Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الشاعر باسم فرات يتقصى منابع الاغتراب النفسي والجغرافي

  أوراق الشتات ونثارات الماضي في ديوان "مبكراً في صباح بعيد"

لوحة للرسام وليد نظمي (صفحة الرسام على فيسبوك)

في ديوانه الجديد "مبكراً في صباحٍ بعيد"، الصادر عن سلسلة الإبداع العربي - الهيئة المصرية للكتاب، يواصل الشاعر العراقي باسم فرات قراءة أوراق الشتات، واستلهام أدبيات التمزق والتنقل من مكان إلى مكان، واستحضار نثارات الماضي المنزوي ونوستالجيا سنوات الصبا والشباب في العراق، بعد سنوات طويلة قضاها نازحاً بين الدول، لاجئاً ومهاجراً، بداية في الأردن منذ قرابة عشرين عاماً، مروراً بنيوزيلندا واليابان والإكوادور ومصر، وصولاً إلى السودان.

يقاوم الشاعر الذبول باعتنائه بالبراعم، ويتحدى التبدد بالتشبث برائحة الأرض، والتمسك بفكرة الاخضرار. وإن لم يعد لمثل هذه الفكرة مجال إلا في دفاتر الماضي، فلا بأس عندئذ من الالتفات إلى الوراء، باعتباره مبادرة إيجابية لمحاولة صناعة غد مختلف، وليس فعلاً سلبياً يقود إلى اليأس والانتحار.

على مدار صفحات الديوان، يلوذ الشاعر بحروفه، التي لا يمتلك غيرها، ويتكئ على ذاكرته التي لم يتبق له غيرها كثير، متخذاً منها وسيلة للشحذ والانطلاق، وعيناً إضافية تدعمه في استبصار ما حوله وهضمه، هو "المهووس بمراقبة كل شيء". ففي الإهداء، يعلن إيمانه بجناحين أساسيين لا غنى عنهما في الطيران، هما "الضياء الأبهر" و"المغامرة"، إذ "ليس ثمة ضياع في المغامرة" مثلما يقول في أحد النصوص. وفي آخر قصائد الديوان، يؤكد قناعته بأن لا منجاة بغير الاحتماء بالشعر، "أطرافي أعمدة ملحٍ/ لاذ الأسلاف بالنقش/ ولذت بهذه القصيدة".

ويوازن الشاعر بحنكة في نصوصه بين ما هو محسوب على المكابدة المباشرة والمواقف الحياتية الملموسة في الواقع المعيش المضطرب، وما هو ثقافي معرفي، يجتلبه وعيه بالتاريخ والجغرافيا وإلمامه بمصائر البشر عبر الأزمنة والأمكنة.

محطات ولقطات

لا تنفصل تجربة باسم فرات الشعرية عن تجربته في كتابة أدب الرحلات، ففي دواوينه من قبيل "أشد الهديل" و"خريف المآذن" و"بلوغ النهر" و"أهـز النسيان" و"محبرة الرعاة" و"فأس تطعن الصباح" وغيرها، يستحضر أجواء المدن والأمكنة التي زارها وعاش فيها وتناولها في كتب الرحلات، وإن كان التناول متبايناً في طبيعة الحال.

من ثم، فهذا التناول في أدب الرحلات وصفي وتسجيلي بالكلمة والكاميرا ولا يخلو من تحليل ومعايشة، وهو في الشعر تفاعلي يعكس روح المكان وخرائط البشر ونكهة التاريخ وتأثرات الشاعر بهذه الطقوس، خصوصاً في إطلالاته القصيرة على المدن العراقية، بعد سنوات طويلة من الاغتراب، تغير فيها كل شيء، واحتلت الحرب الأرصفة والنهارات، "مبكراً، في صباح بعيد/ رأيت الفقد يفترش العائلة/ رأيت شبابيك تغتسل بحسرات الوداع/ وبيتنا يخنقه عواء".

في ديوانه "مبكراً في صباحٍ بعيد"، التاسع في مسيرته، يكثف الشاعر محطاته ولقاءاته ولقطاته في المدن التي حط فيها رحاله، سواء في داخل العراق مثل النجف وكربلاء، أو خارجها مثل الخرطوم في السودان والقاهرة والإسكندرية ودمياط في مصر، وغيرها من مدن أميركا الجنوبية ونيوزيلندا.

ومع الإحساس الدائم بالرغبة في الرجوع إلى وطن غائب أو مكان بعيد لم يعد له وجود، تتماهى الذات الشاعرة مع المدن التي تفتقد هويتها وأهلها، وتتحول الأبواب التاريخية إلى معالم ورموز للفقد، وتجسد مطارقها صوت الألم العالي والأنات الحائرة الصارخة، "سيرة المدينة، أحزانها المرمية في الطرقات/ ثمة أبواب تقودك إلى نبع الفجيعة".

هكذا، يهيم في الدروب "شاعر رحال"، كما في عنوان إحدى القصائد، تلكز المدن الألف أحلامه على أبوابها، وتسحق خيبات طفولته في شوارعها وحواريها. ومن أجل القادم من أيامه، فإنه قد يرتكب ذكريات عريضة، بحجم العالم المفقود، والآخر الموازي المنشود.

وفي أعالي البحار، قد تغريه الحوريات الأسطوريات، لكنه حين يمد يديه متعطشاً لينهل، لا يجد غير المنافي الجديدة، والجفاف الذي يأكل المآثر ويطرد الأعشاب والعصافير، ووجه الإسمنت الجامد البارد، والفنادق التي سحقت كل شيء، حتى ساكنيها، والحسرات المربكة المريرة، التي لا تعرف شيئاً عن قطرات الندى وسعفات النخل، "هناك كان مجدي/ في أزقتها نبتت أحلامي/ الشمس في شباكنا الخشبي.. تكتب قصيدة للقمر/ كيف انتصبت الخرسانات الحديدية في المدينة؟!".

مغافلة الموت

وفي هدنة قصيرة من حرائق الأمكنة ورماد الزمن، يقترح الشاعر باسم فرات إمكانية نسيان التوابيت قليلاً، مع أنها والجثامين التي تقطنها سواء، لكن الحروب الطاحنة لا تخلو من استثناءات، فهناك من المحاربين الثمانيين من تمكنوا من مغافلة الحرب، ومبارزة الموت حتى فر هارباً من عضلاتهم المفتولة، ومن جنونهم الذي انتصر على تصورات العقل وتخيلاته.

ولا يكتفي الشاعر بتفقد ملفات الحرب العراقية فقط، وإنما يستقي تاريخ الحروب الكبرى التي شهدتها الإنسانية، في مصر الفرعونية القديمة، وفي العصور الوسطى، وفي القرن العشرين الذي شهد الحربين العالميتين، حتى يومنا هذا.

ومثل هذه الفنانتازيا، التي يستحضرها في واقعة المحاربين الذين يقتلون الموت، وغيرها من الأحداث العجائبية المقترنة بالجدود الأبطال، هي التي تُحول شظايا القذائف إلى سخرية وقهقهة طويلة، وتحفر للوطن نفقاً ليعبر منه آمناً إلى فضاء الأمل، "على شرفات المدينة/ شمس تستيقظ على وقع أقدام جدي/ عائداً من صلاته/ حينها تكتظ أعمدة الكهرباء بالزقزقات/ النسيم في الصباحات/ يدخل أزقتنا معبأ بندى البساتين/ لقد زفه سعف النخيل عريساً".

وتمتد خلايا الجنون إلى القصيدة ذاتها، بوصفها سلاح المجانين، فالشاعر فقط هو ذلك الذي تزهر أوراق الخريف في يده، "حكمة تكبدها الحياة، الطريق إليها لا يوصل، إلا بوضع الجنون والشعر في بوتقة واحدة".

بدورهم، فالماكثون تحت مظلة الشعر، وحدهم، هم القادرون على فتح قلوبهم عارية أمام المجهول، وترميم خرائط البلاد والعباد بتضاريس لا تمزقها الرياح، وردم حفر عميقة، وشطب متاهات وزلازل. والأرض البيضاء، التي تشبه كتف امرأة عارية، التي لا تنبت إلا الشعر، هي تلك المساحة الاستثنائية التي "تجهلها العتمة، ولا يجف نهرها أبداً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تقدم قصائد "مبكراً في صباحٍ بعيد" إجابات قاطعة، بقدر ما تطرح تساؤلات مفتوحة، واحتمالات دائرية، فالإنسان يبقى حائراً ضالاً ما دام مرتحلاً، غير مستقر في مكان، وغير منسوب إلى زمان، "السؤال مبلل بالكلمات والحصى، لا أبواب يسلكها الجواب إليه". على أن بقاء الإنسان محاطاً بالتساؤلات، على ما فيه من تخبط، فإنه يحميه من الانزلاق نحو هاوية الاستسلام والركون إلى القاع المطمئن. 

كذلك، لا تتكئ قصائد الديوان على الكتابة وحدها، بوصفها الآلية الوحيدة الراسخة للتعبير، وإنما تفسح للبياض مجالاً واسعاً لقول المسكوت عنه في الفراغات، وبين ثنايا السطور، بل إن الشاعر يسمي أحد نصوصه "أجمل القصائد"، معترفاً بأن جمالياته مستقاة من بياض الصفحة المراوغ، لا من سواد الحبر القابع في ثقة وسكون، وتلك لعبة الشاعر اللافتة على مدار قصائده المختزلة والمبتورة حد المحو، "أمحو كلمات من قصائدي/ بعضها أترك البياض في الصفحة فقط/ وأنظر إلى المحو ببهجة من كتب أجمل قصائده".

المزيد من ثقافة