Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مخاوف في ميانمار من فصل جديد مع الحكم العسكري

بعد مقتل 18 شخصاً على يد الشرطة خلال الاحتجاجات في الآونة الأخيرة يتحدث سكان من يانغون لـ"اندبندنت" عن قلقهم على مستقبل البلاد

متظاهرون في ميانمار يحاولون السيطرة على عبوة غاز مسيل للدموع أطلقتها شرطة مكافحة الشغب (غيتي)

استيقظت ميانمار في اليوم الأول من فبراير (شباط) 2021 على انقطاع في شبكة الإنترنت: لا وسائط تواصل اجتماعي، ولا تطبيقات، ولا محركات بحث. انقطع فجأة كل تواصل مع الأصدقاء وأفراد العائلة، ومع الخارج، ولم يعد ثمة طريقة لمعرفة ما يجري. ثم ما لبثت الشوارع أن امتلأت بالناس، الذين راحوا يحاولون الحصول على معلومات من بعضهم البعض، مستخدمين أجهزة الـ"ووكي توكي" للتواصل مع أشخاص يعيشون في أحياء غير أحيائهم لاستيضاح ما يحدث.

وكانت خمسة أشهر من الإغلاق (الحجر الصحي) المتواصل بسبب فيروس كورونا، قد شهدت تحول أنشطة حياتية عديدة إلى الفضاء الافتراضي (الإنترنت)، لكن سرعان ما انتشرت الإشاعات والأقاويل بأوساط أرتال المنتظرين أمام المصارف ومتاجر بيع الأرز لتخبر عن سيطرة الجيش على السلطة.

وبالفعل، كان الجيش، في صبيحة 1 فبراير الماضي، قام بخلع أعضاء "الرابطة الوطنية من أجل الديمقراطية" عن الحكم، وهذه الرابطة هي حزب الزعيمة المدنية أونغ سان سو تشي، الذي حقق انتصاراً ساحقاً، بنسبة 80 في المئة، بالانتخابات التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وذلك بعد توليه السلطة منذ 2015. وقد جرى اعتقال أونغ سان سو تشي بتهمة تزعم "حيازتها أجهزة اتصالات غير مشروعة"، وانتهاكها قوانين الاستيراد، فيما أوقف الرئيس أو وين مينت U Win Myint بزعم انتهاكه قيود مواجهة كوفيد 19. وكلاهما (سو كي وأو وين مينت) لم يظهرا بعد منذ توقيفهما.

عن الأحوال الراهنة، وضمن حديث مع "اندبندنت"، يقول نيي إين، البالغ 29 عاماً من عمره، والذي يعمل بمنظمة غير حكومية، إن "ما يحدث فظيع وغير مقبول". يتابع الشاب "شعب بورما (ميانمار) كان قد واجه الأحوال ذاتها في الماضي، ونحن نعلم أن قادة الجيش سيحكمون البلاد خدمةً لمصالحهم وليس مصلحة المواطنين". على أن مخاوف نيي إين هذه تسود في أوساط من يتذكرون تاريخ ميانمار الحديث، كما في أوساط الجيل الشاب. ويردف الشاب قائلاً "ما يحدث يطيح مستقبل جيلنا الطالع، ويجهز على التقدم المتعاظم في البلاد. فأنا لم أحظَ بفرصة متابعة تعليم مقبولاً في سن المراهقة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت ميانمار خلال حقبة الحكم التوتاليتاري (الشمولي) التي قادها الجنرال أو ني وين U Ne Win طوال 26 عاماً، من 1962 إلى 1988، اعتبرت واحدة من أكثر دول العالم عزلة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. فبالإضافة إلى الفقر المدقع، كانت البلاد أيضاً مسرحاً لأطول حرب أهلية متواصلة نشبت بين الجماعات الإثنية والجيش. من هنا فإن شعوراً من الرعب ساد بين الناس حين بدأت أصداء الماضي القريب تتردد في سير الحوادث اليوم.

وفي عام 1988، وتحديداً في شهر أغسطس (آب)، عمت التظاهرات شوارع البلاد احتجاجاً على الظروف المعيشية البائسة، وللدعوة إلى مشاركة أوسع في الحياة السياسية والشروع في الانتقال إلى العملية الديمقراطية. واستتبعت تلك التظاهرات آنذاك بقمع عسكري عنيف خلف 10 آلاف قتيل، وأدى إلى تقليص الحريات المدنية من دون هوادة طوال سنوات، الأمر الذي حرم عديداً من سكان البلاد من أي خيار آخر سوى المغادرة إلى بلدان مجاورة.

واليوم بعد شهر من انقلاب فبراير، تقود "حركة العصيان المدني" Civil Disobedience Movement التظاهرات في الشوارع، وهي تدعو المدنيين والقطاعات الخاصة للمشاركة في إضراب تقوده الاتحادات العمالية ومقاطعة جميع أجهزة الدولة إلى حين الإفراج عن المعتقلين السياسيين وإنهاء الانقلاب العسكري.

أما بالنسبة لمن ينزلون الآن للتظاهر في الشوارع، فإن ذكريات وتجارب جيل عام 1988 تمثل تحذيراً لا لبس فيه من العودة إلى تجربة حكم ذاع صيته في العالم جراء ما ارتكبه من مجازر وحشية وقمع للمواقف والتحركات المؤيدة للديمقراطية.

في ظل تلك الأوضاع القاسية كانت مي هونغ، الشابة التي تملك مطعماً، وتتحدر من إثنية "مون ستايت" Mon State، قد أجبرت على مغادرة ميانمار إلى البلد المجاور تايلاند، بسبب الركود الاقتصادي وحالة القمع التي مارسها جهاز الدولة الأمني، الـ"تاتمادو"  Tatmadaw، إثر اضطرابات 1988.

أما عملية إرساء النظام الديمقراطي جزئياً إثر انتخابات 2015، فإنها لم تستقطب الاستثمارات الدولية فحسب، بل أيضاً ساهمت في عودة المواطنين المستعدين للشروع من جديد في الاستثمار وإقامة المشاريع الاقتصادية في بلدهم. وعلى ضوء هذا الأمر عادت مي هونغ إلى ميانمار مفعمة بالأمل والتفاؤل إثر تشريع أبواب اقتصاد البلاد أمام المجتمع الدولي. وتوضح هونغ في السياق قائلة "عدت إلى بلدي ودياري وفتحت مطعماً".

 وكانت زيادة الاستثمارات الأجنبية المحققة خلال السنوات الخمس الماضية انعسكت إيجاباً على القطاعين الخاص والعام، وساهمت في خلق وظائف وفرص استثمار جديدة للأجيال الشابة. وتقول مي هونغ إنه "مع عودة العسكر إلى السلطة فإنني لا أرى مستقبلاً لمشاريع الأعمال الصغيرة في يانغون، لأن (العسكر) سيقومون مرة أخرى بالسيطرة على جميع قطاعات الاقتصاد واحتكارها".

 

وكان التحول نحو الديمقراطية في ميانمار اتسم بالهشاشة، واستند إلى تطورات العملية السلمية التي تقودها الحكومة المدنية، بيد أنه في الوقت ذاته ساهم في منح الجماعات الإثنية المختلفة فرصاً للاستثمار والنمو في هذا البلد. وعن ذاك الأمر يقول الشاب سو ساي، ابن الـ26 عاماً، وهو جاء من ولاية كاياه للعمل في يانغون، إن الأقليات الإثنية تتمثل وتشارك في التظاهرات. يردف "يمكنكم رؤية عديد من الجماعات الإثنية وهي تشارك في التظاهرات على نحو يختلف من مشاركة الأحزاب السياسية، إذ إن أفراد الجماعات الإثنية يرفعون رايات ملونة وزاهية ويرتدون ثياباً تشير إلى انتماءاتهم الثقافية. إنهم أشبه ببحر من الأزهار الملونة التي تتفتح في حديقة كبيرة". يتابع الشاب "عانينا الحرب الأهلية على مدى سنوات طويلة، وأعتقد أن وضع نهاية لهذه الحرب سيجلب الأمل والسلام والنجاح في المستقبل، وخصوصاً في أوساط جيلنا".

وشهدت شوارع يانغون في ظل الحكومة المدنية التي شكلها حزب سو تشي عودة للحياة الزاهية الملونة مع ظهور الثياب التقليدية المنوعة التي ترتديها إثنيات الـ"تشين" والـ"كاتشين" والـ"كارين" والـ"الشان". كما راحت مطاعم المدينة جنباً إلى جنب تقدم الأطعمة التقليدية الشديدة التنوع. وعن تلك الظاهرة يقول ليان "نظراً لكوني ناشطاً سياسياً من إثنية الـ"تشين"، عندما سمعت بالانقلاب أحسست أن ما حظي به قومي من فرص لتقرير المصير والتمتع بحقوق الإنسان والتعلم قد انتزع منا"، ولكن كثيرين خارج مدينة يانغون، وفي الولايات والمدن البعيدة عن العاصمة، كانوا لا يزالون محرومين في ظل سلطة الحكومة المدنية. وعن الأمر يتابع ليان "إن خسرنا المعركة ولم تنجح التظاهرات، وبقيت على قيد الحياة وخارج الاعتقال ينبغي أن أصبح مقاتلاً في صفوف المقاومة "التشينية" (إثنية التشين) كي أدافع عن شعبي"، وهو في ذلك يلمح إلى السنوات الطوال التي عانت إثنية الـ"تشين" خلالها من عمليات التطهير الإثني إبان الحكم العسكري في ميانمار.

في الوقت الراهن، وبعد أربعة أسابيع من الانقلاب العسكري، ما زال المتظاهرون يملأون الشوارع الرئيسة في مدن ميانمار الكبرى وفي بلداتها، لكن في نواصي تلك الشوارع تتصاعد المخاوف حين يجري التفكير باحتمال فشل الانتفاضة السلمية. وبدأت قوات الشرطة والجيش تقوم بعمليات المداهمة والاعتقال الليلية، فأدرك الناس ما يمكن أن تقدم عليه قوات الـ"تادمادو" (جهاز الأمن في ميانمار) من عنف وأعمال وحشية.

في السياق ذاته تروي داو وين، التي تبلغ اليوم الـ57 من عمرها، والأم لأربعة أبناء، ذكرياتها عن الحقبة السابقة، فتقول "في عام 1988 كنت من بين الذين نزلوا للتظاهر في الشوارع. حينها قام الجيش بقمع التظاهرات عن طريق إطلاق النار على الناشطين وقتلهم. أذكر إقدام قوات الشرطة على إرداء شاب كان يجلس في مقهى للشاي. وبعد ذلك بوقت قصير انضممت وأمي إلى حركة شكلتها ربات البيوت". وقد عايشت داو وين معظم فترات الاضطراب التي شهدتها ميانمار في الآونة الأخيرة. في عام 1988 كانت بعمر الـ23. ومثلها مثل كثيرين غيرها انضمت آنذاك إلى التظاهرات للمشاركة في تغيير مستقبل البلاد، لكنها الآن تشغلها فكرة أن يقوم أبناؤها بالسير على خطاها. فالانقلاب العسكري الجديد دفع جيلاً جديداً من الناشطين إلى التحرك للمطالبة بالإصلاحات الديمقراطية. وما يدعو إليه المتظاهرون بميانمار في الوقت الحالي هو إصلاح الحكومة على أسس الوحدة الوطنية، وحكم القانون، واحترام الحريات المدنية، بدل العودة إلى إحياء تجربة حكم غير ليبرالية ذاع صيتها في العالم بقمع المدنيين والأقليات الإثنية.  

© The Independent

المزيد من دوليات