"رصاص على كبريت" في فلسطين… علاء البابا يخرج عن سرب المخيم

انطلق الرسام الشاب في أعماله الفنية من رام الله في العام 2010 وتجرأ على ثقافة مجتمعه

الرسام الفلسطيني علاء البابا في مرسمه (اندبندنت عربية)

على الرغم من أن جدران مخيم الأمعري في رام الله متلاصقة وأزقته ضيقة، استطاع الفنان الفلسطيني علاء البابا السفر بخياله الواسع وطموحة الجريء، وأن يطير بأحلامه إلى مكان مختلف عن أحلام أقرانه من أبناء المخيم، عندما قرر ترك الجامعة والاتجاه إلى دراسة الفن عبر ناد للفنانين الصغار، في العام 2002. وما إن تمكنت أنامله الشابة آنذاك من الريشة والألوان، حتى التحق في الأكاديمية الدولية للفنون في رام الله، وحصل على منحة دراسية للفن المعاصر مدتها أربع سنوات. وقبل أن ينهي دراسته فيها كان له مبادرة داخل المخيم، عبر تأسيس مرسم فني صغير ينثر من خلاله الألوان والرسوم على جدران المخيم الباهتة، في مشروع أسماه "عالحيط".

يقول البابا "دراسة الفن المعاصر ليست كالرسم الكلاسيكي، بل تتطلب تواصلاً مع المحيط والبيئة والناس، تواصلاً مع الفكرة والمحيط الذي نعيش فيه. وأنا أعيش في بيئة مخيم ولا بد من طرح الفكرة في مشاريعي الفنية، وأن أعكس هذه البيئة التي عشت فيها، لكن بالمفاهيم التي أدرسها، ومن دون أن أعيش حالة غربة بين دراسة معاصرة للفن وبيئة لاجئة لا أمان فيها ولا أمل. كانت هناك صعوبة بالغة بالدمج بين الفن المعاصر وحياة المخيم. وكلما ذهبت إلى الأكاديمية الدولية للفنون، شعرت بأنني أخرج عن سرب المخيم إلى عالم آخر، بالمضمون والطرح وطريقة الحياة الاجتماعية".

الطريق إلى الكبريت

يقول البابا إن "تجربتي مع الموديل (رسم أجساد نساء عاريات) بدأت في العام 2016. إذ إن جزءاً من دراستي للفن المعاصر كان في إسبانيا. وهناك، كان لدي صف دراسي كامل عن رسم الموديل عارية أمام الطلبة. وكان الأمر مثيراً جداً بالنسبة إلي. فمن المستحيل أن تقبل مدارس الفن في فلسطين بصف دراسي مماثل".

أضاف "بدايةً كان الموضوع مربكاً جداً بالنسبة إلي، وكنت العربي الفلسطيني الوحيد من 150 طالباً أوروبياً. كنت أتساءل دوماً عن نظرتهم إلي كيف ستكون، كوني رجلاً شرقياً وعربياً، وما أراه هو شيء يعتبر من المحظورات والمحرمات في بلدي وديني. وبعد مضي أيام من تكرار عملية رسم الموديل عارية أصبحت بالنسبة إلي كتلة فنية ليس أكثر".

التجربة، وفق البابا، جديدة ومثيرة وفريدة في الوقت نفسه. فعندما عاد إلى فلسطين وظّف ما قام بدراسته في إسبانيا وفرضه على فنه الفلسطيني. يشرح البابا "أعمل على فكرة غير متعارف عليها، وأطرحها في بيئة ليست ملائمة، وهناك صعوبات بالغة في فهمها. لا أطرح فني بطريقة مباشرة، بل أطرح رمزيته. وتجربتي في رسم أجساد نساء عاريات كانت برسم 25 لوحة من وحي خيالي ومن صور وموديلات خارجية. لكني تساءلت كثيراً بعد رسمها، ماذا بعد؟ هل أنفذ معرضاً؟ هل أبدأ بمشروع؟ هل أحتفظ بها داخل استوديو؟ من هو جمهوري المستهدف؟ فخطرت على بالي علب أعواد الثقاب (الكبريت)، فوضعت نسخاً من الرسوم على غلافها الخارجي، وأسميت هذا العمل: رصاص على كبريت. والفكرة هي أن الكبريت قابل للإشتعال وجسد المرأة العارية يشعل الجدل دائماً في مجتمعنا العربي".

وبعدما تجرأ البابا على ثقافة مجتمعه الفلسطيني المحافظ، شارك في سوق شعبية في مدينة رام الله، في العام 2018، ووضع رسومه العارية على 180 نسخة من مشروعه "رصاص على كبريت". والمفاجئ أنها بيعت كلها.

يقول البابا "سمعت كثيراً من التعليقات ورأيت كثيراً من المتفرجين والمستغربين والمستهجنين. فالفلسطينيون يتعاملون مع الأشياء الممنوعة في غالبية الأحيان بسخرية. وعندما أقرر الخروج بلوحات مثيرة لأجساد نساء عاريات إلى الشارع، فعليّ أن أتحمل كل التعليقات. والشيء الذي أعمل عليه عرضة للنقد. ومشروع رصاص على كبريت هو جزء من تعبيري عن الموضوع من ناحية جمالية فنية".

الناس في فلسطين يرون أن الفن ليس مهنة وغير مجد، يقول البابا. ويضيف "رسمت موديلاً عارياً مرة على جدران مخيم الأمعري، الذي أعيش فيه. ووصلني احتجاج من سكان المخيم  بضرورة أن أمسح ما رسمت، ولم أقبل. وبعد أسبوع تقريباً قاموا بمسحها بأنفسهم".

لا أطمح إلى الشهرة

ليس من أولويات البابا أن يكون مشهوراً أو محبوباً. فهو يطرح هذا النوع من الفن في إطار فني وليس صور بورنو. يقول "جربت وغامرت بمشروع رصاص على كبريت لأنه سيثير الجدل، لكن في الأقل قمت برفع الرسوم من تحت الطاولة إلى فوق الطاولة. وفي رأيي، يجب على الفنان أن يطور دائماً نفسه وتقنياته، وأن لا يقف في المكان نفسه وإلا فسينتهي. أريد أن أترك أثراً في مكان ما، فأنا خلقت من تركيبة المخيم واللجوء ولكن ذلك لا يعني أن أكون مشابهاً لتلك البيئة. ولدت ودرست وتعلمت في المخيم وخرجت ونظرت إلى الأشياء بطرائق مختلفة تماماً، وأنا متمسك جداً بتصنيف نفسي في مجال الفن المجتمعي والفن المعاصر".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رام الله هي إحدى المدن المتنوعة ثقافياً، و"هي أفضل من أي مدينة فلسطينية أخرى لعرض الفن بمختلف أشكاله، وهناك مساحة لنا نحن الفنانين"، يقول البابا. يضيف "ليس شرطاً أن تكون متفقاً مع المكان الذي ستعرض فيه. إذ يمكن الفنان أن يكون له وجهات نظر مختلفة ورؤية مختلفة. فالفن ليس محصوراً بسياسة المعارض، والمبدع يجب أن ينثر فنه في الشارع وعلى الجدران وفي كل مكان".

البابا، الذي بدأ من مرسمه الصغير داخل مخيم الأمعري في العام 2010، استطاع الخروج ببضعة مشاريع فنية فريدة كمشروع "مسار السمك" في العام 2016، وقد أنتج  فيه 17 جدارية داخل فلسطين وخارجها، عبّر فيها عن رمزية اللاجئ الفلسطيني الذي فر من بلاده خائفاً كما السمكة، التي تخرج من الماء إلى البر، واضطرت إلى العيش في غير بيئتها.

أما مشروعه الأخير، الذي أعاد فيه انتاج أعمال الفنان الفلسطيني مصطفى الحلاج، فبدأه في العام 2018، ولا يزال مستمراً إلى اليوم، وقد أنتج من خلاله 24 عملاً.

يذكر البابا أن الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد صالح خليل كان أول من تجرأ على كسر محرمات الثقافة الفلسطينية في العام 2008 عندما قدم في معرضه "هندسة الجسد" 40 لوحة تبرز تفاصيل جسد المرأة والرجل، وذلك بعد عامين متتالين من رفض أماكن كثيرة استقبال رسومه.

المزيد من مقابلات