Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قانون الجمعيات الخيرية الجديد يثير موجة رفض في فلسطين

يهدد ببطالة ما يزيد على 20 ألف موظف في 3 آلاف مؤسسة بعد التحكم في ميزانياتها

المجتمع المدني غاضب بعد قانون الجمعيات الخيرية في فلسطين  (اندبندنت عربية)

صباح الثالث من مارس (آذار)، تفاجأ الفلسطينيون وهم يُطالعون الجريدة الرسمية (الوقائع)، بأن قانوناً جديداً أُسقط عليهم على حين غرة، فقُبيل موعد الانتخابات العامة بأسابيع أصدر رئيس السلطة الفلسطينية قراراً يقضي بتعديل عمل الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية في الضفة الغربية، ويفرض عليها تقديم تقارير مالية وموازنات مدققة بشكل سنوي ووفق مواعيد محددة، تتضمن الإيرادات والمصاريف كافة إلى الوزارة المختصة، بما في ذلك الأنشطة التي قامت بها على مدى العام.

رفض مطلق

مؤسسات المجتمع المدني وناشطون وحقوقيون فلسطينييون وفور صدور القرار بساعات، اعتبروا في بياناتهم الرسمية وتغريداتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، أن قراراً كهذا من شأنه خنق حرية الجمعيات والمؤسسات الأهلية، وإنهاء عملها عبر التدخل المباشر في سياساتها.

يقول المدير العام للهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عمار دويك، "القرار الجديد وضع قيوداً جديدة غير مبررة على ممارسة الجمعيات والمنظمات الأهلية لأنشطتها باستقلالية وحرية، وسيُحولها إلى مجرد دوائر تتبع وزارات الاختصاص في السلطة التنفيذية، وفي هذا تناقض واضح لطبيعة عمل الجمعيات ومبررات وجودها في الحيز العام، وتناقض أكبر للمرسوم الرئاسي الصادر في 20 فبراير(شباط) الماضي في شأن تعزيز الحريات العامة، كما أن القانون الأساس الفلسطيني في المادة (26) كفل للفلسطينين الحق في تشكيل النقابات والجمعيات والاتحادات والروابط، ويعتبر مساساً خطيراً ومباشراً للقانون، ويضر بشكل جوهري ببيئة الحقوق والحريات قبيل العملية الانتخابية".

تجفيف التمويل

ويضيف، "بعيداً من رؤية ورسالة وأهداف تلك الجمعيات والمؤسسات الأهلية الفلسطينية، فقد ألزمها القانون الجديد بأن تنسجم خطة عملها السنوية مع خطة وزارة الاختصاص، بما يتضمن التقرير المالي والبيانات التفصيلية والأنشطة المالية لها، الأمر الذي يجعل من وزارة الاختصاص جهة الحكم على نتائج وأنشطة الجمعيات وأثرها من دون معايير أو أسس واضحة، كما أن القانون المذكور يفرض قيوداً غير مبررة وغير دستورية على مصادر تمويل الجمعيات والهيئات الأهلية، بنصه في المادة الرابعة منه على اختصاص مجلس الوزراء بإصدار نظام يحدد فيه شروط وأحكام المساعدات غير المشروطة وجمع التبرعات من قبل الجمعيات والهيئات المشمولة بأحكامه، بتجاوز صريح لقواعد الولاية الدستورية، التي تتطلب أن يتم تنظيم مثل هذه المواضيع بموجب قوانين صادرة عن البرلمان بناء على مصلحة مشروعة وضرورية، وهذا ما أكده المقرر الخاص المعني بالحق في التجمع السلمي والجمعيات بالأمم المتحدة بقوله، "إن التشريعات التي تعمل على تقييد التمويل المالي للجمعيات تنتهك المعايير والمقاييس الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة بحرية تكوين الجمعيات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إحكام الخناق

 اشترط القانون الجديد في مادته رقم (3) ألا تزيد رواتب الموظفين والمصاريف التشغيلية في الجمعية أو الهيئة عن 25 في المئة من إجمالي الموازنة السنوية، في حين أعطت المادة رقم (5) من القرار ذاته الحق للسلطة الفلسطينية في تصفيتها والتصرف في أموالها إما لخزانة دولة فلسطين أو لجمعية أو هيئة مشابهة لها في البلاد، مما يعني بحسب متخصصين إلقاء ما يزيد على 20 ألف موظف وموظفة من العاملين والعاملات في المؤسسات الأهلية على قارعة الطريق.

المدير التنفيذي للهيئة الأهلية لاستقلال القضاء ماجد العاروري يتحدث واصفاً التعديلات الأخيرة، بـ "العقاب المؤلم لأكثر من 3 آلاف جمعية ومؤسسة أهلية وحقوقية وزراعية وصحية، تعيل أكثر من 45 ألف أسرة فلسطينية، لمجرد أن تلك المؤسسات انتقدت أداء السلطة، وهذا يندرج في إطار سياسة العقاب المالي الجماعي، ويهدف لتلقين تلك الجمعيات والمؤسسات درساً في حال انتقادها النظام السياسي الفلسطيني".

مصلحة عامة

وفي الوقت الذي أعلنت فيه مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني "رفضها المطلق للقرار الذي تمت صياغته بسرية وفي غرف مغلقة" بحسب تعبيرها، وتشكيل لجنة طوارئ لتصعيد الإجراءات الاحتجاجية لحين إلغائه، أكدت الإدارة العامة للمنظمات غير الحكومية أن التعديل الأخير يهدف لتطوير عمل تلك الجمعيات والمؤسسات وضبطها بشكل دقيق.

المدير العام للإدارة العامة للمنظمات غير الحكومية والشؤون العامة في وزارة الداخلية الفلسطينية عبدالناصر الصيرفي رد على الانتقادات الواسعة بقوله، "تماشياً مع المصلحة العامة وتوافقاً مع الواقع الحالي، جرت التعديلات على بعض المواد في قانون الجمعيات القديم الذي يحوي بعض مواطن الضعف، وعملية التقويم والتعديل بدأت بمقترحات من وزارة الداخلية، ورفعت إلى مكتب رئيس الوزراء حيث تمت مراجعتها أربع مرات قبل أن تذهب لمكتب الرئيس والمصادقة عليها، وأية انتقادات أو ملاحظات من المعترضين على تلك التعديلات يجب أن تكون مبنية على أسس علمية ومدروسة، وليس من خلال تصريحات صحافية هنا وهناك تضع نتائج مسبقة.

الائتلاف الفلسطيني للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (عدالة) أشار في بيان حصلت "اندبندنت عربية" على نسخة منه، "أن القرار الأخير يمثل علناً سيطرة ووضع يد الحكومة على الجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية كافة، بما في ذلك أملاكها وموازناتها وأنشطتها، ويهدد النشاط المدني والمجتمعي المستقل داخل فلسطين، وتساءلت، في بيانها، "هل ستقوم السلطة بإلزام نفسها بالمعايير المالية ذاتها للإنفاق أسوة بالجمعيات الخيرية والمؤسسات الأهلية؟ فمجموع الرواتب والنفقات التشغيلية لمختلف مؤسسات السلطة لعام 2018 بلغ أكثر من 60 في المئة من مجمل الموازنة، 48 في المئة منها رواتب وأجور".

مطالبات عاجلة

وخلال الاحتجاجات على القرار، أصدرت السلطة الفلسطينية في 6 مارس (آذار) مرسوماً آخر يقضي بتأجيل إجراء انتخابات النقابات والاتحادات والمنظمات الشعبية ستة أشهر من دون إبداء الأسباب، مما أجج غضب المؤسسات الحقوقية الفلسطينية، التي طالبت وبشدة الوقف الفوري "لسيل القرارات بقانون".

يقول المدير العام لمؤسسة الحق (منظمة فلسطينية مستقلة) شعوان جبارين، "إن المرسوم الأخير اعتداء على حق الهيئات العامة في الاتحادات والنقابات المهنية والمنظمات الشعبية بتقرير مواعيد انتخاباتها، وصدور القرارات بقانون قبيل إجراء الانتخابات التشريعية بأسابيع قليلة سيسهم في خلق أجواء غير إيجابية تنعكس سلباً على البيئة الانتخابية بشكل عام، وتقوّض فرص إجراء الانتخابات في ظل مناخ يحترم الحقوق والحريات، ويسهم في استعادة الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام.

 وبحسب المادة (43) من القانون الفلسطيني، فإن اللجوء إلى إصدار قرارات بقوة القانون يستوجب وجود ضرورة لا تحتمل التأخير، إلا أن معظم القوانين التي صدرت تُعبر عن حاجات تتنافى والضرورة التي يتطلبها المجتمع الفلسطيني، وتُعبر عن خدمة مصالح فردية وفئوية تتعارض مع المبادئ الدستورية وقيم النزاهة والشفافية".

يذكر أن السلطة الفلسطيينة في الضفة الغربية ومنذ الانقسام الفلسطيني العام 2007 أصدرت قرابة 400 قرار بقانون، فيما أصدرت بداية العام الحالي ثلاثة "قرارات بقانون" تُعنى بتنظيم وإعادة تشكيل السلطة القضائية، أبرزها تعديل السلطة القضائية، بعد إجراءات سابقة شملت حلّ مجلس القضاء الأعلى، وتعيين مجلس انتقالي، وعزل عدد من القضاة، مما أثار موجة احتجاجات وغضب واسعة من نقابة المحامين الفلسطينيين في الضفة الغربية، لا تزال مستمرة للشهر الثاني على التوالي.

المزيد من الأخبار