Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تعديلات قانونية لمكافحة الإتجار بالبشر عبر السودان

أجبرت الحكومة السابقة على سن قانون يقضي بإنزال عقوبة الإعدام أو السجن بمرتكبي هذه الجرائم

مبنى وزارة العدل في الخرطوم (اندبندنت- حسن حامد)

على الرغم من توفر العوامل المساعدة على الإتجار بالبشر من خلال السودان بحكم حدوده المفتوحة وكونه دولة معبر لطالبي اللجوء إلى أوروبا عن طريق ليبيا، إلا أنه لم يُسنّ قانون لمكافحة الإتجار بالبشر إلا في مارس (آذار) عام 2014.

ولم يوقف القانون نشاط الإتجار بالبشر لما اعتراه من نواقص مثل الانضمام إلى بروتوكول منع الإتجار بالبشر وقمعه ومعاقبته (باليرمو 2000)، وبروتوكول تهريب المهاجرين براً وبحراً وجواً المكمّل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية وآليات المكافحة الحكومية.

وأجرى مجلس السيادة الانتقالي ومجلس الوزراء في اجتماعهما المشترك الأخير تعديلات على مشروع قانون مكافحة الإتجار بالبشر، والاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة في جميع أنحاء العالم لسنة 1984.

اتفاقيات دولية

ظل السودان موطناً للاجئين من منطقة القرن الأفريقي بسبب الصراعات المستمرة، ومنها الحرب الأهلية الصومالية والحرب بين إثيوبيا وإريتريا، ومن بعدها النزاعات المستمرة حتى حرب التيغراي الأخيرة، واستقر الفارون من جحيم هذه الحروب في مدن شرق السودان، كما توافد عدد من لاجئي وسط أفريقيا وغربها إلى غرب البلد، ثم إلى مدن مختلفة.

 كما ظل معبراً للاجئين إلى أوروبا عبر ليبيا، وإلى إسرائيل عبر مصر. وأسهم هذا الوضع في تنشيط تجارة البشر والأنشطة المصاحبة لها مثل التهريب وغيرها، عبر شبكات ومنظمات تعمل في ولايات شرق السودان مع دولتي إثيوبيا وإريتريا، وفي مواجهة تهديدات اتساع دائرة تجارة البشر كجريمة منظمة في أوساط معسكرات اللاجئين بما في ذلك تبعاتها من الجرائم الأخرى، فإن ديناميكية التصدي لهذه العصابات، أجبرت الحكومة السابقة على سنّ قانون عام 2014 يقضي بإنزال عقوبة الإعدام أو السجن لمدة لا تقل عن خمس سنوات، ولا تتجاوز 20 عاماً على مرتكبي جريمة الإتجار بالبشر.

ولكن اعترض قانونيون ونشطاء في حقوق الإنسان على هذه العقوبة لعدم وجود نص شرعي يسوِّغها، ولكون هذه العقوبة تقع ضمن الجرائم التعزيرية مما سيفتح الباب أمام إقرارها في جرائم أخرى.  وبدا القانون عائداً إلى التاريخ، نظراً إلى بعد السودان عن الاتفاقيات الدولية خلال العقود الثلاثة الماضية، فآخر اتفاقية انضم إليها، كانت في بداية فترة الديمقراطية الثالثة عام 1986 بعد الإطاحة بنظام جعفر النميري العسكري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهي اتفاقية مناهضة التعذيب، التي اعتمدتها الجمعية العامة للأمم المتحدة وفتحت باب التوقيع والتصديق عليها والانضمام إليها في 10 ديسمبر (كانون الأول) 1984 ودخلت حيز التنفيذ في 26 يونيو (حزيران) 1987. أجاز المشروع الحالي الانضمام للاتفاقية، إضافة إلى الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006.

بيئة مهيّأة

 في المقابل، أدى غياب القوانين مع تجاوزات النظام السابق في قضايا حقوق الإنسان وممارسة التعذيب ضد المناوئين السياسيين والمواطنين، إلى استشراء ظاهرة تجارة البشر أمام بصر الحكومة السابقة وسمعها.

فمن ضمن الحوادث الكثيرة، ثمة حادثتان حصلتا على زخم عالمي واسع، الأولى القبض على مجموعة من عصابات البشر اعتادت على الاستفادة من الحرب الأهلية بين شمال السودان وجنوبه واحتجزت  عدداً كبيراً من الجنوبيين ونقلتهم إلى ولاية كردفان المتاخمة للجنوب استعداداً لبيعهم. ولما كان البشير على خلاف مع الولايات المتحدة، فلم يستجِب نظامه لجهود الوساطة التي قادها المبعوث الأميركي جون دانفورث الذي عيّنه الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، لإنهاء الحرب بين نظام الخرطوم والجيش الشعبي لتحرير السودان في الجنوب وإقامة دولة واحدة بنظامَي حكم، تمخّضت عنها اتفاقية نيفاشا لقسمة السلطة والثروة عام 2005. ولغياب سلطة الدولة، تدخّل عدد من شيوخ القبائل لإطلاق سراح هذه الجماعات وإعادتهم إلى ولاية بحر الغزال في جنوب السودان.

أما الحادثة الثانية، فهي إيقاف السلطات التشادية محاولة منظمة  "آرش دو زوي" الفرنسية في أكتوبر (تشرين الأول) 2007 تهريب مئات الأطفال من إقليم دارفور بصورة غير قانونية عبر تشاد ونقلهم إلى باريس للإتجار بهم داخل أوروبا.

هذه الحوادث وغيرها تدلّ على أن المسؤولية في مكافحة جريمة الإتجار بالبشر مثلما تقع على عاتق الحكومة بسنّ القوانين وتفعيلها، فإن من واجبها أيضاً تهيئة البيئة لإنفاذ هذه القوانين وتوعيةالمجتمع، إذ إن ممارسة الإتجار بالبشر لها جذورها التاريخية في المجتمع السوداني، وإن باتت اليوم ممارسة أكثر عصرية  وعابرة للحدود من خلال شبكات إقليمية ودولية.

 آليات التنفيذ

 من جهة ثانية، هذا التشريع بمثابة نافذة جديدة لمحاربة الإتجار بالبشر، لكن يبقى أن نرى ما إذا كان كافياً أو هو بحاجة إلى مزيد من التشريعات والعمليات الكفيلة بإنفاذه.

ومع وضع هذه التعديلات القانونية في الاعتبار بأنها إنجاز يُحسب لحكومة (عبد الله) حمدوك الثانية، لكن ينبغي النظر إلى الإطار العام للدولة الآن وهي في حالة فراغ دستوري، مما يعني أن القوانين التي تُسنّ من دون مجلس تشريعي ستُواجه بالتمييع، إضافة إلى البيئة الاجتماعية والسياسية ومواجهة المواطنين للبطالة والأزمة الاقتصادية، في غياب الإصلاحات السياسية ومحاربة الفقر مما يُعدّ عاملاً مُحفزاً لانتشار الظاهرة والتحايل على القانون.

 كما أن وضع القانون بمعزل عن حقوق أساسية في الدولة، أولها إقامة نظام ديمقراطي يشيع قيم الحرية ويعزّز حقوق الإنسان في الداخل، سيجعله بلا سقف أخلاقي.

كما يتطلب ذلك تأسيس وتمكين آليات المراقبة والمتابعة للعمليات، إذ إن عدم اقتصار جريمة الإتجار بالبشر على ساحة دولية واحدة يوفر انتقال الضحايا واستغلالهم بطريقة غير مشروعة، يستدعي استنفار أساليب أمنية وسياسية داخلية بما يسهم في إنفاذ القانون بمواجهة شبكات التهريب في إطار الجهود الوطنية والإقليمية لمكافحة جرائم تهريب المهاجرين والإتجار بالبشر.

ويستدعي كذلك التركيز على مشاريع التعاون الدولي بين البلدان، فقد ظل السودان لفترة طويلة، خصوصاً في عزلته الطويلة خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير محروماً من التعاون الدولي عموماً، بما فيه المسائل الأمنية.

واقتصر التعاون في مكافحة تجارة البشر بعد طلب السودان من الاتحاد الأوروبي المساعدة للقضاء على هذه الظاهرة، على الاتفاق عام 2016 بين الاتحاد وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان "حميدتي" إبان تبعيتها لـ"جهاز الأمن والمخابرات". ووصلت عمليات مطاردة القوات للمهربين حتى الصحراء الليبية حيث قبضت في عمليات عدة على عصابات تجار البشر وفي معيّتهم مئات الأشخاص. ولم يكن من السهل تطور التعاون إلى تبادل المعلومات وتقاسم الخبرة بين دول الاتحاد الأوروبي وحكومة السودان في ظل نظام البشير. 

نشاط راسخ

 أينما تكون هناك أزمات وضحايا، ثمة مستفيدون، فلا يزال السودان يعاني من عدم القدرة على إحكام الرقابة على الحدود الطويلة والمنافذ المتعددة، خصوصاً في شرق البلاد وغربها، ولم تمنع كل الجهود  عمليات التسلل. فإن أزمة التيغراي ولجوئهم إلى السودان قد يُنظر إليها نظرة إنسانية على المستوى الدولي والمحلي، إلا أنها محفّز رئيس على انتعاش تجارة البشر لعصابات راسخة في شرق السودان، بنت أنشطتها منذ الحرب الإثيوبية الإريترية، واعتاشت على الفارين من النزاعات الإثنية الداخلية في إثيوبيا. وظلت مزدهرة، إذ لم تتوقف العمليات حتى بعد مشاريع التنمية التي قام بها آبي أحمد، لأنها لم تمسّ عمق المجتمع الإثيوبي ولم تغيّر من حالته. 

 وانتقال السودان بعد الثورة من نظام ديكتاتوري إلى أعتاب نظام ديمقراطي هو فرصة لتصفير المشكلات والأزمات ليس على المستوى المحلي وحده، وإنما على الصعيدين الإقليمي والدولي. فقد كان تعاون الاتحاد الأوروبي مع نظام البشير على مضض من أجل الحدّ من تجارة البشر، وشكّل ذلك مصدر إزعاج لتيارات حقوقية عدة. وبرّر الاتحاد الأوروبي ذلك بأن الخلاف مع نظام ديكتاتوري قد يحول دون التعاون لغرض مكافحة الإتجار بالبشر ولكن قد يقود الكف عن ذلك إلى تسلّل تنظيمات إرهابية عبر السودان إلى أوروبا.

ومع ذلك، فإن النظام السابق لم يؤسس من التعاون سياسة مبدئية لمكافحة الإتجار بالبشر، بل كانت أقرب للصفقة منها إلى مسألة الأمن القومي. ومن ثم، فقد بات ملف الإتجار بالبشر أحد أبرز القضايا المعقدة الذي نال مكانة كبيرة من مداولات اهتمام المجتمع الدولي، إذ وُضع في مواجهة مباشرة مع الحكومة الانتقالية.

ولا يكفي تقاسم الحكومة الانتقالية المصالح والأولويات ذاتها مع المجتمع الدولي، بمجرد الإيمان فقط بهذه المبادئ، بل إن التعديلات التي أُجريت على هذه القوانين تضع الحكومة الانتقالية أمام تحدي بناء أساسٍ للمكافحة وترسيخها في الثقافة الشعبية من أجل تثبيت الحلول الكلية الأكثر فاعلية من خلال العمل بهذه التشريعات وفقاً لأسلوب تصاعدي، بدلاً من إقامتها على غير أساس.

المزيد من متابعات