Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصادفة خلقت تقاطعا بين "مصير" القرطبي و"آغورا" الإسكندرانية

المعركة والعقل في لعبة تقابلات سينمائية بين هيباتيا وابن رشد

مشهد من فيلم "آغورا" لأمينابار (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - صفحة الفيلم)

منذ توسيع ثورة ملالي إيران نشاطاتها التخريبية ونقلها إلى بقية المذاهب الإسلامية عمت عدوى تسييس الدين وانتشار الإرهاب على رقع كثيرة من العالم، كان من المنطقي أن يرتبط هذا الإرهاب السياسي في العالم أجمع بالدين فيسيء إلى الدين وإلى السياسة في آن معاً. والأدهى من هذا أن التطرف الأصولي بات يعتبر التطرف الأساسي وربط بالإسلام وحده مورثاً فكرانيته للسينما والفنون بصورة عامة. ومن هنا بات لزاماً على المبدعين الأكثر إنصافاً العمل على تعديل الصورة وبخاصة التذكير بأن الإرهاب والتطرف لا دين لهما وليسا حكراً على المسلمين. وفي هذا الإطار لا شك في أن السينمائي الإسباني من أصل شيلي أليخاندرو أمينابار كان في المقدمة ولو بفيلم واحد هو "آغورا". ولعل من المفيد قبل الحديث عن هذا الفيلم الذي عرض عام 2009 في دورة ذلك العام لمهرجان "كان" السينمائي وأحدث ضجة كبيرة، أن نعود سنوات عديدة إلى الوراء للوقوف عند حكاية خاصة نجدها على ارتباط بحكاية هذا الفيلم.

 

مسعى عربي مستحيل

تبدأ حكايتنا إذاً في أواخر سنوات التسعين، حين نشر كاتب هذه السطور مقالاً مطولاً عن فيلسوفة مكتبة الإسكندرية وشهيدتها هيباتيا. يومها، فور قراءته المقال، اتصل بنا سينمائي عربي كبير، طالباً تزويده بالمعلومات و"إذا أمكن بملف كامل عن تلك المفكرة". وأعلمنا السينمائي الصديق أنه يفكر في تحقيق فيلم، في مدينة الإسكندرية، عن تلك الشخصية "المنسيّة"، كما قال. زودناه يومها، بما طلب. وبعد عام حين التقيناه وسألناه عن "المشروع"، قال آسفاً وحزيناً إن كثراً نصحوه بالاستنكاف، لأن هذا الفيلم لا يمكن إنتاجه و... طُوي المشروع العربي الذي كان من شأنه أن يثير ضجة واهتماماً كبيرين لو تحقق.

ثم بعد ذلك بما يقرب من عقد ونصف العقد، تحقق المشروع ولكن على يد الإسباني من أصل شيلي أليخاندرو أمينابار، ليتصدى للحكاية نفسها، حكاية هيباتيا، في فيلمه "آغورا" الذي قدم عام 2009، خارج المسابقة الرسمية، في مهرجان "كان". ولعل أول ما يمكن قوله هو أن النتيجة أتت مفاجئة، عصرية، قوية. وتكاد تكون ترجمة حرفية، ليس لحياة هيباتيا، فحسب، بل لفكرها في مرحلة ما قبل الدخول الإسلامي إلى مصر، ويتناول بالتحديد وبصيغة روائية بالغة القوة والعمق، حكاية هيباتيا وحكاية مكتبة الإسكندرية، بين أمور أخرى عديدة يقولها مبرزاً أن العرب المسلمين لم يكونوا هم من أحرق المكتبة ودمرها، فهي محيت قبل ذلك بكثير، بيد التعصب... الديني بخاصة، الذي يأتي فيلم "آغورا" ليقول إنه وباء لا دين له ولا فكر، ويكاد يكون بلا وجه.

الجمهور الجاهل لا يرحم

هذا التأكيد يبدأ مع العنوان الذي اختاره أمينابار (صاحب "افتحوا عيونكم" و"الآخرون") لفيلمه: "آغورا"، وهي كلمة إغريقية تعني، في آن معاً الساحة العامة، والجمهور الذي يقاد كالخراف خلف أي خطيب مفوه، أو خلف أي مالك لإيديولوجيا يبثها وسط ذلك الجمهور. ونعرف، سيكولوجياً، أن من هذه الكلمة اشتق مصطلح "آغورا فوبيا" الذي يعني "رهاب الجموع". ولن يكون خروجاً عن الموضوع أن نقول إن الفيلم يترجم حرفياً - أيضاً - هذا المصطلح، ما يجعله يتسم بتلك الحداثة التي تظهره واضعاً الأصبع على الجروح العميقة لأيامنا الحاضرة.

تجري أحداث الفيلم حوالي القرنين الميلاديين الرابع والخامس، حيث كان العلماء والفلاسفة، من ورثة الفكر اليوناني، أقاموا حضارة فكرية لا مثيل لها، جاعلين من المكتبة مدرسة ومختبراً ومركز بحث علمي، يهتم بالتقدم والتطور الفكري، من دون أن يكون مهتماً أول الأمر بمعرفة إيمان العاملين فيه أو الطلاب. ومن بين علماء المكتبة كانت هيباتيا، الحسناء التي اختارت الفلسفة العملية وتدريسها لطلابها، هدفاً لحياتها، تحت رعاية أبيها المفكر المبجل تيون.

التعصب ضد الانسجام الفكري

كان ثمة انسجام داخل المكتبة التي كانت تعيش في عزلة عما حولها. أما ما حولها فكان بدايات المسيحية، وتهديدها اليهودية، وصراع الإثنتين مع أديان الآلهة القديمة، لكن الأمر تبدل بعدما كان الصراع يتخذ أول الأمر طابع السجال الحاد في "الساحة العامة" غير بعيد من المكتبة. ولكن، ذات يوم، يتبدل ذلك كله، ويبدأ الصراع الدموي ينذر بالخطر ليرينا بسرعة آثار الصراع: خوف طرف من آخر، يدفع الجموع، بتحريض قادتهم ولا سيما رجال الدين المتنوعين، إلى التدافع ضد بعضهم بعضاً. تبدأ الكراهية كواجهة للتعصب الديني والطائفي. وعلى الرغم من أن الأديان تنادي، مبدئياً، بعكس ما يحصل، تهجم الجموع على الجموع، وتهجم على المكتبة تحرقها وتدمرها وتطرد علماءها بمن فيهم هيباتيا. أما طلاب هذه الأخيرة، فينقسمون بدورهم، مسيحيين ويهوداً ووثنيين وما إلى ذلك. ومن بينهم اثنان مغرمان بالعالمة، سرعان ما يصبح واحد منهما أداة في يد "المسيحيين" الطالعين بقوة، والثاني حاكماً للمدينة لانتهازيته. أما بقية الحكاية فتتأرجح بين هيباتيا وعاشقيها السابقين، حتى اللحظة التي يحكم عليها بأنها ساحرة، لأنها ابتكرت نظريات علمية لن تعرفها البشرية إلا بعد 12 قرناً من ذلك على يد كيبلر وتكون النتيجة أن تعدم هيباتيا على يد أحد عاشقيها من دون أن يتمكن حبيبها الآخر الحاكم من إنقاذها لانتهازيته. بينما يجنبها حبيبها الآخر القتل رجماً إذ يخنقها بيديه. هذا الجانب الذاتي من الحكاية، ليس كبير الأهمية في الفيلم طبعاً. فالمهم بالنسبة لنا أننا هنا نجد أنفسنا أمام عمل يحزننا أنه ليس مصرياً، لأن مثل هذا الفيلم كان يجب أن يبدع في مصر (صوّر في المغرب كما يبدو) وبأيد مصرية. ومع هذا يمكننا القول إنه، بعرضه، بدا كأنه يمثل مصر خير تمثيل، مصر كما يجب أن تكون على الأقل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تكامل مع "مصير" يوسف شاهين

وهنا، على ذكر مصر لا بد من التوقف عند أمر يلفت النظر بشكل جدي. فالحال أن مشاهدة "آغورا" تفرض على المرء أن يسترجع في ذاكرته ذلك الفيلم المصري الكبير الذي كان قد حُقق قبل "آغورا" بدزينة من السنوات وعرض مثله في إحدى دورات مهرجان "كان" إنما في المسابقة الرسمية هذه المرة. ونعني به فيلم "المصير" للراحل يوسف شاهين.

فالحقيقة أن المقارنة بين الفيلمين تجعلنا نرى كلاً منهما أشبه بمرآة معكوسة للفيلم الآخر، وفي بعض النقاط، إلى حد التطابق المثير للدهشة. وفي مقدمة ذلك أن "آغورا" يدور في الإسكندرية وحققه إسباني من أصل شيلي يعيش في قرطبة التي تدور فيها أحداث "المصير" من إخراج الإسكندراني شاهين. بطلة "آغورا" عالمة تعتمد العقل وتمضي وقتها منصرفة إلى شؤون الفكر وتعليم تلامذتها ومن بينهم أبناء سياسيين، وبطل "المصير" الفيلسوف ابن رشد، يعتمد العقل في تفكيره ويعلم أبناء الملك الأندلسي. والإثنان معاً يسيران عكس التيار في نظرتهما العلمية إلى العالم وبالتالي يجدان نفسيهما في مواجهة الجماهير بقدر ما يواجهان السلطات السياسية. وذلك في بيئة يعتمد الجماهير ومتطرفوها القتل والإيذاء الجسدي سلاحاً ضد الفكر الأعزل من كل سلاح... ويمكن للمقابلات بين الفيلمين أن تشغل صفحات أخرى، أما ما يهمنا هنا فهو حداثة الفيلمين معاً ووقوفهما في صف الفكر والعقل على الضد من التعصب والتطرف بتماثل ينم عن أن شاهين كان يضع في باله حكاية هيباتيا مدركاً "صعوبة نقلها إلى فيلم مصري" فيما من المؤكد أن أمينابار كان حين اشتغل على فيلمه الرائع، يضع في باله حكاية ابن رشد وربما أيضاً فيلم "المصير" الذي لا ريب أنه كان شاهده في "كان" عام 1997. وبالتالي فإن من غير الممكن لمن حقق فيلم "آغورا" عام 2009 ألا يكون عازماً عن قصد على أنجاز ما يقابله بحيث يتماثل الفيلمان في منطقهما الصائب، بقدر تكاملهما في حكايتيها مع التأكيد على أن الفيلمين معاً أتيا ليتحدثا عن الواقع الراهن الذي نعيشه أكثر بكثير مما يتحدثان عن الماضي، ويحاولان كل على طريقته أن يصوّبا البوصلة في أزمنة اختلت فيها بوصلتها.

المزيد من ثقافة