Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رافائيلا العجوز ترحب باللص الشاب الذي كسر عزلتها ويموتان معاً

فيديريكو جانمير يكشف خبايا المجتمع الأرجنتيني في "أخف من الهواء"

الروائي الأرجنتيني فيديريكو جانمير (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - دار مسعى )

عبر روايته "أخف من الهواء" ( دار مسعى، ترجمة محمد الفولي) يتعرف القارئ العربي للمرة الأولى إلى الكاتب الأرجنتيني فيديريكوجانمير (1957)، وله أكثر من 20 كتاباً ما بين الرواية والأدب غير الخيالي، وحاز عديداً من الجوائز الأدبية في بلاده، كما أنه يعمل أستاذاً في جامعة بوينس آيرس متخصصاً في أدب العصر الذهبي الإسباني المحدد زمنياً بالفترة من 1492 إلى 1659.

وتتميز "أخف من الهواء" بطابع مونولوغي نموذجي فهي لا تقدم إلا رؤية واحدة للعالم عبر مونولوغ طويل، فلا صوت سوى صوت السيدة ذات الـ 93 عاماً. ويبرر المؤلف ذلك بأن هذا الصوت يعبر عن السلطة القامعة لأصوات غيرها،  فالعجوز "رافائيلا" خدعت المراهق "سانتياغو" عندما حاول سرقتها مهدداً إياها بآلة حادة وأغلقت عليه باب الحمام.

الرواية في أسلوبها أقرب إلى السيناريو السينمائي، لجهة أنها ذات صبغة حوارية وإن كان لا يُسمع صوت المراهق. إلا أن إجابات العجوز تكشف ردود أفعاله المختلفة من غضب ورضى، ومن تمرد وانصياع. أما عن المكان والزمان في هذه الرواية فهما محدودان جداً، فهي تدور في أربعة أيام فقط بداية من يوم الخميس 29 نوفمبر (تشرين الثاني) وصولاً إلى الأحد 2 ديسمبر (كانون الأول)، أما المكان فهو شقة العجوز وبالتحديد بالقرب من الحمام الذي حبست فيه اللص ذي الـ 14عاماً.

وبسبب هذا الأسلوب السردي في الكتابة القريب من السيناريو والنصوص المسرحية فقد جرى تحويلها إلى فيلم قصير وإلى مسرحية.

العمر والخيال

ويثير عنوان الرواية تساؤلاً حول كنه ذلك الشيء الذي هو أخف من الهواء، هل هو العمر، فالعجوز توجه حديثها إلى المراهق المحتجز داخل حمام شقتها: "ثلاثة وتسعون عاماً وعلى مشارف أربعة وتسعين عاماً. عمر طويل، أليس كذلك؟ الأمر يعطي هذا الانطباع، لن أنكره لكن العمر في الحقيقة يمر سريعاً، فأي امرأة بمجرد أن تدرك أنها حية تجد فجأة أن ساعتها قد حانت. فلأخبرك مجدداً أن الزمن يمر خطفاً". فالعجوز في الرواية حريصة كل الحرص أن توصل هذا المعنى إلى المراهق، أنها فقط بالأمس كانت طفلة واليوم هي ما هي عليه امرأة عجوز وحيدة تؤدي بصعوبة مهمات حياتها الضرورية.

هل هو الخيال الذي تمتدحه الساردة طوال حكيها وهو الذي يملأ التفاصيل الناقصة في أي حكاية كي يجعلها مكتملة، مطبقة مقولة ألبرت أنشتاين الشائعة "الخيال أهم من المعرفة"، فالمعرفة محدودة والخيال لا يعرف الحدود. تحاول "رافائيلا" أن تنمي هذه الحاسة عند المراهق، كما كانت تطلب من طلابها أن يغمضوا أعينهم وهي تحكي لهم. تطلب من "سانتي" أن يغمض عينه وهي تحكي له قصة حياة والديها اللذين توفيا وهي بعمر عامين. وفي حكيها تشبه العجوز في الحكايات الشعبية، فهي تصر على أنها لن تُخرِج المراهق قبل أن تنهي له حكاية والدتها.

وقد تكون الحياة ذاتها هي الأخف من الهواء بما أنها أصبحت بلا قيمة وسيطرت عليها المادة، فالمرأة ولدت عام 1914 إبان الحرب العالمية الأولى، وحتى بلوغها التسعين وقع ما غير طبيعة الحياة، ما يدفعها إلى النقمة على العالم المعاصر ورثائه: "الكل يرغب في المتعة والتسلية فقط. غابت القيم وأصبح كل شيء مباح".  فما هو أخف من الهواء داخل الرواية يتحمل دلالات كثيرة مفتوحة.

كسر العزلة

وتناقش الرواية مشكلة اجتماعية بات يعاني منها العالم، سواء في الغرب أو في أميركا اللاتينية، متعلقة بموضوع العزلة والوحدة التي يعيشها العجائز. "رافائيلا" تجد سعادة كبيرة في وجود شخص يشاركها السكن وتحكي له حتى وإن كان لصاً، تقدم له الوجبات وتعتني بها، تقص له تاريخها، تعبر عن رغبتها في أن تتبناه... "أخبرك بالحقيقة. أنا وحيدة للغاية. وحيدة طوال اليوم. وحيدة طوال حياتي". تشتري حاجتها كل يوم فقط من أجل أن تقتنص حديثاً مع هذا البائع أو ذاك كي تخفف من حدة العزلة التي تحياها.

وإلى جانب هذه العزلة النفسية، هناك العزلة الطبقية والمجتمعية، فالعجوز تمثل أبناء طبقة غنية يطمع اللصوص في سرقتهم، أما المراهق فهو ابن طبقة مطحونة، يعيش في كوخ مع 13 أخاً وأختاً، ولم يحظ بأي قسط من التعليم، ويعاشر أخته التي تصغره بعام معاشرة الأزواج، ويقتات على سرقة النسوة العجائز. وتقدم الرواية صوراً متعددة لانتهاك المرأة من قبل الذكور، فوالدة الساردة "ديلتيا" التي توفيت عام 1916م بعمر الثلاثة والعشرين، كانت تطمح بأن تكون قائدة طائرة في زمن "لم تكن المرأة سوى مجرد حيوان منزلي مستأنس. حيوان ثقيل الظل لكنه ضروري، من أجل تكاثر الفصيلة أو الحفاظ على ثروات الأقارب أو إرضاء أحط الرغبات الذكورية...".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تلك المرأة تعرضت للاغتصاب من قبل "خوسيه" الذي وجد أن الثمن المناسب لتعليمها الطيران هو أن يضاجعها، وبعدما فعل ذلك رفض أن يفي بوعده. هذا المصير الذي تعرضت له الأم تعرضت لمثله ابنتها وهي بعمر السادسة عشرة حين قام أحد أصدقاء عمها باستدراجها داخل مستودع صغير في نهاية الحديقة وافترسها وهددها إن أخبرت أحداً بأنه سيقول إنها هي من أغوته.

"رافائيلا" كانت تخشى أن تستولي خالتها وزوجها على الثروة التي تركها لها والداها اللذان توفيا وهي في عمر عامين. والانتهاك الثاني الذي تعرضت له الساردة كان من قبل رجل ادعى أنه يحبها طمعاً في ثروتها، وتمكن في الأخير من سرقة مجوهراتها. والرجل الثالث في حياتها كان ذلك المراهق الذي سعى إلى سرقتها عبر مدية غرزها في ظهرها، فالمرأة تمتلك خبرات سيئة في تعاملها مع الرجال ما يدفعها في النهاية إلى أن تقرر قتل نفسها وذلك المراهق الذي يعتدي على أخته جنسياً، بالغاز، موقنة أنه لا يمكن إصلاح أخلاقة ومن ثم يجب إراحة شقيقته بالذات والعالم أجمع من شروره.

والمفارقة التي تنتهي بها الرواية هي انتقاد العجوز لجرائم القتل التي تتم في العالم من حولها مثل ذلك الطالب الذي قتل ثلاثة من زملائه بمسدس والده الضابط في الشرطة لأنهم تنمروا عليه، أو الفتاتين المراهقتين اللتين قتلتا بسبب إعلان وهمي عن وظيفة. إلا أن العجوز نفسها ترتكب جريمة قتل ستتصدر نشرات الأخبار: "سيدة عجوز وُجِدت مقتولة في منزلها بسبب تسرب الغاز، صحبة مراهق احتجزته في الحمام ومات مختنقاً".

المزيد من ثقافة