Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هي المسارات المستقبلية للعلاقات المصرية الإسرائيلية؟

القاهرة وتل أبيب تسعيان لتأكيد الشراكة التفاعلية بينهما للإقليم أمام الإدارة الأميركية الراهنة تحقيقا لمصالح استراتيجية لكل منهما

وزير البترول المصري طارق الملا يحضر منتدى غاز شرق المتوسط ​​في القاهرة  (أ ف ب)

جاءت زيارة وزير البترول المصري طارق الملا لإسرائيل لتفتح الباب أمام استشراف مسارات العلاقات بين البلدين في الفترة المقبلة، خصوصاً أن آخر وزير مصري زار إسرائيل كان منذ خمس سنوات، وبالتالي فإن الزيارة وانعكاساتها ستكون موضع اهتمام ومتابعة بل وسيناريوهات جديدة قد تدفع العلاقات بينهما إلى مرحلة أخرى في اتجاهات متعددة.

وترى القاهرة أن تنشيط العلاقات مع الحكومة الإسرائيلية الراهنة مهم لاعتبارات تتعلق بالبعد الاقتصادي في الأساس وليس لاعتبارات سياسية، وهو ما ينقل رسالة بحرص الأولى على تحقيق مكاسب حقيقية ومباشرة من إعادة التواصل في العلاقات بينهما في مرحلة مهمة متعلقة بالوضع الراهن للعلاقات العربية الإسرائيلية، ونجاح الأخيرة في توقيع اتفاقيات سلام مع بعض الدول، وهو ما قد يخصم من مساحة العلاقات المصرية الإسرائيلية، وقد يسحب من رصيدها في العلاقات التاريخية مع تل أبيب، ومن ثمّ فإن زيارة الوزير المصري تبعث برسائل مهمة بأن التعاون المصري ناجح ومستمر، ولم يتوقف عند مساحة محددة، وقد يمتد إلى مجالات أخرى مرتبطة بتوسيع اتفاقية "الكويز" بناء على مطلب إسرائيلي تكرر في السنوات الأخيرة أكثر من مرة وتحفظت على تفاصيله القاهرة، وبالتالي فإن تطوير العلاقات سيتطلب لاحقاً الانتقال من منظومة العلاقات المستقرة إلى مرحلة أخرى من الملفات التي لم يُقترب منها منذ سنوات.

تسعى القاهرة أيضاً للتعامل مع إسرائيل كدولة وليس كحكومة، وهو ما يفسر سلسلة الاتصالات الراهنة التي تمت في أوساط الاقتصاديين، والتركيز على الاستثمار في مجال النفط وأمن الطاقة، وليس بهدف إجراء اتصالات سياسية بمعنى الكلمة، والحقيقة أن مصر لديها تطلعاتها المالية والاقتصادية التي تعمل عليها، وترتبط بتحقيق مكاسب حقيقية، وهو ما يجري من خلال توظيف الإمكانيات المصرية الكبيرة وامتلاكها بنية متخصصة وليس فقط محطتي التسييل في كل من إدكو ودمياط، ومن ثم فإنها تتجه لتكون مركزاً للطاقة في الإقليم، وستدخل في شراكة حقيقية مع الجانب الإسرائيلي لنقل الغاز إلى مصر، ثم إعادة تصديره وفقاً لآليات السوق الدولية من منطقة شرق المتوسط إلى أوروبا، وهو ما يؤكد أن القاهرة تغادر موقع المتابعة للاشتباك الحقيقي مع ما يجري في سوق النفط تجارةً واستثماراً بعيداً عن اتفاقيات السلام، وإقامة علاقات مع إسرائيل بصورة علانية، على الرغم من اتهام القاهرة من دوائر متعددة من أنها تحاول استعادة الأرضية التي افتقدتها بدخول دول عربية على خط السلام الحالي مع الأخيرة، وبدء الاتجاه نحو تنفيذ أفكار السلام الاقتصادي في الإقليم.

وتتابع القاهرة ما يجري من مشروعات تعاون إقليمي، وأهمها مشروع محطات الغاز المقترحة في حيفا وخارجها، وخطوط الغاز الجديدة، وإعادة ربط الموانئ والطرق، وتحديد مسارات نقل البترول والغاز عبر شراكات دولية عربية، وهو ما يعني مصر في الأساس، لتأثيره الحقيقي في قناة السويس وانتقال التجارة من وإلى الخارج، إضافة للمخطط الشيطاني الكبير والمقترح حول خطوط السكك الحديدية من كل من "إيلات، وأشدود، وعسقلان" إلى الخارج، والرسالة أن هناك مخططات ومشروعات تمس مصر وتتطلب سرعة الحركة، وإعادة بناء رؤية للانخراط في سوق الغاز بصورة كاملة، والانتقال من الأقوال إلى الأفعال.

أولويات مطروحة

تتجه العلاقات المصرية الإسرائيلية لمرحلة بناء حقيقي ليس في حوارات الطاقة فقط، وإنما لتكون القاهرة على مقربة من أولويات الإقليم ومصالحه المباشرة، فلا تزال هناك قضايا عالقة مع تل أبيب؛ حيث لم ترسم الأولى حدودها البحرية مع الأخيرة، كما لم ترسم حدودها مع غزة، على الرغم من أنها فعلت هذا مع اليونان ومن قبل قبرص، والرسالة هل تُقدِم مصر على إجراء ذلك وغلق ملف الحدود البحرية مع إسرائيل للتوجه إلى ترسيم الحدود مع قطاع غزة، وقد انتقلت القاهرة إلى مرحلة جديدة من إعادة تقييم حساباتها السياسية بصورة كبيرة إلى مرحلة أخرى أكثر واقعية ترتبط بعمل ثنائي وجماعي؛ أي الانتقال لتطوير منظومة العلاقات الثنائية سواء في اتفاقيات "الكويز" وقوات متعددة الجنسيات والتعاون الأمني، واللوجستي وانتهاء بالنظر في دورية الاتصالات الاستراتيجية بمقتضى كامب ديفيد، التي تجري بصورة دورية بين الجانبين.

كما سيتم التركيز في الأساس على آليات عمل منتدى غاز المتوسط  والمنظمة الإقليمية للغاز كعمل جماعي تسعى القاهرة للتماهي مع طرحه، خصوصاً مع كل من "إسرائيل، واليونان، وقبرص"، وليس بخاف أن الأولى تسعى لتوطيد وجودها في إقليم شرق المتوسط، وقد دخلت في سلسلة من الاتفاقيات مع الثانية والثالثة، أهمها خط الغاز الذي سيصل لأوروبا، والرسالة أن إسرائيل تريد ترتيب الأجواء والعمل من خلالها في الفترة المقبلة، بخاصة أن العلاقات عادت مع أنقرة بصورة جيدة وتمت اتفاقية السلام بين الجانبين، ومن ثم فإن إسرائيل تسعى للدخول بقوة على خط التعاملات الإقليمية، وعينها على مصر التي تستطيع تعويق، بل إفشال ما سيجري إسرائيلياً ما لم يتم الاتفاق بشأنه على المستوى الثنائي،  وهو ما قد يزعج أطرافاً عربية أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما سعت القاهرة لنقل رسالة تفيد بأنها ليست مثل سائر الدول العربية الأخرى، فقد أحدثت توازناً مهماً على مستوى الشكل والمضمون؛ فشكلياً زار وزير البترول المصري طارق الملا إسرائيل ورام الله، ودخلت مصر بقوة على خط الغاز الفلسطيني بقبول إسرائيلي، إذ ترى حكومة الأخيرة أن الانخراط المصري في شأن القطاع سيكون له قيمة سياسية وأخرى اقتصادية، ويأتي في إطار إعادة تنمية وتهيئة القطاع وتحييد دوره وتثبيت الهدنة، وعدم العودة لمرحلة إعادة إطلاق الصواريخ، مع التأكيد على أن إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية الفلسطينية مهم لتأكيد دور الشريك الحقيقي والمباشر والقادر على التعامل مع إسرائيل، وتثبيت ما اتُفق بشأنه.

ويأتي التحرك المصري لاحقاً لنظيره القطري، والأممي والإسرائيلي والفلسطيني بالاتفاق على تطوير محطة كهرباء قطاع غزة بتمويل قطري وقبول إسرائيلي، وشراكة مباشرة من السلطة، وهو ما سيغير من الواقع المتردي للقطاع.

وتسعى القاهرة لاستعادة زمام الموقف السياسي والاستراتيجي على الساحة الفلسطينية، إذ نجحت في جمع فصائلها على أراضيها، وأقر الجميع بدور مصري في إدارة العملية الانتخابية في مايو (أيار) المقبل، الأمر الذي جعل الجانب الإسرائيلي يتيقن من أن مصر قادرة على تحريك المشهد السياسي والأمني والاستراتيجي، وهو ما يتطلب تحركاً مصرياً مقبولاً، ومهما يمكن البناء عليه والتعامل معه بدليل أن القاهرة لم ترفض أي أطروحات للتعامل، ولا تزال تدرس إمكانيات زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو للقاهرة، على الرغم من كل الضغوط المباشرة والمساعي الإسرائيلية المبذولة من قيادات تكتل الليكود؛ لأن زيارة نتنياهو إلى القاهرة ستدعم بالفعل فرص فوزه في الانتخابات، فزيارته للأخيرة سترفع من أسهمه أمام الجمهور الإسرائيلي، بل ستجعل موقفه قوياً في مواجهة صراعه مع الجنرالات في تحالف "أزرق أبيض"، ولن تكون فرص خروجه إلى أبوظبي أو المنامة بديلاً لأن الهدف مصر في الأساس، إذ ستكون فرصة لإعادة المطالبة بسفر الرئيس المصري لإسرائيل وتكرار إنجاز الراحل السادات، وهو أمر سيحتاج إلى مساحة من المناورة التي تملكها مصادر، وترتبط بحدث جلل ومهم؛ تنازلات إسرائيلية كبيرة وإقرار من رئيس الوزراء الراهن بخيار حل الدولتين، ووقتها قد يذهب الرئيس السيسي، خصوصاً أن مخطط الحكومة الإسرائيلية لاستئناف الاتصالات مع كل من "مصر، والأردن، والسلطة الفلسطينية" وارد، حيث تتحدث إسرائيل عن احتمالات قوية بعقد قمة عربية إسرائيلية في شرم الشيخ أو عمان بعد تثبيت نتنياهو في الحكم، أي في بدايات أبريل (نيسان) المقبل، ومن المهم التأكيد على أن القاهرة سيكون لها حساباتها المهمة في هذا السياق.

رسائل مباشرة

القاهرة تريد التأكيد للإدارة الأميركية أنها لا تزال مركز الثقل الحقيقي، وأنها الدولة الأكبر والأكثر اقتراباً من إسرائيل، ومن ثم فإن الانفتاح الذي تأخر سنوات مع تل أبيب يجري الآن بعد سنوات من الابتعاد والاكتفاء بالقنوات الرسمية غير المعلنة، وفي المقابل تريد الأخيرة التأكيد على أنها باتت شريكاً تفاعلياً كاملاً في الإقليم، فهي عضو في منتدى غاز المتوسط والمنظمة الإقليمية، وطرف فاعل وعضو رسمي في التحالف البحري في مواجهة التهديدات الإقليمية، وعضو في التحالف الدولي لمواجهة الإرهاب، وتسعى لتكون عضواً في مجلس البحر الأحمر وخليج عدن، وباتت طرفاً أصيلاً في القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، وبالتالي باتت شريكاً مع الدول العربية التي تعمل في القيادة المشتركة، وتندرج في مسارح عملياتها.

سيناريوهات مطروحة

أمامنا إذن عدة سيناريوهات؛ الأول وهو المرجح، أن تتطور بنية العلاقات بين القاهرة وتل أبيب بصورة كاملة مع عدم المساس بالمنظومة القديمة، بل الإبقاء عليها والسعي للبناء عليها، الأمر الذي قد يدفع بفتح ملف توسيع "الكويز"، والتقدم للقيام بأعمال مشتركة في بعض مسارح العمليات، والانتقال لتكون عضواً في النظام الأمني الشرق أوسطي متعدد الأطراف، ولن تقترب إسرائيل من التقدم بطلب لمراجعة معاهدة السلام، فهذا الأمر ليس على مستوى الأولويات المطروحة، وإن كان سيُركز على العمل في مجال أمن الطاقة ودعم الحركة المصرية في المتوسط مع محاولة التنسيق لإدخال القاهرة كشريك مباشر في بعض الأطروحات الإسرائيلية بالبحر الأحمر وخليج العقبة، مع إعادة التأكيد على أن بعض المشروعات الإقليمية لن تكون على حساب مصر، وهو خطاب إعلامي، وليس سياسياً في ظل ما يخطط له في إسرائيل.

أما السيناريو الثاني، فيتمثل في سعي تل أبيب، وبصرف النظر عن نتائج ما يجري في الداخل الإسرائيلي، فإن هناك قناعات لديها على كافة المستويات مرتبطة بأهمية العلاقات مع مصر في ظل أي سيناريو مطروح، ومن ثمّ فإن تطوير العلاقات معها يُبنى على أسس منهجية حقيقية، ولن يتوقف عند مساحات محددة، وهو ما يجب وضعه في الاعتبار وليس فقط مناقشته من زاوية العلاقات مع دولة إقليمية، ويكفي أن العلاقات مع مصر تحكمها ضوابط ومعايير حقيقية تتجاوز إعادة تكرار اتفاقية السلام، أو قيام مسؤولين كبار في تل أبيب بزيارة القاهرة، أو إعادة تكرار كلاسيكيات العلاقات التاريخية، فالبلدان في حاجة إلى بعضها، حيث تقف قوات متعددة الجنسيات في سيناء، وحيث يتواصل التعاون الاستخباراتي، ويحرص البلدان على دعم الاتصالات المباشرة، ومن ثمّ فإن المرحلة المقبلة من التعاون في مجال النفط والغاز ستولد مناخاً جديداً في مجالات متعددة ومهمة، يجب على إسرائيل التأكيد عليها وعدم تجاوزها.

ويبقى السيناريو المقابل، وهو مطروح في إطار لعبة المقايضات العليا بين البلدين، ودخول مصر في الملف الفلسطيني، وكذلك مسعى إسرائيل للدخول في ملف سد النهضة، مع الاتجاه إلى الشريك الأميركي ليكون متابعاً لما يجري في إطار السلام الإقليمي الذي جرى، وسيتم بين الدول العربية وإسرائيل، ومن ثمّ فإن إسرائيل ستتجه إلى بناء مواقف مباشرة تجاه مصر، وأعينها على مستقبل العلاقات مع مصر، ولكن هذا السيناريو سيكون مرتبطاً بإطار إقليمي أشمل وتوازنات حقيقية وملفات متعددة، ولن يكون ثنائياً فقط.

المزيد من تحلیل