العقوبات الأميركية على إيران ... تجفيف موارد التمويل وهواجس حفظ التوازن في سوق النفط

السعودية تقود التنسيق لتفادي أي خلل بسبب إنهاء واشنطن جميع الإعفاءات التي كانت قد منحتها لثماني دول في التعامل مع طهران

إنتاج إيران النفطي بقي عند أدنى مستوياته المسجلة مطلع 2015، البالغة 2.74 مليون برميل يومياً، مدفوعاً بالعقوبات الأميركية (رويترز)

من المنتظر أن يشهد الثاني من مايو (أيار) المقبل تطبيق "أقصى الضغوط" الأميركية على إيران، حيث أعلنت واشنطن إنهاء كل الإعفاءات التي كانت منحتها لثماني دول لمواصلة شراء النفط الإيراني، حتى ولو أدّى الأمر إلى توتر مع دول حليفة، حسب ما أعلنت واشنطن، حيث  جاء في بيان للبيت الأبيض أن الرئيس دونالد ترمب ينوي بذلك التأكد من أن "صادرات النفط الإيراني ستصبح صفرا"، وبالتالي "حرمان النظام من مصدر دخله الأساسي".

ولن تكون هذه العملية سهلة على الصين التي تجري حاليا مفاوضات تجارية حسّاسة مع واشنطن، ولا على الهند التي تستورد 10 % من حاجاتها النفطية من إيران، مع العلم بأنها حليف استراتيجي للولايات المتحدة وثالث مستورد للنفط في العالم. ونقلت الوكالات عن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو قوله بلهجة تحذيرية "في حال لم تتقيّدوا فستكون هناك عقوبات"، مضيفا "نحن عازمون على تطبيق هذه العقوبات".
وأعربت تركيا وكوريا الشمالية عن الأسف الشديد لصدور هذا الموقف الأميركي، مع العلم بأن البلدين يعتبران من حلفاء الولايات المتحدة.
وقال وزير الخارجية التركي، مولود تشاوش أوغلو، الذي تشهد علاقات بلاده أصلا توترا مع الولايات المتحدة "لن نوافق على عقوبات من طرف واحد، ولا على قيود على طريقة إدارة علاقاتنا مع جيراننا". في حين وعدت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية بمواصلة "بذل كل ما هو ممكن للحصول على تجديد للاستثناءات". أما الهند التي تعتبر من أهم مستوردي النفط الإيراني وتحتفظ بعلاقات دافئة مع واشنطن، تختلف معها على إصرارها بأن إيران تشكل تهديدا، فقالت إنها "تدرس تداعيات هذا القرار"، وفق مصدر هندي رفض إعطاء مزيد من التفاصيل. ووصفت إيران مجددا العقوبات الأميركية بـ"غير القانونية".

وكانت الولايات المتحدة وافقت على منح ثماني دول استثناءات لمدة ستة أشهر، باعتبار أن السوق النفطية يمكن أن تتأثر في حال تقرر بشكل فوري وقف شراء النفط الإيراني.
إلا أن واشنطن أعلنت أن "الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، وهي من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، بالتعاون مع أصدقائنا وحلفائنا، ستلتزم العمل بما يتيح بقاء الأسواق النفطية العالمية مزودة بما يكفي من كميات من النفط". وأعقب ترمب هذا البيان بتغريدة على "تويتر" وعد فيها بأن تعمل الرياض مع دول أخرى من منظمة أوبك "على القيام بما هو أكثر من تعويض النقص" في النفط المعروض للبيع لدى وقف شراء النفط من إيران.
كما أعلنت الحكومة السعودية استعدادها للعمل على بقاء السوق النفطية مستقرة، مع العلم بأن سعر برميل النفط سجل ارتفاعا فور تسرّب معلومات صحافية عن وقف الاستثناءات للدول الثمانية.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ"إندبندنت عربية"، فإن السعودية، وهي أكبر مصدّر للنفط بالعالم، ستقود تحالفاً يضم الإمارات والولايات المتحدة، للحفاظ على توازن الأسواق النفطية بعد التطبيق الكامل للعقوبات الأميركية ضد إيران. وأكدواعلى قدرة السعودية والإمارات على ملء الفراغ الذي سيتركه غياب النفط الإيراني عن السوق العالمي بعد أن أنهت الولايات المتحدة الإعفاءات الممنوحة لبعض مشتري النفط من طهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرّر عدم تمديد الإعفاءات التي تتيح لبعض مستوردي النفط الإيراني مواصلة الشراء دون مواجهة عقوبات أميركية عندما يحل أجلها في مايو (أيار).

وأضاف البيت الأبيض، في بيان أمس، أن الولايات المتحدة والسعودية والإمارات اتفقوا على التحرك في الوقت المناسب بما يكفل تلبية الطلب العالمي مع حجب النفط الإيراني عن السوق بشكل كامل. ويهدف هذا القرار إلى الوصول بصادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، وحرمان النظام الإيراني من مصدر دخله الرئيس.

وشهد الاقتصاد الإيراني ضربة قوية طالت قطاعات النفط والقطاعات المصرفية والمالية في موجة العقوبات الثانية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، الأمر الذي أعاد الاقتصاد إلى حالة من الركود لم تُجدِ السياسات الحكومية في الحد منه.

حينها منحت إدارة ترمب إعفاءات لإيران باستثناء 8 دول من قرار حظر تصدير النفط الإيراني، والتي جاء أبرزها إعفاء الصين بحد أقصى 360 ألف برميل يوميا، والهند بنحو 300 ألف برميل يوميا، وكوريا الجنوبية 200 ألف برميل يوميا، أما اليابان أكثر من 100 ألف برميل، وتتضمن القائمة أيضا إيطاليا وتركيا وتايوان واليونان.

وحسب بيانات منظمة البلدان المصدرة البترول "أوبك"، بقي إنتاج إيران النفطي عند أدنى مستوياته المسجلة مطلع 2015، البالغة 2.74 مليون برميل يومياً، مدفوعاً بالعقوبات الأميركية.

وفي مارس(آذار) الماضي، بلغ إنتاج إيران النفطي 2.69 مليون برميل يومياً، منخفضاً من 2.743 مليون برميل يومياً فبراير (شباط) الماضي.

وفي أول تعليق سعودي رسمي بعد بيان البيت الأبيض حول إعفاءات النفط الإيراني، أكد بيان وزارة الطاقة السعودية على مواصلة السعودية سياستها الراسخة، والتي تسعى من خلالها إلى تحقيق الاستقرار بالأسواق في جميع الأوقات، وعدم خروجها من نطاق التوازن.

وتعد السعودية أكبر مصدر للنفط الخام في العالم، وتأتي ثالثا في حجم الإنتاج بعد كل من الولايات المتحدة الأولى بنحو 12 مليون برميل يوميا، وروسيا ثانيا 11.3 مليون برميل يوميا، مما يعطي الدولة العربية القدرة على فرض نوع من التوازن بين العرض والطلب، وبالتالي عدم دخول العالم في أزمات اقتصادية بسبب النفط.

وكان وزير الطاقة السعودي، خالد الفالح، أكد أمس أن السعودية تتابع باهتمام التطورات في أسواق النفط عقب البيان الأخير الصادر عن الحكومة الأميركية بشأن العقوبات المفروضة على صادرات النفط الإيراني. وقال الفالح إن "بلاده ستقوم بالتنسيق مع منتجي النفط الآخرين من أجل التأكد من توفر إمدادات كافية من النفط للمستهلكين، والعمل على عدم خروج أسواق النفط العالمية عن حالة التوازن".

وتابع الوزير "خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستقوم السعودية بالتشاور الوثيق مع الدول الأخرى المنتجة للنفط، والدول الرئيسة المستهلكة للنفط، بهدف استمرار توازن الأسواق واستقرارها، بما يحقق مصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء، فضلاً عن استقرار الاقتصاد العالمي ونموه".

من جانبه، أكد د.محمد الصبان، الخبير الاقتصادي والنفطي، على قدرة السعودية والإمارات على تعويض أي فقد محتمل في معروض الخام نتيجة حجب النفط الإيراني، إضافة إلى دول خليجية أخرى مثل الكويت.

وأضاف قائلاً "بطبيعة الحال سينتهي اتفاق أوبك+ مع ظهور بوادر شح أو نقص في الإمدادات العالمية من النفط، وستقوم روسيا وغيرها من الدول المتعاونة مع المنظمة لأوبك بزيادة إنتاجها، وهذا ما سيؤدي إلى تغطية أي نقص نتيجة العقوبات على إيران وفنزويلا".

وتقود السعودية "أوبك +"، المؤلفة من أعضاء المنظمة ومنتجين مستقلين، لتنفيذ اتفاق خفض إنتاج الخام بواقع 1.2 مليون برميل يوميا، بدأ مطلع 2019 وينتهي في يونيو (حزيران) المقبل. وخفضت السعودية إنتاجها النفطي بمقدار 324 ألف برميل يوميا في الشهر الماضي، إلى 9.794 ملايين برميل من 10.118 ملايين برميل يوميا في فبراير (شباط) 2019.

ولفت الاقتصادي السعودي إلى أن "الإنتاج الأميركي وصل إلى 12 مليون برميل يوميا، وفي طريقه نحو الزيادة المتتابعة، وهذا أيضا سيسهم في تخفيض الضغوط على أسعار النفط، وربما تستقر عند مستوى 70 دولاراً للبرميل، وهو مناسب للمنتجين والمستهلكين".

وأفاد الصبان، الذي شغل في السابق كبير المستشارين الاقتصاديين لوزير البترول والثروة المعدنية السعودية، بأن "تلبية الطلب العالمي وتحقيق الاستقرار في أسواق النفط هي مهمة تتميز بها السعودية تاريخياً، سواء في الوقت الحالي أو القرن الماضي، وقد أثبتت عبر مختلف الأزمات أنها قادرة على تعويض أي نقص يحدث في الإمدادات وأنها دائما وأبدا تبقي على طاقة إنتاجية فائضة تستخدم في مثل هذه الأوقات، حيث تمتلك ما لا يقل عن مليوني برميل يومياً، ناهيك  بالطاقة الفائضة لدى بعض الدول الخليجية وروسيا".

السعودية لن تغير هدفها في تحقيق التوازن

وفي السياق ذاته، قال الدكتور أنس الحجي، الخبير في شؤون النفط والطاقة، إن السعودية لن تغير هدفها في تحقيق التوازن بأسواق النفط العالمية، مضيفا "يُتوقع أن تنتظر(السعودية) لترى ماذا يحدث في الأسواق نتيجة وقف الاستثناءات ثم تبدأ بالتدخل"".

وأوضح الحجي أن "تهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز غير مجدٍ للضغط، بخاصة أنها ما زالت تكرّر التهديد نفسه منذ زمن بعيد، وليس لديها القدرة على ذلك، وكل ما تستطيع فعله هو إحداث بعض المشاكل بالمضيق".

ومضيق هرمز أحد الممرات الرئيسة حول العالم في نقل النفط، حيث يمرّ عبره نحو 80% من النفط السعودي، والعراقي، والإماراتي، والكويتي، في طريق التصدير إلى دول مثل الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، والهند، وسنغافورة.

وأفاد الخبير بشؤون النفط بأن قرار وقف الاستثناءات لا يعني وقف كامل لصادرات النفط الإيرانية، لا سيما وأن الإيرانيين أتقنوا اللعب في أسواق النفط بعد سنوات طويلة من العقوبات.

وحول الأثر المتوقع على إيران جرّاء القرارات الأميركية، قال إنه على المدى القصير قد لا يتجاوز الأثر سوى خفض يصل لنحو 3 دولارات لبرميل النفط الإيراني، مقارنة بأسعار السوق وسيتم بيعها بشكل غير مباشر، ولكن الأثر على المدى الطويل كبير جداً لأن كل الخطط الإيرانية في توسيع الطاقة الإنتاجية لن تتحقق.

حسن استخدام المخزونات في الأزمات السابقة

من جهته، قال المحلل النفطي الكويتي، كامل الحرمي إن "السعودية تثبت في معظم الأزمات السابقة قدرتها على حسن استخدام مخزوناتها للحفاظ على توازن السوق العالمي من خلال توفير إمدادات كافية من النفط تلبي حاجة الأسواق".

وأضاف الحرمي أن "السعودية وحدها بإمكانها تزويد السوق العالمية بما لا يقل عن 500 ألف برميل يومياً، والإمارات 100 ألف برميل، فيما قد يصل إسهام الولايات المتحدة الأميركية إلى نحو 700 ألف برميل من مخزونها الاستراتيجي، بالإضافة إلى حجم الخفض الأخير ضمن اتفاقية أوبك+ والبالغ 1.2 مليون برميل يوميا، وبالتالي يمكن تعويض كامل الإنتاج الإيراني".

ولفت المحلل النفطي الكويتي إلى أن "مستويات الأسعار الحالية ستكون مغرية للدول المنتجة لزيادة مستويات الإنتاج وزيادة الصادرات للاستفادة من الزيادات الأخيرة في الأسعار، ما يمثل عاملاً إضافياً لتعويض أي نقص محتمل في الإمدادات".

وقال الخبير الكويتي في شؤون النفط والطاقة، محمد الشطي، إن "السعودية والإمارات قادرتان- بكل تأكيد- على الوفاء بالعجز المتوقع بعد حظر النفط الإيراني من الأسواق".

وأشار الشطي إلى أنه حسب الأرقام المعلنة من منظمة "أوبك" فإن أقصى إنتاج للسعودية وصل إلى نحو 11 مليون برميل يوميا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، مقارنة بـ9.8 مليون في مارس (آذار) الماضي، وكذلك وصل أقصى إنتاج للإمارات 3.3 مليون برميل يوميا في نوفمبر، مقابل 3.1 مليون برميل في الشهر الماضي، وعند جمع فائض البلدين مقارنة بأرقام الإنتاج بين الشهرين نرى القدرة على تغطية النقص بمقدار 1.4 مليون برميل يوميا من النفط الايراني بشكل فوري.

وأوضح أن استثمارات البلدين الضخمة خلال السنوات الماضية في تعزيز الطاقة الإنتاجية ستساعد على التغطية المطلوبة للعجز الإيراني المتوقع بعد تنفيذ العقوبات الأميركية بالكامل.