Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"السفراء" لوحة تعبر عن الصداقة وجمجمة حار فيها المفسرون

هانس هولباين يتجول بفنه بين الشمال الأوروبي وسويسرا وبلاط لندن

لوحة "السفراء" لهانس هولباين (غيتي)

يبدو لافتاً في سيرة الفنان هانس هولباين الصغير، أن فنه الأكثر شهرة يبدو منتمياً إلى الفن الإنجليزي أكثر من انتمائه إلى فنون أوروبا الشمالية، على الرغم من أنه ولد في آوغسبورغ الجرمانية وبدأ عمله الفني في بال السويسرية. والحال أن الربط بين هولباين والعالم الإنجليزي لا يقتصر على التأثرات الفنية والتناغم المذهبي والغوص في الأبعاد الثقافية، بل هو ربط ينبع بالفعل من كون الرجل عاش سنين طويلة من حياته في إنجلترا وارتبط بكبار مفكريها ورجال سياستها إلى حد أنه صار لحقبة الرسام المعتمد في القصر الملكي في عهد الملك هنري الثامن الذي إضافة لاشتهاره بالاقتران بعدد كبير من النساء ما جر عليه غضب الكنيسة وأدى إلى انشقاق لندن عن روما البابوية، اشتهر بحبه لأن يتفنن الفنانون لا سيما الأجانب منهم في رسمه، وكان هولباين ذا الحظوة في هذا المجال لديه. هولباين لم يكتف برسم الملك، بل قام خلال فترة من حياته بمهمة في منتهى الظرف، كان الملك يرسله إلى بعض البلدان الأوروبية مكلفاً برسم بورتريهات لفتيات فيها كن مرشحات ليصبحن زوجات للملك. وكانت تلك الطريقة الأفضل كي يختار الملك المزواج زوجته التالية بالطبع!

فنان بين مفكرين إنسانيين

مهما يكن فإن هانس هولباين (1497 – 1543) المعروف بالصغير تمييزاً له عن أبيه هانس هولباين الذي عُرف بالكبير، لم يقتصر في عمله على رسم الملك الإنجليزي وحريمه. بل رسم كما أشرنا كثيراً من الشخصيات العامة هو الذي كان قد دعي أصلاً إلى لندن منذ العام 1526 للمرة الأولى بناء على استضافة توماس مور، المفكر الكبير الذي كان تعرف على هولباين من خلال صديقهما المشترك المفكر الإنساني الهولندي إيرازموس الذي كان هولباين قد رسم له واحداً من أجمل البورتريهات التي رُسمت لمفكر. وكان من الواضح أن ثمة تناغماً فكرياً أكيداً يجمع بين الأصدقاء الثلاثة إلى درجة يمكن معها القول إن هولباين كان بالأحرى الرسام الشرعي لمفكري البروتستانتية الإصلاحية التي تحلقت في البداية من حول مارتن لوثر في ثورة عارمة ضد بابا روما، لكنها سرعان ما خبت أمام استخدامات للنزعة الإصلاحية حيناً لشؤون الزواج والطلاق (كما كانت الحال مع الملك هنري الثامن) وحيناً للتنافس على السلطة، وفي أحيان كثيرة لدعم ثورة اجتماعية أحدثت تغيرات مدهشة في طبيعة الدين المسيحي وعلاقته بالسياسة والتجارة. ولئن كان هولباين قد عايش كل تلك الأوضاع، ما لا شك فيه أنه لم يخض الصراع مع أحد أطرافه ضد الآخرين، بل اكتفى بجانب إبداعي فكري تمثل في السمات التي حرص في بورتريهاته الرائعة على أن يسبغها على ذوي الشأن الفكري والإبداعي أكثر كثيراً مما كان يفعل في البورتريهات الاجتماعية. وحسبنا للتيقن من ذلك أن نقارن مثلاً بين البورتريه التي رسمها للسير توماس مور وتلك التي رسمها للملك هنري الثامن.

 

وجوه النهضويين الحقيقيين

وإلى هذا قد يكون من المفيد في هذا السياق أن نتأمل، مثلاً، في تلك اللوحة التي تعد الأشهر بين أعمال هولباين وهي لوحته "السفراء" التي سنعود إليها بعد سطور، ولكن قبل ذلك لا بد أن نتابع حكاية علاقة هولباين بإنجلترا. فهو حين دعاه توماس مور إلى لندن أقام فيها سنتين ونيف ليرتبط بعلاقات مع القصر ومع الحلقات الفكرية المتنوعة والتنويرية (في استباق لعصري التنوير الألماني والفرنسي) غير أنه ما لبث في العام 1528 أن عاد إلى بال لإنجاح دعوى كان قد أقامها هناك قبل سنتين لاستعادة أدوات وأملاك أبيه الراحل عام 1524، وما أن تم له ذلك حتى عاد أدراجه إلى لندن وقد تزود هذه المرة بعد مروره بآنفر، برسالة توصية من إيرازموس فتحت له الأبواب عريضة في العاصمة الإنجليزية حيث كان توماس مور في مقدم مستقبليه. ولسوف تكون تلك المرحلة التي وطد فيها مكانته وعمله في عاصمة الإنجليز التي سيبارحها عام 1528 إلى بال مرة أخرى، حيث ارتبط بأعمال تزيينية لبعض الكنائس دون تمييز بين البروتستانتية منها والكاثوليكية، وهو ما شكل عليه مأخذاً من لدن من اتهموه بالتأرجح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسام رسمي للبلاط

مهما يكن، عاد الرجل إلى إنجلترا مرة أخرى في العام 1532 بعد أن بدأت السلطات الإصلاحية في بال تحرمه من عقود العمل. ولسوف يبقى في إنجلترا هذه المرة ما تبقى له من سنوات حياته، أي حتى العام 1543 حين مات بالطاعون الذي اجتاح المدينة، في ما اجتاح حينها من المناطق الأوروبية. وبهذا يكون من المبرر ربط هولباين بالفن والمجتمع الإنجليزيين علماً أنه في العام 1536 وبعد سنوات أربع من وصوله للمرة الثانية إلى لندن عين رساماً خاصاً للقصر، هو الذي لا بد من ملاحظة أنه بدلاً من أن يتأثر بالفن الإنجليزي مارس أثراً كبيراً على هذا الأخير، بحيث مهد بالتأكيد لذلك الدور المشابه الذي سيلعبه مواطنه فان ديك في إنجلترا نفسها وبسيرورة مشابهة بعده بقرن.

قلنا أعلاه إن "السفراء" كانت وتبقى الأشهر بين لوحات هولباين. وهذه اللوحة التي كرسها عام 1533 لتبقى في فرنسا موطن الشخصين المرسومين فيها، لكنه رسمها في إنجلترا كما حال معظم لوحات تلك المرحلة وتعد أنضج وأجمل لوحات هذا الفنان الذي أوصل فنه خلال سنواته الأخيرة إلى ذروة في القوة والتجديد، تعد العمل الذي أوصل فيه رسامنا فنه إلى ذروته تعبيراً فكرياً وجمالياً، وأتت تتويجاً لمرحلة أكثر فيها هولباين من تحقيق بورتريهات كان من الواضح أنه يحاول فيها أن يسير على خطى سلفه الإيطالي رافائيل في التعبير عن "رجل النهضة الحقيقي". ولئن كان رافائيل قد وجد ضالته في شخص بلداسار كاستليوني صاحب كتاب "رجل البلاط" الذي كان يعد في زمنه الدليل المثالي للسعي إلى أقرب الناس إلى الكمال، فرسمه بين عامي 1514 – 1515 في ذلك البورتريه المدهش الذي حمله بنظراته وسماته ولفتته وجلسته وثيابه كل ما يعبر عن إنسانيته الرفيعة وأخلاقه الأكيدة، كان دأب هولباين أن يرسم عديداً من الشخصيات التي من شأنها أن تنافس كاستليوني مكانة ومهابة ورافائيل نفسه في قوة تعبيره والتقاطه ما هو إنساني حقاً في داخل الروح. ولا شك إنا لو تمعنا، مثلاً، في البورتريه الشهير الذي رسمه هولباين للسير توماس مور الذي أشرنا إليه أعلاه سندنو عميقاً من التقارب بين الشخصيتين في التأمل الإنساني وصفاء الروح. ومن الواضح هنا أن هولباين بعدما أكد ذاته وتقاربه مع رافائيل في لوحة توماس مور وغيره، انطلق في "السفراء" متجاوزاً ذاته وفنه في بورتريه مزدوج لم يكتف بأن يجعل منه تعبيراً أخلاقياً وروحياً، بل زينه بأفكار عبر عنها بأشكال متنوعة.

الموت في انتظار الجميع!

وفي البداية لا بد أن نشير إلى أن "السفراء" لم تكن اللوحة الأولى التي تحمل بورتريهاً مزدوجاً، لكنها كانت الوحيدة التي حملت من العناصر وتفاصيل "الإخراج" ما تعجز عن حمله أية لوحة أخرى. فلئن كان الموضوع هنا يتحدث عن الصداقة بين السفيرين الفرنسيين الشابين جان دي دانتيفيل وجورج دي سيلف وكان كل منهما في ثلاثينياته حين التقيا في لندن وقام هولباين برسمهما تخليداً للحظة اللقاء، فإن ما بين ثنايا اللوحة يبدو أعمق من ذلك كثيراً بدءاً من الحديث عن الموت معبراً عنه بعديد من التفاصيل كالجمجمة الملقاة على الأرض كأنها تطير في الهواء وصولاً إلى وتر الماندولين المقطوع والجمجمة الأخرى التي تزين قبعة أحد السفيرين... وصولاً إلى الإشارة إلى اهتمامات مشتركة بين الصديقين تتعلق بعلوم الفلك والرياضيات والموسيقى وهواية الكتب، وهي كلها أمور دأب الباحثون على سبرها سنوات وسنوات. بيد أن الأهم يبقى ذلك "اللغز" الذي مثلته الجمجمة والذي حار الباحثون في تفسيره إلى حد أن بعضهم اقترح أنه شكل أضيف إلى اللوحة لاحقاً. أما الأكثر عقلانية فقالوا إنه إشارة إلى أن الموت وحده يمكن أن يفرق بين الصديقين! وحتى اليوم لا تزال هذه اللوحة التي يزيد كل من ارتفاعها وعرضها على مترين والمعلقة في المتحف البريطاني، موضوع إثارة ودهشة، مكرسة هولباين كواحد من أعظم فناني النهضة المتعددي الأوطان والاهتمامات.

المزيد من ثقافة