Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصريون يناشدون القلوب الرحيمة دعوة إلى غرفة في "كلوب هاوس"

المؤكد أن التطبيق الجديد خارج إطار الرقابة بحكم كونه قائما على كلام يقال في حينه

يوفّر تطبيق "كلوب هاوس" غرف محادثات صوتية للمستخدمين (أ ف ب)

"إينفيتيشين"، "دعوة" قليلة تمنع بلاوي كثيرة. جد في هزل؟ نعم. لكن الجد طغى على الهزل في بحث أيمن فوزي (28 عاماً) عن صديق كريم أو زميل عزيز أو قريب رؤوف يحتويه ويضمه ويتبناه في "كلوب هاوس"، سيطرت الفكرة عليه، وهيمنت الرغبة على أيامه، ونال الانتظار الطويل من صبره وجلده، يحكي كيف كان يستيقظ من نومه، ليُهرع إلى هاتفه لعل اسمه قد قفز على قوائم الانتظار ونال المراد، وجاء الفرج حين نصحه صديق محظوظ سبقه في الاستمتاع بنعيم الغرف ومتعة الكلام والنقاش بأن يلجأ إلى الطريقة الأسرع، ويناشد أصحاب القلوب الرحيمة من الأصدقاء الذين سبقوه ليتلقى دعوة الانضمام منهم، صحيح أن المسألة كانت صعبة، والاستجداءات والنداءات عبر "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام" كانت متعبة، لكن زميلة عمل بادرت إلى التضحية بإحدى دعوتيها لصالحه.

ملاجئ التواصل الاجتماعي

الصالح العام للملايين في مصر والمصريين في الخارج من سكان الشبكة العنكبوتية، وما تحويه من ملاجئ للتواصل الاجتماعي، دفع بكثيرين إلى الهرولة للحاق بالصرعة الجديدة أو نسمة الهواء العليلة أو غرف اللقاء الحميمة.

حميمية الثمانية ملايين شخص الذين حملوا تطبيق "كلوب هاوس" في خلال أيام قليلة على الرغم من كون التطبيق في طور التطوير تعني أن المسألة ليست مجرد تطبيق جديد أو صرعة عنكبوتية عادية، وبحسب إحصاءات الشركة المتخصصة في البيانات والتحليلات "آب آني"، فقد حمل ما يزيد على 5.3 مليون شخص التطبيق الجديد من بين الأول و16 من فبراير (شباط) 2021.

وعلى الجانب الآخر من الكوكب، يقول المحللون والمفسرون، إن هذا الإقبال الشديد سببه الرئيس ظهور العديد من الأسماء البارزة من أمثال أغنى رجل في العالم مالك شركتي "تيسلا" و"سبيس إكس" إيلون ماسك، ورئيس مجلس إدارة "فيسبوك" مارك زوكربيرغ على التطبيق وفي غرفه.

الكوكب المصري

لكن الوضع يختلف في الكوكب المصري، يقول خالد سامر (56 عاماً)، "وجدت نفسي من دون سابق إنذار في غرفة يناقش الموجودون فيها أصعب قرار اتخذه كل منهم. وعلى الرغم من أنني في البداية سخرت من الموضوع، فإن سماع ما قاله الآخرون دفعني لمراجعة كثير من القرارات التي اتخذتها في حياتي، وظلت الفكرة مسيطرة على تفكيري بعد انتهاء الحوار بأيام. هذا التطبيق يختلف عن بقية التطبيقات"، فمن مكان للقاء أصدقاء المدرسة بعد نصف قرن، إلى وسيلة للعثور على حبيب أو حبيبة بعيداً عن أنوف المجتمع المدسوسة في كل همسة وحركة، إلى ساحة للحراك السياسي، ومساحة لتبادل وصفات الطبخ، ونصائح الأسرة، والكلام عن كل شيء وأي شيء، وأرضية للعثور على وظيفة أو استعراض موهبة أو سب معارضة نظام أو تأييد آخر، والقائمة طويلة.

نزوح كبير وليس كلياً

لكن طول القائمة المتمحورة في مصر بشكل مكثف على "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام" و"سناب شات" و"تيك توك" لم يمنع من نزوح كبير، لم يصل بعد إلى درجة الهجرة، إلى خصوصية وتفرد "كلوب هاوس".

ميل المصريين الفطري بمد يد العون للضعفاء والمساكين ينعكس هذه الآونة في سيل من تدوينات "فيسبوكية" شارحة وتغريدات "تويترية" مفسرة للمقبل الجديد، المقبل الجديد من "سليكون فالي" والمقدرة قيمته بنحو مليار دولار غير متاح إلا بدعوة مسبقة من صديق، وفيه يدخل الأعضاء غرفاً افتراضية يناقشون فيها موضوعات مختلفة لا سقف لها، التطبيق لا يستخدم إلا الصوت ورفع اليد لطلب الكلمة، هو أشبه بمكالمة هاتفية جماعية، صوت فقط من دون صورة، المضيف يقوم بدور المشرف على سير النقاشات، ومن يرد التعليق يطلب الإذن برفع اليد، فإما أن يسمح له المضيف أو المضيفون أو لا يسمحوا بحسب ما يتراءى لهم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجربة اجتماعية أكثر إنسانية

مؤسسا "كلوب هاوس" بول دافيسبون وروهان سيث قالا في تصريحات صحافية عديدة، إن الهدف الرئيس من ابتكار التطبيق "أن يكون تجربة اجتماعية أكثر إنسانية، حيث الاجتماع مع الآخرين والتحدث معاً بدلاً من الكتابة والنشر".

لقاء وكلام، اختيار موضوع للنقاش وكلام، اتفاق وكلام، اعتراض وكلام، كلام وكلام، الكلام في الثقافة الشعبية للمصريين بشتى طبقاتهم وفئاتهم يشكل محوراً رئيساً، الغالبية تحب الكلام، كلام في السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الطبخ، وفي العلاقات، وفي الأمن، وفي مشكلات الحياة اليومية، وفي الفن، وفي الدين، كل الكلام يلقى إقبالاً في الإنتاج والاستهلاك لدى المصريين.

 

قليل من الكتابة

تقول منة حسين (30 عاماً)، إنها تكتفي بقليل من المتابعة لما يرد على "فيسبوك"، "كثيراً ما أقرأ تدوينة لصديقة أو صديق وأجدها مهمة أو مثيرة وأود أن أعبر عن رأيي، لكن مسألة الكتابة لا تستهويني. لذلك يأتي "كلوب هاوس" لمن هم مثلي ليكون الوسيلة المثالية للتواصل الاجتماعي. الكلام سواء لمن يسمعه أو يقوله أسهل مليون مرة من الكتابة والأخطاء الإملائية والمجهود. كما أن الكلام أكثر طبيعية وإنسانية. كلوب هاوس غايتي المنشودة".

الغاية المنشودة هذه الأيام في مصر بين مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي هي تلقي دعوة والانخراط في الكلام، صحيح أن شهوة الانضمام والكلام في مراحلها الأولى، وصحيح أن "كل غربال جديد وله شدة"، أي أن كل ما هو جديد يكون مثيراً في البداية، إلا أن التوقعات تشير إلى أن الملايين من المصريين سيجدون في "كلوب هاوس" حضناً دافئاً لتفريغ شحنات الكلام الزائدة، ومنصة مناسبة لسمع الكلام بعد ما هجر كثيرون كلام برامج الـ"توك شو" المستنفد والموجه، وكذلك وسيلة لاكتساب المعرفة وتوسيع المدارك وربما الاستفادة المهنية والشخصية.

تأخر الضلوع المهني

المؤسسات الإعلامية المصرية لم تنخرط بعد في "كلوب هاوس" بصفة مهنية، وعلى الرغم من بعض الموضوعات التي تحاول استكشاف هذا التطبيق الجديد على شاكلة "كل ما تريد معرفته عن التطبيق الغامض"، و"كيف تدخل كلوب هاوس في خمس خطوات"، وغير ذلك، إلا أن المؤسسات نفسها لم تلجأ بعد للتطبيق لتوسيع قاعدتها الجماهيرية، وهي الخطوة التي سبقتها إليها عدد من المؤسسات الإعلامية في دول الخليج مثلاً.

إلا أن المستخدمين النشطين أسرع من المؤسسات، غرف تناقش قضايا الهجرة، وأخرى تبحث في مسائل العلاقات المصرية الأميركية بعد قدوم الرئيس جو بايدن، ورابعة، تفتح ملف العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وخامسة، تتطرق إلى هامش الحريات السياسية والإعلامية المتقلص، وهنا تتسلل ارتباكات بعضها رسمي، والبعض الآخر غير رسمي ولكنه يظل رسمياً.

الرادار الرسمي

المؤكد أن التطبيق الجديد وبحكم كونه قائماً على كلام يقال في حينه، وخارج إطار الرقابة أو الحجب أو التتبع (حتى اللحظة) موضوع على "الرادار" الرسمي، رادارات أخرى ذاع صيتها وانتشر أثرها في المجتمع المصري على مدار العقود الخمسة الماضية تترقب هذا المقبل الجديد بوجل وتوجس، البعض يسن أسنانه لعله يحتاج إليها لـ"نشر الفضيلة وبث الأخلاق" (كما فعل على "تيك توك" لتتبع ما تقدمه الفتيات)، والبعض الآخر، يتوجس خيفة من أن يعرض مظاهر التدين السائدة لهزة نقاشية أو يمعن في موجات المطالبة بتحديث وتطهير الخطاب الديني الرجعي، وهناك فريق بالطبع يعاني وساوس حماية العادات والتقاليد وصون الخصوصية الثقافية ومنظومة الأخلاق القيمية، وهذا الفريق لم يغير خطابه أو يحدث وساوسه منذ كان يحذر من أثر التلفزيون على تنشئة الصغار وتربية المراهقين، ثم مغبة الـ"فيديو كليب" ودورها في نشر الإباحية وبث قلة الأدب، ثم كارثة الإنترنت وضرورة الرقابة والتدقيق، ثم مصيبة مواقع التواصل الاجتماعي وما يمكن أن تفعله بالفتيات من تسيب وانحلال وضياع المجتمع وتفكك الأسر وخراب الأخلاق.

خراب أم نسمة؟

خراب أخلاقي إضافي في عرف البعض، ونسمة هواء جديدة في عرف البعض الآخر تهيمن على سماء مصر العنكبوتية ومستخدميها، لكنها ما زالت مخملية إلى حد كبير، التطبيق غير متاح إلا لمستخدمي "آيفون" (وربما أندرويد في وقت ما قد يكون قريباً)، وهذا يعني بعداً اقتصادياً وشرطاً طبقياً غير مباشر، وقد بدأ البعض بالفعل يشن حروباً عنكبوتية ساخرة ولاذعة مطالبة بـ"تطبيق عنكبوتي صوتي للفلاحين"، ويشار إلى أن استخدام كلمة "فلاحين" حولها البعض في الثقافة الشعبية المغلوطة إلى وصمة ترتبط بالسذاجة وافتقاد التحضر والرقي.

التحضر والرقي لا يشغلان بال فريق آخر في ما يتعلق بالتطبيق الجديد، فكما جرت العادة على مدار العقد الماضي، ومنذ تفجرت أحداث وحوادث ما يسمى "الربيع العربي" و"رياح التغيير"، يُهرع البعض صوب أي جديد لاستخدامه سياسياً للنيل ممن يناصبهم العداء

تقارير صحافية وفقرات تلفزيونية بدأت تتواتر على منصات إعلامية تناصب الحكومة المصرية العداء أو المعارضة، تصول وتجول في فلك واحد لا ثاني له: هل التطبيق الجديد قادر على إحياء أحداث 25 يناير (كانون الثاني) 2011 وإعادة الحكم لمن فازوا بالانتخابات في عام 2012؟

في هذه الأثناء، تعاني قوائم انتظار دخول غرف "كلوب هاوس" تخمة بشرية، وتجد صفحات مواقع التواصل القديمة نفسها معبأة بكم مذهل من استفسارات مستخدميها لبعضهم البعض عن التطبيق الكلامي الجديد، واستعطافات البعض الآخر للقلوب الرحيمة بحثاً عن دعوة، وتفاخر من نجح في الدخول بغرفة وبراحها وكأنه أصبح من أصحاب الأملاك.