Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل ستسقط صواريخ "إسكندر" الروسية حكومة أرمينيا؟

لا يبدو نقد باشينيان حول فاعلية أنظمتها هجوماً على موسكو فحسب بل مسيئاً لجيش بلاده أيضاً

ملاحظات وانتقادات باشينيان حول فاعلية أنظمة صواريخ "إسكندر" الروسية بدت وكأنها هجوم على موسكو( رويترز)

نفذت أحزاب المعارضة الأرمينية احتجاجات مختلفة منذ 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي 2020 للمطالبة باستقالة رئيس الوزراء نيكول باشينيان، وبدأت التجمعات بالاعتراض رداً على توقيع البيان الثلاثي بين روسيا وأرمينيا وأذربيجان بشأن إقليم ناغورنو قره باغ والمناطق الأذرية المحيطة به، التي كانت تحت سيطرة يريفان حتى وقت قريب. وعلى الرغم من الاحتقان والغضب الشعبي السائد بين الأرمن بعد الهزيمة في حرب قره باغ الثانية، فإن حكومة باشينيان تجاوزت الموجة الأولى في هذه الأزمة، لكن حالة التوتر استمرت في البلاد.

كان باشينيان وصل إلى السلطة عام 2018 عبر ضغوط قوية من خلال احتجاجات شعبية في الشوارع والساحات، أو ما يُعرف بـ"سيناريو الثورات الملونة"، الذي أجبر رئيس الوزراء السابق سيرج سركسيان على الاستقالة، وفشلت المعارضة الأرمينية حالياً في السيناريو ذاته لإطاحة الأول. أما الطريقة الثانية التي يمكن للمعارضة استخدامها في ظل موجة السخط العام المتزايدة، فهي تقديم باشينيان استقالته من خلال البرلمان، لكن حتى اليوم تبدو حظوظ هذا السيناريو منخفضة أيضاً، مع افتقار المعارضة إلى غالبية برلمانية لمصلحة حزب باشينيان نفسه، الذي يمتلك 88 مقعداً من أصل 132.

وتواجه أرمينيا اليوم الموجة الثانية من الأزمة السياسية الداخلية ذات الحسابات الخارجية، ومع أنه لا توجد سوابق لانقلابات عسكرية في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي، إلا أن باشينيان اتهم الجيش بمحاولة انقلاب، بعد مطالبته بالاستقالة من جانب رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الأرمينية.

لم يحدث انقلاب عسكري في البلاد، لأن أي طرف لم يقُم بالتحضير له، علاوة على ذلك، لم يقدّم حتى تاريخ كتابة هذه السطور، أي مسؤول في يريفان ولا أي هياكل أخرى في أرمينيا، أو خارج البلاد أي دليل على نوايا الجيش الوطني لإزاحة السلطة الشرعية في البلاد وتولّي زمام الأمور بأنفسهم.

يمكن القول استناداً إلى ما ورد أعلاه إن مطالبة هيئة الأركان الأرمينية باستقالة رئيس الوزراء لا تزال مجرد دليل آخر على التدهور السريع لسلطته في البلاد، ومؤشراً إلى حالة الانقسام التي تقترب من القوات المسلحة بعد انقسام الشارع بين المعارضة والحكومة، لا سيما بعد دعوة وزارة الدفاع إلى عدم إقحام الجيش في السياسة، إذ جدد باشينيان المطالبة بإقالة رئيس الأركان بعد امتناع الرئيس  أرمين سركسيان عن التوقيع على طلبه الأول لإقالة رئيس الأركان.

وكان رئيس الوزراء قد أدلى بتصريحات في 24 فبراير (شباط) الحالي، حول صواريخ "إسكندر" الروسية، التي انفجر منها فقط 10 في المئة أو أقل خلال استخدامها في حرب قره باغ الثانية، وفقاً له، إلا أن ذلك التصريح أثار سخرية نائب رئيس الأركان الأرميني تيران خاتشاتريان، وأيضاً المتحدث باسم الجيش الروسي، الذي أعلن أنه لم يستخدم صاروخ "إسكندر" واحداً في الحرب الأخيرة. على خلفية ذلك، أقال باشينيان نائب رئيس هيئة الأركان العامة، في صباح اليوم التالي 25 فبراير، فيما دعته هيئة الأركان إلى الاستقالة، وحظيت دعوتها بدعم الرئيس السابق روبرت كوتشاريان، بينما دفعت أحزاب المعارضة أنصارها إلى الشوارع، حيث نصبوا الخيام خارج البرلمان.

وفي وقت دعمت أجهزة الاستخبارات رئيس الوزراء الأرميني، الذي حاول بعد ذلك إقالة رئيس هيئة الأركان العامة أونيك غاسباريان، إلا أن القرار بشأن ذلك يجب أن يوقّعه الرئيس سركسيان، الذي يتخذ موقف المراقب، وهو أقرب إلى الحياد حتى الآن مع امتناعه عن توقيع قرار الإقالة في المرة الأولى. وعلق باشينيان بالقول ان رفض الأخير لا يساعد في حل الوضع الراهن، وإنه يعتزم إعادة إرسال قراره بإقالة غاسباريان إلى رئيس الجمهورية للمصادقة عليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تبدو ملاحظات وانتقادات باشينيان حول فاعلية أنظمة صواريخ "إسكندر" الروسية هجوماً على موسكو، واستفزازاً لها فحسب، بل قد تبدو أيضاً مسيئة للجيش الأرميني، الذي أصبح الحلقة الأكثر ضعفاً من بين الهياكل في البلاد، بعد الخسارة في حرب العام الماضي مع أذربيجان، وعزز هذا الخطأ السياسي الخطير لباشينيان بشكل جذري موقف المعارضة الأرمينية، التي تطالب منذ فترة طويلة باستقالته.

وسارعت تركيا إلى وصف تلك الأحداث بأنها "محاولة انقلاب"، ولفت الانتباه بشكل خاص إلى بيان أنقرة الرسمي الذي أيّد الاستقرار والامتثال للقانون في يريفان، وسمح ردّ فعل الأتراك للمعارضة الأرمينية بأن تعلن أن باشينيان بلا شك "خائن" لبلاده، لأن "ألدّ أعداء" البلاد مهتم بالحفاظ على نظامه، كما عارضت واشنطن أيضاً الجيش الأرميني.

واتصل باشينيان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن الأخير امتنع عن الدعم العلني لحكومته، وقُدّم محتوى المحادثة من قبل الخدمات الصحافية للزعيمين مع اختلاف طفيف، إذ قال موقع باشينيان على الإنترنت إن "الرئيس بوتين أعرب عن دعمه للسلطات الشرعية في أرمينيا، وعن أمله في تطبيع الوضع في وقت مبكر"، بينما لا يوجد على موقع الكرملين على الإنترنت أي إشارة إلى "دعم السلطات الشرعية لأرمينيا"، فقط رغبة لدى بوتين "في الحفاظ على النظام والهدوء في البلد، وحل الوضع في إطار القانون". ويبدو هذا الاختلاف مهماً، لأنه يتعلق بالسبب الجذري للموجة الثانية من الأزمة في 25 فبراير، وهي عبارة باشينيان في مقابلته مع إحدى وسائل الإعلام المحلية، إذ تحدث بشكل مهين إلى حد ما عن أنظمة صواريخ "إسكندر" الروسية الموجودة تحت تصرف القوات المسلحة الأرمينية.

يزداد المشهد السياسي في أرمينيا تعقيداً وغموضاً، وأسباب ذلك مختلفة، أحدها هو أن باشينيان، الذي تولّى السلطة في ربيع عام 2018، وجزءًا كبيراً من الناخبين المؤيدين له يعتقدون أن سركسيان وكوتشاريان، يقع عليهما كذلك اللوم بالهزيمة العسكرية في حرب أواخر العام الماضي، وبالطريقة ذاتها، فهما مسؤولان أيضاً لأنهما لم يتمكّنا من حل مشكلة قره باغ خلال فترة حكمهما مدة 20 عاماً، علاوة على ذلك، فإن باشينيان وأنصاره واثقون من أنه في حال استقال، ستعود السلطة إلى أولئك الذين اندلعت ضدهم الثورة الملونة المناهضة للأوليغارشية والفساد، وكان زعيمها رئيس الوزراء الحالي، وفي هذا أيضاً هناك قدر كبير من الحقيقة.

يبقى القول، ستستمر الأزمة السياسية في أرمينيا نتيجة هزيمة حرب قره باغ الثانية وتداعياتها، ويعرف التاريخ الحديث أن إحدى طرق الخروج من مثل هذه الأزمات، يمكن أن تكون في استقالة القيادة السياسية للبلاد، التي ستتحمّل بالتالي مسؤولية تلك الهزيمة، وهذا السيناريو لم يحدث حتى اليوم.

المزيد من تحلیل