Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عبدالله البصيص يروي عالم الجريمة مستعيناً بفلسفة اللغة

"قاف قاتل سين سعيد" رواية تستحضر طيف ستيفن كينغ

لوحة لزهير دباغ (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - صفحة الرسام على فيسبوك)

ترى نظريات التناص أنه لا يوجد نص مستقل بذاته، إنما هو عبارة عن مجموعة من العلاقات مع نصوص أدبية أخرى. هذا القول ينطبق على رواية "قاف قاتل سين سعيد" للكويتي عبدالله البصيص (دار روايات).

فالنص يقتبس مادته من مجالات فكرية متعددة؛ ما بين الفلسفة، بخاصة المتعلقة باللغة منها، أو ما يعرف بفلسفة اللغة، وعلم النفس، وكتب مثل كتاب "الذين هبطوا من السماء" لأنيس منصور، وروايات مثل رواية "الميل الأخضر" للكاتب الأميركي ستيفن كينغ والتي تحولت إلى فيلم بالاسم ذاته، وأفلام الرسوم المتحركة مثل الكارتون الياباني "جونكر".

هي إذن رواية متعددة المصادر، يقدم فيها البصيص بعض عادات وتقاليد المجتمع الكويتي ما بين بداية تسعينيات القرن الماضي، وصولاً إلى الوقت الراهن.

رواية جريمة

وتعتمد رواية "قاف قاتل سين سعيد" على حبكة بوليسية حيث يسعى المحقق "ماجد" إلى كشف قضية اختفاء مراهق يدعى "سعيد جونكر"، حدثت قبل 21 عاماً وأغلق ملفها في حينه من دون أن يُعرف سر اختفائه بعد أن حامت الشبهات حول عدة أشخاص منهم زوج جدته طمعاً في بيتها، وحول زميله "فهد" الذي اشتهر بشرّه.

يشعر المحقق في البدء أن الوصول إلى حل لغز هذه الجريمة صعب المنال بسبب عامل الزمن. لكن بوفاة "فهد" الذي ترك 36 فيديو سجل عليها حياته في الطفولة وعلاقته بـ "سعيد" تبدأ خيوط الجريمة في الوضوح. لكن "فهد" يقدم في تسجيلاته سبباً غير عقلاني لاختفاء "سعيد"، أما السبب الحقيقي فيظهر في أوراق عم المحقق وقدوته ويدعى "عادل" وسبق أن تولى التحقيق في هذه القضية وأغلقه بشكل يثير الريبة. في تلك الأوراق يتبين أن "سعيد" قُتِل على يد "عادل" نفسه، من طريق الخطأ، ما يوقع "ماجد" في حيرة بين أن يغفل الحقيقة التي وصل إليها، بخاصة أن عمه توفي منذ 6 سنوات والقضية مرَّ عليها ما يقرب من ربع قرن، والمكان الذي دفنت فيه جثة "سعيد" أعيد بناؤه ويصعب هدمه، وبين أن يعلن على الملأ ما وصل إليه من نتائج قاطعة.

جونكر وجون كوفي

يشترك "سعيد جونكر" المختفي في سمات كثيرة مع "جون كوفي" بطل رواية "الميل الأخضر" The Green Mile فنحن أمام الشخصية التي تتميز بطولها الفارع وقوتها المفرطة إلا أنها تحمل قلباً مسالماً. "سعيد جونكر" في الرواية يتمتع بقوة بدنية هائلة لا هم له إلا رعاية أخيه المعاق "سعد"، يطعمه ويحممه ويعمل على راحته، وهوايته إطعام الكلاب والقطط والعصافير، يخاف إن لوَّح له أحد بعصا، يعاني من ثقل في اللسان إن تحدث مع الغرباء الذين لا يثق بهم. ولم يستخدم قوته إلا في ثلاثة مواطن، الأول حين همّ "فهد" باصطياد العصافير من شجرة حديقتهم، والثاني عندما ضرب "بشار" الذي عذب كلبة أخذها من صغارها، والثالث يتمثل في تصديه لإنقاذ "فهد" من ضاربيه.

 

 

تلك الشخصية الطيبة تتعرض للعديد من النكبات. في البدء تتركه أمه هو وشقيقه لجدتهما بعد وفاة والدهما، وتعتني بهما الجدة إلى أن تموت، ويفرق زوج الجدة ما بين "سعيد" و"سعد"، ما يوقع الأول في حالة نفسية سيئة إلى أن يرتفع إلى السماء بهالة نورانية كما يحكي "فهد": "قال لا داعي للخوف. جاؤوا يأخذونني. رعدت السماء ثانية من دون أن تخيفك هذه المرة. ثم حدث ذلك الشيء الرائع المدهش الغريب. رأيتُ سعيد يرتفع إلى السماء. تحرّر من الجاذبية بطريقة سهلة كأنه معتاد عليها".

رفض الفانتازيا

وإذا كانت رواية "الميل الأخضر" حفلت بطابعها الفانتازي غير المفسّر علمياً وتعد واحدة من روايات الواقعية السحرية، فإن البصيص يرفض هذا التأويل غير العقلاني لرؤية "فهد" لاختفاء "سعيد"، ويركن إلى تفسير آخر يقدمه علم النفس. فشخصية "فهد" على رغم كل ما أشيع عنها من قسوة كانت غير حقيقية تماماً، فكل ما كان يبحث عنه هو أن يكون مميزاً وكان زملاؤه يعتبرونه مميزاً بسبب إجادته لعبة كرة القدم، وأفلام الرسوم المتحركة التي يمتلكها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إلا أنه عندما يعود إلى الكويت بعد تحريرها من الغزو العراقي يجد أن هوايات زملائه قد تغيّرت ولم تعد كرة القدم تستهويهم كما كانت وإنما القتال في الشوارع، فيعمل على إثبات نفسه في هذا المجال، وهو ما يتنافى مع طبيعة شخصيته الرومانسية الحالمة. لذا حين يرى مقتل صديقه "سعيد" بالرصاص تحركت مخيلته بعمل وقائي كي يدفع عن نفسه الخوف، فصنعت مشهداً لما كان يريده لـ"سعيد" مستمداً من أفلام الرسوم المتحركة التي يشاهدها.

فلسفة اللغة

أما عن الجانب الفلسفي في الرواية فهو ليس بجديد على كتابات عبدالله البصيص ومنها روايته "طعم الذئب" ذات الصبغة الفلسفية القوية والتي تحضر أيضاً في "قاف قاتل سين سعيد". فمن الأفكار الفلسفية التي جاء بها فلاسفة اللغة بداية من فيتغنشتاين ومن جاؤوا بعده؛ مثل جاك دريدا القائل بأن الإنسان هو من يخلق العالم عبر اللغة، يقول "عادل": "تظل الأشياء غير حقيقية حتى يصبح لديها كلمات وأسماء تصفها".

الرواية في كثير من جوانبها تبحث في تأثير اللغة على الإنسان وكيف نصنع عالمنا من الكلمات، كما أنها مشغولة بالمقارنة ما بين الصورة والكلمة. وفي حوار بين "ماجد" وعمه "عادل" يشرح الأخير له ما جاءت به نظرية فيتغنشتاين الأولى حول كيف يحدث التواصل بين البشر في كتابه "رسالة منطقية فلسفية" والذي زعم فيه أن اللغة تعمل على إثارة الصور بداخلنا حول كنه الأشياء التي حولنا في العالم.

فالكلمات تمكننا من صور للوقائع التي تحدث، ونحن حين نتكلم ننقل صوراً. هذا ما ينقله العم لابن أخيه بقوله: "طيب انتبه معي انظر. وعي الإنسان يا ماجد يعتمد على مصدرين فقط؛ العقل والمخيلة. العقل مكوّن من كلمات والمخيلة مكوّنة من صور. التفكير هو عملية تحويل الكلمات إلى صور أو تحويل الصور إلى كلمات والفهم هو إيجاد العلاقة بين الكلمة التي في العقل مع الصورة التي في المخيلة".

إلا أن فيتغنشتاين عاد في كتابه "تحقيقات فلسفية" وطوّر فكرته حول اللغة وعلاقتها بالصور بنظرية جديدة عرفت باسم "الألعاب اللغوية"؛ اللغة فيها عبارة عن أداة في لعبة لنقل ما نقصده ونعنيه وليست لنقل الصور.

وعبر الكلمات التي تصنع العالم يقدم "بشار"؛ صديق "فهد" نموذجاً لكيفية حدوث ذلك. فعبر الكلمات يستطيع "بشار" أن يصنع صورة مغايرة لـ"فهد"، تجعل الجميع يهابه، حتى ينجي نفسه من المجموعات الأخرى من الطلاب. يردعهم عبر الكلمات يزعم أن "فهد" قتل "سعيد" وأنه ينوي أن يقتل "يوسف مصدي".

تحمل رواية البصيص الكثير من ذكريات الطفولة وعالم المدرسة، ونظرة رافضة للتكنولوجيا الحديثة التي لا تأتي في الرواية إلا في مواضع تكشف عن أضرارها على الأطفال وأنها تقضي على المخيلة. وتنقد الرواية الرفاهية التي صنعها البترول، ما جعل الآباء مطمئنين على مستقبل أبنائهم وغير حريصين على إكساب أولادهم مهارات تعينهم على الاعتماد على أنفسهم. ومن الأشياء المقدرة في هذه الرواية؛ قدرة البصيص على صنع عالم محكم التفاصيل والبناء يكشف عن امتلاكه أدواته السردية بشكل احترافي.

المزيد من ثقافة