تراجع الإقبال على سندات الخزينة الأميركية... هل يمهد لركود اقتصادي؟

خبراء: انخفاض موجة الشراء بسبب الخوف من اضطراب الأسواق اتجاه أسعار الفائدة

متعاملون في بورصة نيويورك (رويترز)

قال خبراء اقتصاديون إن تراجع الإقبال على شراء سندات الخزينة الأميركية يعد مؤشراً على اقتراب دخول العالم إلى مرحلة ركود اقتصادي جديدة يتوقع أن تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي في الربع الأخير من 2019.

وكان العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات قد شهد هبوطا إلى أدنى مستوى له منذ  يناير (كانون الثاني)  2018 بعد إبقاء مجلس الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة ثابتة، واقتراحه الإبقاء على أسعار الفائدة كما هي لبقية العام، مما تسبب في تراجع موجة الشراء على سندات الخزانة الأميركية بدافع من مخاوف ظهرت في الأسواق حيال أسعار الفائدة، واحتمالية توجّه البنك المركزي نحو التخلي عن النهج التدريجي الحالي نحو التقييد الذي الذي يتبعه منذ نهاية 2015.

من جانبه، قال وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني السابق والخبير الاقتصادي د. ناصر السعيدي، في اتصال هاتفي مع "إندبندنت عربية"، إن "هناك انخفاضا في عائدات السندات طويلة الأجل مما يعد مؤشراً على تراجع الاقتصاد الأميركي". وأضاف  السعيدي أن "انخفاض عائدات السندات جاء بسبب التغيير في سياسات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تجاه التشديد الكمي (سلسلة من السياسات التي كانت قد اتخذتها الحكومة الأميركية لمواجهة الأزمة المالية العالمية)، مما أسهم في خلق نوع من الضبابية وعدم وضوح الرؤية، وبالتالي خلق نوع من التردد في الاكتتاب مما نتج عنه ضعف في الإقبال على شراء السندات مما يعد مؤشرا على حدوث ما يسمى العائد المقلوب ((inverted yield curve، وهو ما يشير إلى ركود اقتصادي يتوقع رؤيته في الربع الأخير من العام 2019".

 ويعد منحنى العائد المقلوب، وهو رسم بياني يصور العوائد على جميع سندات الخزانة الأميركية التي تتراوح بين الدين قصير الأجل، مثل شهر واحد، إلى دين طويل الأجل مثل 30 عاماً، أندر أنواع منحنى الثلاثة الرئيسية، ويعتبر مؤشرا للركود الاقتصادي.

سندات الخزينة الأميركية

وكان بنك الاحتياطي الفيدرالي قد خفّض توقعاته الاقتصادية للاقتصاد الأميركي، وقال إنه يعتزم إنهاء برنامجه لتخفيض السندات والأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري التي يحتفظ بها في ميزانيته العمومية. في حين ترجم المستثمرون الخطوة على أنها أكثر تحفظاً مما كان متوقعاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وطبقا لـ "بنك أوف نيويورك ميلون"، فإن الحراك في عوائد سندات الخزانة، والذي شهدناه أخيرا، يشير  إلى مدى تراجع توقعات التضخم وكيف تغيّر تفكير مجلس الاحتياطي الفيدرالي بشأن هدف التضخم البالغ 2% في الأشهر الأخيرة.

ويشير البنك إلى أن عائدات سندات الخزانة المتوسطة والطويلة قد تأثرت بالزيادة المادية في ديون الخزينة، من 15 تريليون دولار إلى 16 تريليون دولار. وأسهمت الزيادة في المعروض من سندات الخزانة الأميركية في زيادة انتشار العائد بين الديون الحكومية الأميركية وغيرها من الجهات المصدرة العالمية ذات الجودة العالية، مثل السندات الألمانية على سبيل المثال، مع توقعات أن يستمر هذا الاتجاه في عام 2019.

سندات الخزانة المحمية من التضخم

ولعل الأسوأ  أداءً عند الحديث عن سوق السندات هو سوق سندات الخزانة المحميّة من التضخم، وهي سندات وُجدت لحماية المستثمرين من الآثار السلبية للتضخم، وهي استثمار منخفض المخاطر إلى حد كبير منذ دعم الحكومة الأميركية له، ويعزى انخفاض سوق سندات الخزانة المحمية من التضخم إلى انخفاض أسعار السلع، ولا سيما النفط. في حين سجلت سندات الشركات، من فئة الاستثمار والعائد المرتفع، أسوأ عام لها منذ عام 2008.

وعلى الرغم من زيادة ربحية الشركات وانخفاض المعروض في الإصدار الجديد، إلا أن فروق أسعار السندات ذات العائد المرتفع ارتفعت بشكل كبير. فقد انخفض إصدار الإصدارات الاستثمارية من 1.4 تريليون دولار إلى 1.2 تريليون دولار، في حين انخفض الإصدار المرتفع العائد بأكثر من 40٪، وهو ما كان ينبغي أن يكون داعماً لفروق العائد. ومع ذلك، أصبح الطلب سلبياً للغاية خلال الربع الأخير من العام 2018، حيث أصبح المستثمرون قلقين بشكل متزايد بشأن تأثير تباطؤ النمو العالمي وضعف أسعار النفط على ربحية الشركات.

خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام، تجاوزت عمليات استرداد الصناديق المشتركة من صناديق سندات الشركات أكثر من 60 مليار دولار، وهو أعلى مستوى منذ الركود العظيم.

ويبدو أن الاحتياطي الفيدرالي ينتقل من وتيرة ربع نقطة للتشديد إلى وتيرة نصف سنوية، حيث أن معدل الأموال الفيدرالية قد انتقل من 0 ٪ في أواخر عام 2015 إلى ما يقرب من مستوى أكثر حيادية اليوم. هذا يعني أنه ستكون هناك حاجة أقل لزيادة أسعار الفائدة قصيرة الأجل في عام 2019 وما بعده. ورجح "بنك أوف نيويورك ميلون" أن يتجه الاحتياطي الفيدرالي إلى الزيادة مرتين فقط في عام 2019، حيث ينتقل من الزيادات الفصلية إلى الزيادات النصف سنوية. ومع ذلك، نظراً لتزايد عدم اليقين الاقتصادي المحيط بالتجارة والضوضاء الجيوسياسية، لن نفاجأ إذا قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بزيادة المعدلات مرة واحدة فقط- أو عدم زيادتها على الإطلاق  خلال عام 2019.

 ودعا "بنك أوف نيويورك ميلون" إلى الإبقاء على أسعار فائدة متوسطة وطويلة ضمن النطاقات الأخيرة التي عقدت خلال السنوات القليلة الماضية، مرجحاً أن تظل الخزانة القياسية لمدة 10 سنوات بين 2.25 ٪ و3.25 ٪، بما أنه لا يدعو إلى منحنى العائد المقلوب بالكامل (بناءً على الفرق بين عائد 30 عاما أقل من عامين) كحالة أساسية. لكنه توقع حدوث ذلك في أواخر عام 2019 إذا قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بزيادة أسعار الفائدة بشكل أكثر قوة، مشيرا إلى حدوث زيادة في فروق الائتمان بالفعل من الناحية المادية، داعيا إلى مزيد من الاستقرار في عام 2019، مشيرا إلى أنه من شأن مزيج من فروق الائتمان المستقرة الأكثر تواضعا وأسعار الفائدة المحددة المدى أن تحقق عوائد إجمالية متواضعة للدخل الثابت في عام 2019.