Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التوقيفات تطال أثرياء الجزائر... والقضاء متهم بـ "الانتقائية"

التحقيقات الأولية تشير الى عمليات "تهريب أموال بالعملة الصعبة"

ترصد وثيقة "سرية" اطلعت "اندبندنت عربية" عليها، عناوين أفراد عائلة أحد رجال الأعمال البارزين في الجزائر، وممتلكاتهم وحساباتهم المصرفية في الداخل. القائمة التي تتحفظ "اندبندنت عربية" عن ذكر هوية صاحبها، رجل الأعمال، قبل استدعائه إلى القضاء (معني بالمنع من السفر)، تضم نحو 40 من أفراد عائلته، يفترض خضوعهم للتحقيق القضائي، بسبب شبهات بـ " تحويل أموال عمومية إلى الخارج".

وتكشف الوثيقة عمليات التحري عن عناوين نحو 40 من أفراد عائلة رجل أعمال شهير، ورد اسمه ضمن قائمة الممنوعين من السفر، وتظهر الوثيقة "تعاون" مصالح مدنية في تحصيل عناوين الإقامة، بما فيها مصلحة تابعة لشركة "الجزائرية للمياه"، وتسجل عناوين المقيمين إجبارياً، بالطريقة نفسها لدى شركة "سونلغاز" لتوزيع الكهرباء.
وتقيّد مصالح أمنية، أفراد عائلات عدد كبير من رجال الأعمال، بمراقبة عمليات "تحويل أموال إلى الخارج"، ويجري الأمر في العادة على أساس تصاريح "مغلوطة"، تمر عبر بنك الجزائر المركزي، بفواتير "مضخمة". وعلمت "اندبندت عربية" أن التحقيق الأولي يشير الى عمليات "تهريب أموال بالعملة الصعبة"، وهو شق واحد من بين مئات التحقيقات التي يرجح فتحها قريباً.

واستهدفت عمليات الاعتقال رجال أعمال، عُرفوا بقربهم من السعيد بوتفليقة، والاستفادة من صداقته "كغطاء" لتحصيل قروض مصرفية ضخمة. لكن الأمر انتقل إلى مرحلة أخرى، بعد سجن رجل الأعمال البارز يسعد ربراب، على ذمة التحقيق، وهو صاحب أكبر ثروة مالية في الجزائر، وعُرف بخصومته الكبيرة مع نظام الرئيس الجزائري السابق، عبد العزيز بوتفليقة.
وتتسع التحقيقات إلى التحويلات المالية للخارج، حيث تمكنت "اندبندنت عربية" من الاطلاع على وثائق أمنية أخرى، أبرزها حجم تلك التحويلات. ويتعمق التحقيق الأولي حتى في حقيقة الأموال المحولة باسم "استئجار طائرات خاصة"، وبلغت موازنة "استئجار طائرة خاصة" لأحد رجال الأعمال 500 مليون يورو سنوياً، كانت تُحول بالطريقة الرسمية.

ربراب في السجن… لا أحد كان يتوقع
في ساعة متقدمة فجر الثلثاء، أمر وكيل الجمهورية لمحكمة سيدي أمحمد في الجزائر العاصمة، بإيداع رجل الأعمال يسعد ربراب رهن السجن الموقّت، واستدعي ربراب صباح الإثنين، إلى مقر درك باب الجديد في العاصمة، قبل أن يُحال إلى محكمة سيدي أمحمد، حيث استغرق التحقيق معه نحو عشر ساعات قبل أن يُحال إلى سجن الحراش.
ويقبع في سجن الحراش، منذ نحو شهر، رجل الأعمال علي حداد، الذي حاول الفرار إلى تونس مستخدماً جواز سفر بريطانياً.
وكان ربراب، وهو الرئيس المدير العام لمجمع "سيفيتال" أكبر مجمع صناعي في الجزائر، ويضم حوالي 18 ألف عامل، قد مثل أمام وكيل الجمهورية للاستماع إلى أقواله في إطار التحقيق معه، للاشتباه في تورطه بقضايا فساد، وواجه تهماً عدة تتعلق بالتصريح الكاذب المتعلق بحركة رؤوس الأموال من الخارج وإليه، وتضخيم فواتير استيراد تجهيزات واستيراد عتاد مستعمل، على الرغم من الاستفادة من الامتيازات الجمركية الجبائية والمصرفية.

الإخوة "كونيناف"… أسرار السعيد بوتفليقة
لم يكن يسعد ربراب، الوحيد الذي استُدعي إلى مفرزة باب الجديد، فكان من اللافت أيضاً توجيه استدعاء لأفراد عائلة "كونيناف"، وهم أشقاء تربطهم علاقة صداقة وثيقة بالسعيد بوتفليقة، كما أن لوالدهم الراحل، قصة صداقة كبيرة مع الرئيس السابق، نمت خلال الثمانينات في سويسرا.
واعتاد السعيد بوتفليقة قضاء أغلب أوقاته في حي حيدرة، حيث إقامة الإخوة "كونيناف"، وتوصف هذه العائلة بإحدى أكبر "أسرار" فترة حكم بوتفليقة، إذ يتفادون الظهور في وسائل الإعلام بشكل تام، في حين تعود إليهم غالبية المشاريع الاستثمارية في العقدين الأخيرين، قبل أن تحوّل شركتهم تلك الصفقات إلى شركات أجنبية، مع تلقي "عمولة" على أساس ما يعرف بـ "المناولة".
وأصدرت جهة رسمية بياناً أذيع على التلفزيون الحكومي بخصوص "ربراب وكونيناف"، ورد فيه "تم توقيف ربراب اليوم الاثنين، للاشتباه في تورطه بتصريح كاذب متعلق بحركة رؤوس الأموال من الخارج وإليه، وتضخيم فواتير استيراد تجهيزات واستيراد عتاد مستعمل، على الرغم من الاستفادة من الامتيازات الجمركية الجبائية والمصرفية".

تابع البيان "كما أوقفت فصيلة الأبحاث رجال الأعمال الإخوة "كونيناف"، رضا وعبد القادر وكريم وطارق، للاشتباه في تطورهم في إبرام صفقات عمومية مع الدولة، من دون الوفاء بالتزاماتهم التعاقدية، بالإضافة إلى استغلال نفوذ الموظفين العموميين للحصول على مزايا غير مستحقة، وتحويل عقارات وامتيازات عن مقصدها الإمتيازي". وأوضح المصدر نفسه أن فصيلة الأبحاث للدرك الوطني بالجزائر "تواصل تحقيقاتها الأولية مع عدد من رجال الأعمال، منهم من اتخذت العدالة في حقهم إجراءات المنع من مغادرة البلاد".
كما أشار التلفزيون العمومي إلى أن فصيلة الأبحاث قامت بتسليم "استدعاءات مقابل محضر إلى الوزير الأول السابق أحمد أويحي، ووزير المالية محمد لوكال، للمثول أمام وكيل الجمهورية لدى محكمة سيدي أمحمد".
للتذكير، إن المحكمة كانت قد وجّهت استدعاء لكل من أويحي ولوكال للمثول أمامها، الأحد 21 أبريل (نيسان) 2019، في "قضايا تبديد المال العام وتقديم امتيازات غير مشروعة"، لكنهما رفضا بحجة غياب استدعاءات رسمية.

اتهامات للجيش بتعمد "عدالة انتقائية"
فجّر استدعاء رجل الأعمال يسعد ربراب، جدلاً بين بعض المراقبين وحتى بين السياسيين، وفيهم من ذهب بعيداً في تلك التحليلات التي تحمل اتهامات للمؤسسة العسكرية بـ "قيادة عدالة انتقائية"، والمقصود هوية ربراب نفسه، بحكم انتمائه لمنطقة القبائل.
لكن رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية محسن بلعباس، كان له رأي خارج هذه الحسابات، على الرغم من انتقاده لما تقوم به العدالة إلى اللحظة، معلقاً على حملة التوقيفات والمتابعات القضائية قائلاً "أردناها مرحلة انتقالية بعدالة انتقالية، جعلوها مرحلة تضليلية بعدالة انتقامية".
وشكك محسن بلعباس في خلفيات تحريك العدالة في ملفات الفساد، موضحاً أن التحقيقات "لا بد أن تطال الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة ورئيس جهاز الاستخبارات السابق الجنرال المتقاعد محمد مدين المدعو توفيق، ما دامت التحقيقات حول الفساد المتفشي تعود إلى 20 سنة".
منتدى رؤساء المؤسسات... عودة إلى "الصف"
بينما كانت عملية توقيف بعض رجال الأعمال مستمرة، أصدر منتدى رؤساء المؤسسات (أكبر تنظيم لرجال الأعمال الجزائريين) نداءً من أجل الإسراع في التكفل بمطالب الشعب الجزائري، معتبراً أن أي إطالة للأزمة السياسية ستكون ذات انعكاسات جد سلبية على الاقتصاد الوطني.
وقاد علي حداد، القابع في سجن الحراش، هذا المنتدى لسنوات قبل استقالته، وقال المنتدى في بيان وقعه رئيسه بالنيابة سعيد منصف عثماني "يوجه منتدى رؤساء المؤسسات نداء عاجلاً يدعو فيه كل القوى الوطنية الحية إلى ضرورة الإسراع في التكفل بمطالب الشعب الجزائري، لأن أي إطالة للأزمة السياسية، ستكون ذات انعكاسات جد سلبية على الوضع الاقتصادي لبلادنا، وهو ما ينهك المؤسسات الاقتصادية الوطنية التي بدأت تستعيد عافيتها بصعوبة، مع إبداء رؤسائها إرادة قوية وصادقة لتطوير الاقتصاد والمساهمة في رفاهية المواطنين".

كذلك عبّر عن "التزامهم كرجال أعمال المشاركة الفعالة والفعلية في مسار الإصلاحات الاقتصادية الشاملة التي سترافق التحول السياسي بحكم تجربتهم الميدانية". وفي الختام أكد المنتدى دعمه الكامل للمطالب الشرعية التي رفعها المواطنون من أجل التغيير الشامل، الذي يهدف لترسيخ مبادئ الديمقراطية الفعلية، موجهاً تحية إلى "المؤسسة العسكرية الضامنة للاستقرار وانجاح المرحلة الانتقالية، حفاظاً على سلامة البلاد والمواطنين".

المزيد من العالم العربي