Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مسرحية "في لحظة حب" تستعيد الدراما الشعرية بعيدا من القضايا الكبرى

عرض مصري يركز على الجماليات البصرية والجمهور كأنه في وسط الديكور

المسرحية في مشهد شامل (الخدمة الإعلامية للمسرحية)

في المعنى المتعارف عليه، لا قضايا كبرى يطرحها العرض المسرحي المصري "لحظة حب"، فكل مافي الأمر أننا أمام علاقة حب في مدها وجزرها بين رجل وامرأة، شاعر وفنانة تشكيلية، ولاشئ أكثر من ذلك.

الفيصل هنا (لو نحينا جانباً الجدل حول ماهية القضايا الكبرى) هو كيفية صياغة هذه العلاقة في عرض مسرحي، تتوافر له شروط المسرح، وتتضافر عناصره لتضعنا في النهاية، أمام بناء متماسك يصعب معه إخراج مانشاهده عن دائرة المسرح، إلى دائرة أخرى مجالها محتلف تماماً.

أول مايلفت في عرض "لحظة حب" هو الديكور(صممه حمدي عطية) الذي يعد هنا نصاً موازياً أو مصاحباً ( Para Texte) أو مايسمى (حسب جيرارد جينت) "عتبات النص". وإذا استعرنا مصطلحات نقاد الرواية، فإن الديكور هنا يعد إحدى "العتبات" المهمة التي تمثل مدخلاً لتلقي العرض، فقد لعب دور "رائد الثقة"  الذي يمهد للمشاهد طريقه للتواصل مع العرض بوضعه داخل أجواء حلمية ناعمة تناسب تماماً طبيعة الدراما الشعرية المقدمة    (كتبها محمد الصواف)، وكذلك طبيعة الرؤية الإخراجية (ياسر صادق)، وتسهم في إضفاء مزيد من الشعرية على العمل.

فتنة الديكور

العرض قدمه قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية (مؤسسة رسمية تابعة لوزارة الثقافة المصرية) على مسرح صلاح جاهين، ومنذ دخول المشاهد إلى القاعة يخطفه الديكور ويهيئه للحالة التي سيكون بصددها. على جانبي القاعة لوحات تشكيلية، وفي مقدمتها نافورة مياه زاهية الألوان، بحيث تبدو هذه المساحة المقتطعة من أماكن جلوس المشاهدين كحديقة للبيت الذي تدور فيه الأحداث، ومنها يصعد سلمان مؤديان للبيت. على اليمين في مقدمة خشبة المسرح شرفة كلاسيكية يجلس فيها عازف تشيللو (عمرو صبحي)، وفى الجهة المقابلة على اليسار، هناك شرفة مماثلة تجلس فيها عازفة فلوت (مي فؤاد). وفي مستوى أعلى توجد نافذتان، إحداهما عن اليسار والأخرى عن اليمين، وفي العمق مكتب ومكتبة، وفي المنتصف حامل لوحة رسم ومقعد للجلوس، مع توزيع للإضاءة غير المباشرة في أركان البيت. هكذا يبدو الأمر في النهاية كأن المشاهد يجلس داخل حلم أو لوحة تشكيلية تنبض كل مفرداتها بالحركة والبهجة. وتكفلت الإضاءة (صممها أبو بكر الشريف) في إضفاء مزيد من العمق على تلك اللوحة بتنوع مصادرها وألوانها، وقدرتها على مجاراة شعرية العرض  وحالته الأقرب إلى الرومانسية.

أحداث العرض بطلاها شاعر (قام بدوره بهاء ثروت)، وفنانة تشكيلية (قامت بدورها رجوى حامد). أحبت الفنانة الشاعر من قصائده وحفظتها عن ظهر قلب، وأقامت معرضاً استوحت لوحاته من تلك القصائد، والتقيا في معرضها بناء على دعوة وجهتها إليه. وهناك، وبعد حوار مطول وتساؤلات في الشعر والفن والحياة، اكتشف حبها له، وأنها بمثابة السطور الناقصة في قصيدته، أو القصيدة التي لم يكتبها بعد. ويتم الارتباط بينهما، لكن الاعتيادية، فضلاً عن تقلباته ونزقه كشاعر له تجارب سابقة محبطة، جعلته زاهداً في العلاقة، وراغباً طوال الوقت في الفكاك من أسرها. ظلت طبيعة الشاعر وتاريخه الشخصي حاجزاً دون بلوغ هذه العلاقة حد الكمال. وعبثاً حاولت الفنانة الإبقاء على لحظة الحب في سخونتها واحتدامها، لكنها دائماً ما تعود بالفشل، وظل الجرح قائماً تعمل على مداواته للاحتفاظ بحبيبها دائم الرغبة في الفرار والائتناس بوحدته.

دراما أفقية

لادراما هنا بالمعنى الحرفي، فالنمو في الأحداث يكاد يكون غير محسوس، والمراكمة هي الأكثر فاعلية وعملاً. بمعنى آخر لا أحداث صارمة تقع، تؤدي إلى تحولات كبرى في العلاقة بينهما. لا شيء سوى خطاب شعري متبادل بين الطرفين، ينمي الحدث على نار هادئة.

تمضي الأمور أفقياً، وتظل معلقة طوال الوقت ومتراوحة بين الحدة واللين، وبين الصخب والهدوء، لكن المشاهد مستمتع بالصورة المسرحية العالية الجودة، وبالأداء التمثيلي الواعي الذي حافظ على إيقاع العرض، وأيقن أنه بصدد عمل مسرحي لا أمسية شعرية. فلم يغره الإيقاع الشعري بمغادرة حدود المسرح إلى متاخمة الشعر، وهذه فضيلة تحلى بها الممثلان، وإلا أصيب المشاهدون بالملل وانفصلوا تماماً من الحالة التي سعى المخرج إلى وضعهم فيها.

في هذا العرض نحن أمام شاعرية الحالة لا شاعرية الأداء، كما ألمح صلاح عبدالصبور فى تذييله لنص "مسافر ليل". فقد انتبه الممثلان (وهذا يحسب للمخرج) إلى أزمة الشخصيتين اللتين يقومان بتجسيدهما، وذلك في أداء اتسم بملامسته للعمق أكثر من وقوفه على السطح، أو استعراض قدرات ليست مطلوبة هنا. بدا ذلك في استخدام مفردات الجسد، ونبرة الصوت، والحركات والسكنات، وتوظيفها لصالح الحالة. كل ذلك جرى الإمساك به بشكل جيد يعكس خبرة الممثلين اللذين كانا واعيين تماماً بالحدود التي يجب التوقف عندها من دون مجاوزتها، وإلا ذهبا إلى منطقة أخرى لاتصب في صالح العرض.

توظيف العزف

أيضاً، ولأننا بصدد حالة شعرية، تم توظيف العزف الحي كبطانة للأحداث في بعض المواقف المتسمة بالتوتر. وصاحب العزف على الفلوت أداء الفنانة التشكيلية كصوت  يناسب الأنثى أكثر، بينما صاحب التشيللو في حدته وقوته أداء الشاعر، وهو توظيف جيد للآلتين جرى بوعي ورهافة.

انتبه مخرج العرض كذلك إلى طبيعة النص الشعرية وإلى أفقية الدراما، فسعى إلى تضفير العرض بمجموعة من الأغاني، كتبها محمد الصواف وأداها صوتان متميزان هما مؤمن خليل ونانسي جمال ولحنها أحمد يحيي. وكذلك الاستعراضات التي جاءت بموازاة الأحداث ومختزلة لبعضها في صورة تعبير حركي عوضاً عن الكلام، صممتها كريمة بدير وأداها لميس وميدو. كل ذلك من قماشة العمل نفسه، ومن دون شعور المشاهد بالانفصال من الحدث. فهي لاتأتي بشكل مباغت، أو حتى لتغيير المشهد، كما يحدث في بعض العروض، ولكن في سياق الحدث وكأنها تكمل مالم تبح به الشخصيتان، لتشكل كل هذه العناصر معاً قصيداً شعرياً مسرحياً، اتسم بالرهافة والبناء المتماسك، وصنع حالة من الدهشة. وجاء كلمحة خاطفة تناسب تماماً طبيعة العلاقة الشائكة بين اثنين من الفنانين، لكل منهما عالمه وخياله ورؤيته لذاته كذات محورية، بخاصة في حالة الشاعر الأكثر نزقاً وغروراً، وإن استجاب في النهاية كإنسان إلى لحظة الحب. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مشهد النهاية تبادل الممثلون والعازفون وكل من على المسرح،الرقص، كما لوأن فكرة التحقق قد اكتملت لتنعكس على جميع الموجودات، وليتحول المسرح إلى مايشبه جنة أرضية، فيها من الصفاء والسكينة والسلام مايشبع خيال المشاهد، ويجعله يلتقط أنفاسه بعد ماراثون طويل من العدو.

غاب المسرح الشعري أو كاد عن الساحة المسرحية العربية عموماً، من هنا تأتي أهمية هذا العرض الذي ربما يكون توطئة لتقديم مزيد من العروض التي يمكنها استعادة هذا المسرح في أشكال جديدة ومبتكرة تحيي هذا اللون الذي تراجع كثيراً ربما بسبب تراجع الشعر نفسه، أو بسبب تخوف جهات الإنتاج من المغامرة بتقديمه باعتبار أن المسرح الشعري لم يبق له جمهور. 

المزيد من ثقافة