمسجد والمسيد (دور القرآن) وغيرهما، هذا الفضاء الذي يلعب دوراً صحياً بالدرجة الأولى يؤمه الناس من المسلمين، وغالباً ما يستقبل الحمّام نفسه النساء والرجال حيث تخصص لكل طرف أوقات محددة: حصتان للرجال (في الصباح الباكر وبعد الغروب) وحصة للنساء (طيلة النهار)، وحينما توسعت الحواضر أحدثت حمامات خاصة بالرجال وأخرى بالنساء طيلة اليوم".

ويشير الكاتب أن للحمام العمومي وظيفة خصوصية إلى جانب وظيفته الرئيسية، حيث تكتري أسر بكاملها بخاصة ببعض المدن التقليدية حماماً، غالباً ما يكون صغير الحجم، لإحياء مناسبة كالزفاف والنفاس... وهذا ما تقوم به أيضاً بعض الأسر المحافظة التي لا ترغب في الاختلاط، وبالتالي يستفيد من فرصة الاستحمام هذه كل عناصر الأسرة من الرجال والنساء.

وبالإضافة لتلك الأدوار شكل الحمّام الشعبي منصة لتداول الأخبار الخاصة والعامة، نظراً لاجتماع العديد من الناس فيه في الوقت ذاته، بالإضافة لكونه شكّل في السابق مكاناً لمبيت العابرين ممن تقطعت بهم السبل.

المرأة والحمّام علاقة متجذرة

علاقة المرأة بالحمّام الشعبي أعمق من علاقة الرجل به، لاعتبارات اجتماعية تاريخية، حيث شكل الحمّام واحداً من الأماكن القليلة التي كان يسمح للمرأة بالذهاب إليها في السابق، نظراً لضغط التقاليد التي حدّت من تحركات المرأة خارج بيتها، وبالتالي ارتبط الحمّام بطقوس معينة كانت تحظى فيها المرأة بحريتها الظرفية.

ويمتد ارتباط المرأة بالحمّام على مدى عمرها، تذهب إليه وهي طفلة مع أمها، وتقوم بالاعتناء بإخوتها عندما تصل سن البلوغ، كما كان يقام بخطبتها فيه، بعد تدقيق أم العريس المحتمل أو الخاطبة في جمالها الطبيعي وقدرتها البدنية، وفي حفل زفافها يعود الحمّام ليشكل أهم فضاء احتفالي يجمعها بقريناتها وبقية نساء الأسرة والأقرباء، ليضم احتفالات تسمح للنساء بأخذ قسط من الحرية في ما بينهنّ، وحتى عند وضعها مولودها يكون الحمّام مكاناً للاحتفال به.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يعتبر علال ركوك أن "الحمّام يشكل للمرأة فرصة ثمينة لممارسة حريتها أولاً، ولقاء صديقاتها ثانياً خصوصاً في بعض الأوساط التي يقتصر فيها خروج النساء على الذهاب إلى الحمّام لتبادل أطراف الحديث حول مستجدات الأسبوع، وداخل هذا الفضاء يتم أيضاً الفصل في أمور أساسية كاختيار الزوجة أو الخطيبة أو غير ذلك، وقد يجد هذا تفسيره في كون المرأة غائبة عن الفضاء العمومي، لهذا فهي تحاول أن تنتج هذا الفضاء في شكله الخاص حيث تغيب الرقابة سواء من طرف المجتمع أو الآخر (الرجل)، فهي سيدة هذا الفضاء الحميمي الذي يعوّضها عن الغياب والحرمان من الفضاء العام، ليصبح فضاء لتحقيق الذات".

طقوس خاصة

وفي وصفه طقوس الحمّام المرتبطة بالمناسبات الخاصة بالمرأة، يشير الكاتب إلى أنه في حفل الزفاف يقام احتفال "حمام العروس"، ويكون عادة يوماً قبل "الرواح" (الدخلة) في يوم "الحناء"، إذ يتم كراء الحمّام من طرف أهل العروس لكي تحتكره ومرافقاتها من الفتيات غالباً، فيخضع فضاء الحمّام لطقوس متعددة حيث يتم إشعال الشموع الملونة في غرفه، وتعطير القاعات بالعطور وماء الزهر، إضافة إلى إشعال "عود الند" و"عود القماري" على شكل بخور، وأثناء عملية الاستحمام يطلى شعر العروس بمواد مختلفة، ولا تقوم العروس بإنجاز أي عمل أثناء الاستحمام، كما يشترط أن تكون الأدوات المستعملة جديدة ولم تستعمل قط، بخاصة "الكيس" أو "المحكة". وبعد الانتهاء تخرج العروس للاستراحة في بهو الحمّام "بالزغاريد" و"الصلاة على النبي" فتعلق لها رقية وتميمة من "شبة" و"ملح"، وتمنح "الكلاسات" (النساء اللائي يدرن الحمّام) السكر تيمناً بمستقبل متفائل سعيد وحلو "حلاوة السكر".

ويقول ركوك إن تلك الطقوس لها خلفيتها المعتقدية المتمثلة في إرضاء "أصحاب المكان" (الأرواح) حتى لا تصاب العروس بمكروه أو العين (التي تقاوم بـ "الشبة" و"الملح") عن طريق استعمال الأدوات الجديدة وتزيين الفضاء بالعطور والبخور.

أما بخصوص مناسبة المولود، يشير الكاتب إلى ما اصطلح عليه بـ "حمام النفيسة" وهي، بحسبه، عادة تقام في اليوم السابع، حيث تذهب "النفساء" إلى الحمّام، معتبراً أن " "حمام النفيسة" يذكرنا إلى حد قريب بحمام العروس خصوصاً في عادة إشعال الشموع، إلا أن الاستحمام هنا ينتهي بشد وسط النفساء بحزام يمكنها من استئناف حياتها العادية بعد ذلك، ويبدو أن هذا الطقس له علاقة بمجموعة من المعتقدات ترتبط بعادات مترسخة عند طبقات معينة من المجتمع".

مناسبات عامة

بالإضافة إلى طقوس الاحتفالات الخاصة تلك، يرتبط الحمّام بطقوس مرتبطة بمناسبات ذات طبيعة عامة يتم الاحتفال بها على مدى العام، يعتبر الكاتب المغربي أن الحمّام ارتبط عند المرأة بطقوس وعادات تتنوع وتختلف في أشكالها ودلالاتها باختلاف وظيفة الحمّام، والغاية من الاستحمام بين الغسل والفرجة والتباهي، مشيراً إلى أن تلك الطقوس والعادات تستمد، على مدى العام، مشروعيتها واختلافها وصدقيتها من اختلاف وتنوع المناسبات الدينية والتراثية والاجتماعية، حتى أضحت تقريباً كل مناسبة متميزة بطقوس وعادات تناسبها وتنسجم معها.

الممنوع المرغوب فيه

من جانب آخر شكل الحمّام العمومي المكان المسموح به والمحظور في الوقت ذاته في وجه الأطفال الذكور، فمع انشغال الآباء بالعمل شكل اصطحاب الأمهات أبناءهم الذكور للحمام العمومي معضلة متكررة، فوجود الذكور في حمام النساء أمر محظور، وفي الوقت الذي تتغاضى مسيرات الحمّامات عن وجود الأطفال الذكور في سن صغيرة يمنعن دخول هؤلاء الأطفال عندما يصلون سناً يزيد فيه مدى وعيهم بـ "فتنة" المكان الذي يوجدون فيه.

المزيد من تقارير