Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فساد منظومة الجباية يكلف تونس خسارة بمليارات الدولارات

تلجأ الحكومة إلى الاستدانة الخارجية لتسديد النفقات المتزايدة

الديون تعكس خللاً على مستوى حوكمة التصرف في المال العام التونسي (أ ف ب)

فرطت الدولة التونسية بأكثر من عشرة آلاف مليار دينار (3.3 مليار دولار)، من الضرائب المتراكمة عام 2019، بينما استسهلت الحكومات المتعاقبة إغراق البلاد في الاستدانة الخارجية، من دون ابتكار حلول لتجميع موارد داخلية من الضرائب.

فما الثغرات في المنظومة الجبائية التي شجعت التهرب الضريبي؟ وهل يمكن لتونس استعادة هذه الأموال؟

محاسبة المتهربين من الضرائب

أفاد الرئيس الأول لمحكمة المحاسبات نجيب القطاري، أنه تم التفطن إلى وجود العديد من الإخلالات والنقائص التي خلفت انعكاسات مالية كبرى، منها تراكم الديون الجبائية غير المستخلصة لفائدة الدولة، والتي قُدرت بأكثر من عشرة آلاف مليار دينار، وذلك من خلال عدد من المهمات الرقابية التي قامت بها المحكمة في مؤسسات مختلفة.

وأضاف القطاري، خلال مؤتمر صحافي خصص لتقديم تقرير المحكمة السنوي، أن هذه الديون تعكس خللاً على مستوى حوكمة التصرف في المال العام، وأن الدولة في حاجة ملحة لهذه الموارد لتمويل ميزانيتها، داعياً السلطتين التنفيذية والتشريعية إلى متابعة نتائج أعمال محكمة المحاسبات، ومحاسبة المتهربين من دفع الضرائب المستوجبة عليهم.

الجباية

يقوم النظام الجبائي في تونس على مبدأين، الأول هو النظام التقديري، أي التصريح التلقائي بالمداخيل والأرباح ودفع الأداء المناسب، والثاني، هو النظام الحقيقي للضرائب.  

ويؤكد عبد الجليل البدوي، أستاذ الاقتصاد في الجامعة التونسية، أن التهرب الضريبي متاح في النظامين (التقديري والحقيقي)، فالنظام التقديري لا يمكن من خلاله التثبت من التصريحات على المداخيل الحقيقية للمؤسسات، أما بالنسبة إلى النظام الحقيقي، فإن ضعف آليات الرقابة الجبائية، التي تعتمدها الدولة، ونقص الإمكانيات، تحول من دون مسح شامل، ولا تتمكن إدارة الضرائب من التثبت من كل التصريحات التي يقدمها المطالبون بالضريبة، إضافة إلى تفشي ظاهرة الفساد، والتشجيع على التهرب الضريبي، عبر شبكات مستفيدة ومتواطئة مع إدارة الضرائب. 

ولفت إلى أن عملية استرجاع الضرائب تخضع أحياناً إلى عملية مساومة بين المراقبين الجبائيين وصاحب الشركة أو المؤسسة، من أجل إبرام صفقات مشبوهة يتهرب من خلالها دافعو الضرائب ويستفيد الوسطاء وتخسر الدولة سنوياً آلاف الدينارات.

القطاع الموازي ابتلع الاقتصاد

من جهة أخرى، أكد البدوي أن الاقتصاد التونسي يسيطر عليه القطاع غير المنظم، حيث يتحكم المهربون والفاعلون في القطاع الموازي، في جزء كبير من النشاط الاقتصادي التونسي، وفي الثروة الوطنية، وهو ما حال من دون تمكن الدولة من تجميع الضرائب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولفت أستاذ الاقتصاد إلى أن التهرب الضريبي ما انفك يأخذ منحى تصاعدياً، بالنظر إلى نزوع الاقتصاد التونسي، شيئاً فشيئاً، إلى القطاع غير المنظم، إضافة إلى أن التقاطعات بين القطاعين المنظم والموازي، بدأت تتسع من أجل تعويم الاقتصاد المهيكل، وجعله على شاكلة الموازي، عبر تبييض الأموال والفساد.

وشدد على أن جماعات الضغط وأصحاب المصالح وشبكات المال الفاسد، والمسيطرين على الاقتصاد الموازي، ينشطون في السياسة بالتواطؤ مع الإدارة التونسية، كما أصبحوا فاعلين في رسم التوجهات الكبرى للاقتصاد الوطني، بما يتماشى مع مصالحهم من أجل مراكمة الأرباح على حساب خزينة الدولة.

حوكمة الضرائب وسن تشريعات صارمة

ودعا البدوي إلى حوكمة قطاع الضرائب من أجل إرساء عدالة جبائية وتطبيق القانون على الجميع، من خلال ابتكار آليات جديدة للمراقبة والمتابعة، وسن تشريعات صارمة. 

وأشار إلى أنه من المفارقات تعاظم الزواج الهجين، في عهد الديمقراطية، بين رجال الأعمال والمافيات وغالبية الأحزاب أصبحت ممولة من قبل هذه اللوبيات، محذراً من نتائج التداخل بين المالي والسياسي على الاقتصاد الوطني، كالتشجيع على التهرب الضريبي لحماية مصالح شبكات الفساد.

الدولة العاجزة تلجأ للاستدانة

وأكد البدوي أن الدولة التي عجزت عن مواجهة لوبيات الفساد التي تتحكم في الثروات الوطنية، وجدت نفسها مكرهة على التوجه إلى الحلول الأسهل، وهي الاستدانة الخارجية لتسديد النفقات المتزايدة والاستجابة للحاجيات الداخلية.

وقال إن الطبقة السياسية متورطة ومتواطئة مع شبكات الفساد والتهريب، وهو ما يهدد كيان الدولة ومؤسساتها، داعياً إلى تطبيق القانون على جميع الفاعلين الاقتصاديين من دون تمييز، علاوة على تطوير آليات المراقبة، واعتماد نظام جبائي أكثر نجاعة وإدماج الاقتصاد الموازي في الاقتصاد المهيكل، وهو ما سيمكّن الدولة من تجميع مستحقاتها، من الجباية، والعمل على الحدّ من الاستدانة الخارجية، التي باتت شبحاً مخيفاً لتونس والتونسيين. 

وتمثل الديون الخارجية عبئاً ثقيلاً على الدولة التونسية، إذ يبلغ حجمها أكثر من 97 مليار دينار (32.3 مليار دولار)، بينما بلغ نصيب كل تونسي من الديون الخارجية للدولة أكثر من ثمانية آلاف دينار (2.6 ألف دولار)، وقد كشف تقرير دائرة المحاسبات أن تونس مطالبة بتسديد ألف مليون دولار سنوياً، بداية من عام 2020 إلى غاية 2025.