Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جلال برجس يستلهم الفلسفة في مواجهة الواقع المنحرف

الكتب والإنترنت نافذتان تطلان على عالم مأزوم في رواية "دفاتر الوراق"

لوحة للرسام محمد شبيني (صفحة الرسام على فيسبوك)

منذ البداية، تستدعي رواية جلال برجس "دفاتر الوراق" (المؤسسة العربية للدراسات)، الأهمية القصوى لفكرة "ضرورة الفن"، هذه العبارة التي اختارها إرنست فيشر عنواناً لكتابه، تتمثل أهميتها على مدار رواية برجس، في حضور استدعاءات لكتّاب عظام، ولنصوص أدبية، ولظلال أبطال وبطلات يشغلون ذهن بطله "إبراهيم الوراق"، ويملأون حياته: أحدب نوتردام، وأبله دوستويفسكي، وتولستوي، وغاستون باشلار، ويونغ، وفرويد، وبورخس، وغيرهم.

يمضي السرد في تداعٍ داخلي، بين حاضر آنٍ، وماضٍ يستدعي منه البطل لحظات يود تذكرها، خارج واقعه الجارح والمجروح، العبثي الذي ينتهك الروح بلا رحمة. أم نهش السرطان جسدها، وحين تموت يقف البطل صامتاً من دون أن يتمكن من ذرف دمعة واحدة. أب مسجون سياسي سابق يختفي بلا مبرر، ثم يعود بعد سبعة أشهر، ثم ينتحر عبر حبل يعلقه في السقف. وأخ يهاجر إلى تركيا، يمزق جواز سفره، ويدعي أنه لاجئ سوري، لكن كل هذا الواقع العبثي لا يلبث أن يبدو وهماً حين نقرأ الدفاتر التي يسجل فيها البطل كوابيسه. أما المكان فهو مدينة عمان التي يصفها بأنها "بحر كبير نغرق فيه، لكننا لا نموت". يتعرف القارئ إلى المدينة وأماكنها، التي تكشف عن وجوه الحياة القاسية في الأردن.

تقاطع المصائر

البطل إبراهيم الوراق البارع في التقليد إلى حد التقمص "الوحيد مثل قط أكتع"، يرى العالم عبر نافذتين: الكتب، والإنترنت الذي أصبح ضليعاً فيه إلى حد القدرة على اختراق أي حساب إلكتروني. نحن إذاً أمام أزمة مثقف متورط في واقع بائس يزيد من أزماته الاجتماعية والنفسية عزلته، وكوابيسه، بحيث تبدو "الأحلام انعكاساً لما يكتنز في آبارنا السرية، مما يجب على الآخرين عدم معرفته"، هذه الجملة صلة الوصل الباطنية، بين الشخصيات التي يتقمصها إبراهيم، وبين حياته الواقعية.

أما ليلى، اللقيطة المغتصبة من قبل المشرفة على الملجأ، فإنها تمثل وجهاً آخر للانكسار والخوف، حين تكون بلا مأوى، بلا عائلة، تواجه سخط الزمن بسؤالها "هل كتب على جبيني عبارة تفيد بأني لقيطة؟". وترى أن أغرب ما حدث لها هو حنينها للملجأ، تقول لإبراهيم "ماذا لو عرفت بأني قتلت شخصاً؟"، وفي اختيار الكاتب لبطلة لقيطة يعكس أيضاً انهيار مفهوم الأسرة وتفككها "أنا مثلك يا إبراهيم بلا عائلة، لكنك محظوظ لأنك تعرف من هم عائلتك". تذكرنا ليلى بشخصية جين أير، وإبراهيم بـ"غريب" ألبير كامو. هناك أيضاً من يلقبها إبراهيم بالسيدة نون، والجارة أنيسة التي انتحر ابنها، إياد نبيل، الذي يخترق إبراهيم حسابه عبر "فيسبوك"، ويكتشف حقيقته، وعماد الأحمر، الذي يقتل يوم انتحار ابن أنيسة. وتحت عنوان "كابوس" يرتكب إبراهيم جرائمه، فتتلاشى الحقيقة بين رغبة دفينة بالقتل، واحتمال حدوثه حقاً. يقصد إبراهيم الطبيب النفسي يوسف السماك ليخلصه من الصوت الذي يسكنه، لكن الطبيب يكتب له ذات مرة "على الرغم مما تعانيه جراء ذلك الصوت الذي يستبد بك إلا أنك أكثر قوة مني".

استعان الكاتب بتقنية روائي يجعل من الحكايات يختبئ بعضها داخل بعض بشكل موصول، الصحافية التي تغير اسمها وتغادر الحي، تكتب في دفاترها أيضاً حكايات وتفاصيل وتحكي عن شخصيات هي عينها الموجودة في عالم إبراهيم. وفي البيت المهجور يتقاطع مصير إبراهيم مع ليلى وأصدقائها المشردين، وتخيلاته عن الجريمة التي يرتكبها وهو يتقمص شخصية سعيد مهران بطل رواية نجيب محفوظ "اللص والكلاب".

يعيش إبراهيم الوراق على حافة الواقع، أمضى عمره في كشك الكتب - في الشارع - إلا أن عالمه الحقيقي داخل الكتب، لكن في مواجهة الكتب هناك أيضاً الواقع الافتراضي الذي يهدد إبراهيم، ويخيفه، العالم المرقمن سيحتل البشرية ويحول الأشخاص إلى مجرد أرقام متسلسلة في منظومة واحدة.

تناقش "دفاتر الوراق" من خلال رؤية فرد أعزل يمثل إنسان اليوم، وحشية عجلة الرأسمالية وسحقها للبشر، وتعلق الرأسمالية بالشبكة العنكبوتية التي وقع البشر في شباكها بلا مناص، ما سيجعلهم في المستقبل آلات مرقمنة ومفصولة عن الطبيعة، عن الشجر، عن البحر والنهر والتعاطف الضمني مع الآخر، لكن الحياة المعاصرة لا تترك للفرد هذه المساحة، إذ ثمة انزياح نحو "أنا" تتعاظم وحشيتها وشراستها تحت سطوة اختلال التوازن الجمعي، هذا يتضح مثلاً في جملة يقولها البطل "يبدو أن مستشفيات المجانين لن تتسع لنا إذا استمر الحال هكذا"، أيضاً حين يقول الطبيب "الناس في حاجة إلى مصحة نفسية بحجم الكون"، و"العالم يسير بسرعة مرعبة نحو الهاوية، استولت البنوك والمؤسسات المالية على جزء كبير من رواتب الناس".

تداعيات الأزمنة والأماكن

يشتبك الزمان والمكان في هذا النص في تداعيات مفرطة في انعكاسها على الأبطال، الحركة السردية داخل الأمكنة، سواء كانت داخلية في البيت، أو في الشارع تمثل تجسيداً مباشراً لانكسارات الأبطال، وفقدانهم المأوى. أما الزمان الذي يحضر بشكل لصيق مع فصل الشتاء وارتباطه بشكوى الشخوص من البرد، سواء في الزمن الماضي أو الحاضر، فيعبر عن تيمة معنوية تسيطر على النص. لا تطاول التحولات والتداعيات الزمنية البشر فقط، بل الأماكن أيضاً، الأراضي التي يبتلعها وحش الأسمنت، وكشك الكتب الذي تهاوى، وتلاشي زمن القرية، واستبداد المدينة، والسور الذي أزيل، والبيت الذي هدمه البلدوزر.

تظهر الأفكار الفلسفية على مدار الرواية، بداية وبشكل رئيس فكرة الاختيار والجبر التي تشكل حياة الأبطال، إبراهيم في عدم قدرته على اختيار واقعه، وليلى أيضاً في ولادتها كلقيطة وحياتها في الملجأ. وثمة حضور قوي للفلسفة التشاؤمية والارتياب الشديد من الآخر الذي يفرضه الواقع، فالأب بعد سجنه يخرج مهزوماً يحرض أولاده على عدم الثقة بالآخرين. أما الصوت الداخلي الذي يسكن إبراهيم أو الكائن الذي يرافقه سنين طويلة ويحرضه على الانتقام، ففيه انعكاس لعدة فلاسفة أرسطو في بعض المواضع ونيتشه أيضاً، ثم هناك الحوارات الفلسفية بين إبراهيم وهذا الصوت الذي يقول له "كلهم تخلوا عنك": ديكارت، كونفيشوس، ابن سينا، كريغور".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يبدو الخيط النفسي - البوليسي الذي يجدل نسيج الرواية، إلا عنصراً تشويقياً جاذباً، لكن حضوره لا يطغى على الرؤى الفكرية والثقافية المصاغة على مدار النص. ظهور الجرائم، والكائن الذي يسكن في بطن إبراهيم يمكن قراءة مدلولتهما ضمن حالة الفصام الذي ينازع البطل منذ البداية، أكثر مما يمكن ربطها بواقع جرائمي فعلي. يقول "فقدت ذاكرتي كثيراً من الأشياء جراء صدمات الكهرباء، بقوا في مستشفى الأمراض العصبية على مدار شهر يداوونني بها".

أما الدفاتر التي يدون عليها إبراهيم كوابيسه والكتابة عموماً، فإنها تجسد ما يصبو إليه من حالة سكينة، لذا يستدعي الكلمات حتى تردم ما بداخله من عتمة، لكن العتمة الداخلية التي تقارب الظلام أصبحت أمراً واقعاً في حياة البطل، تجعل الكاتب يختار جملة "علينا الصمت إذا ما اختلط الوهم بالحقيقة" كي تكون ختاماً للرواية، إذ ما جدوى معرفة إن كانت تلك الجرائم المتهم بها إبراهيم حدثت أم لم تحدث؟! ينعطف السرد أيضاً، عبر الدفاتر إلى حكاية جد إبراهيم محمود الشموسي في "مادبا"، وما جرى من أحداث منذ عام 1947، حين كانت طبول الحرب تدق، ثم 1948 عام نكبة فلسطين. بدت الانتقالات الزمنية حاملة إضاءات كافية على الماضي في طور مراهقة الوعي البشري، حين كان الإنسان لا يزال يكتشف ما هو الراديو، وكيف تصدر منه الأصوات.

تبدو اللغة في "دفاتر الوراق" سلسة، ومعبرة، وجاءت التوصيفات منسجمة مع السياق العام للرواية. هذا ينطبق أيضاً على الحوارات المكثفة والموجزة، مثل "ظالمة هذه الدنيا يا ولدي، لم نكن نتوقع ونحن صغار أنها هكذا"، و"قلت لك ستكون لصاً شريفاً"، و"لماذا على الجنوب أن يكون مبتوراً بكل تلك القسوة، تماماً مثل عائلة مبعدة عن مجاورة النهر".

العالم في "دفاتر الوراق"، رواية كبيرة، والأشخاص ليسوا إلا أبطالاً داخلها، رواية تضم كل الروايات التي أحبها إبراهيم الوراق، وسكنت داخله، ثم خرجت منه لتمضي في طريقها تواجه مصيرها الحتمي، إذ هو لا يجعل أبطال الروايات يتمردون على مصائرهم، بل إنه يتماهى معهم في كل اختياراتهم أياً كانت، وعبر هذا التماهي يغوص في أكثر القضايا الإنسانية وجعاً وعمقاً وحساسية.

المزيد من ثقافة