Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شباب "يهجرون" الوظيفة صوب "حلم" المشاريع الخاصة

خريجو جامعات يعملون بغير اختصاصاتهم بسبب انعدام الفرص أو طمعاً بحياة أفضل

"هجرة" الشباب صوب الأعمال الحرة والمشاريع الخاصة تساعد في الربح المادي (غيتي)

بين دافع "الرغبة" وملجأ "الأمان" يتوه كثير من الشبان العرب داخل متاهة البحث عن مصدر للعيش الكريم، وتأسيس مستقبل مستقر وواعد.. فهل تكون "الوظيفة" في القطاع الحكومي أو الخاص هي خشبة الخلاص، أم أن المشروعات الشخصية هي جواز العبور المأمون؟

بين هذه وتلك، لا يملك الشاب حق الاختيار أو ترفه. فالوظيفة غالبا حلم عصي دونه عقبات كثيرة ليس أصعبها "الواسطة". وتأسيس مشروع خاص يبدو مثل رحلة مفعمة بالآمال فوق طريق مكتظ بالعقبات.

فهل يقبل الشاب بالمتاح، أم يسعى وراء البديل؟ وقبل هذا وذاك، هل المتاح متاح، وهل البديل جاهز؟

في هذا التحقيق عدد من الشبان العرب يجيبون عن الأسئلة:  

تزايد "الهاربين" في الجزائر من الوظيفة بحثاً عن "الحرية المالية"

لم يعُد الشاب الجزائري يفكر كثيراً في الحصول على وظيفة حكومية أو إدارية، نظراً لقلة فرص التوظيف في المؤسسات على خلفية الظرف المالي الصعب المتأثر بهبوط أسعار النفط.

ودفع هذا الوضع الجيل الجديد إلى التوجه نحو المشاريع الخاصة على الرغم من صعوبة مسارها، في ظل مناخ بيروقراطي لا يُشجع على بعث الاستثمارات"، كما يقول الخبراء.
ومن دون حرج، يصف خريجو الجامعات في الجزائر الوظيفة بـ "العبودية" أو "السجن"، فهي تحتجزهم في المكتب مدة ثماني ساعات وأكثر، مما يحرمهم من إنجاز مهمات أخرى، وينطبق ذلك على القطاعَين العام والخاص على حد سواء.
وبرأي هؤلاء الشباب، فإن "الوظيفة الحكومية هي السُم القاتل للطموحات ومجرد مضيعة للوقت، إذ تلتهم العمر من دون أن يشعر الإنسان أن حياته مضت بين المكتب والمنزل".
هذه الأفكار الحديثة على المجتمع التقليدي والمكرسة والمشجعة لتأسيس المشاريع الخاصة، تصطدم بجدار العائلة التي لا تزال تُقدر الوظيفة، وتعتبرها دائرة الأمان الوحيدة للمستقبل، فهي استمرار للدخل الذي لا ينقطع، وبالتالي فالراغبون في تغيير هذا النمط إما "كسالى" أو "متمردون" يريدون المغامرة بحياتهم، وفق أوليائهم.

الحرية المالية وترك الأثر

يقول مؤسس شركة برمجيات وتطوير تكنولوجي، عبد مزيام نصرالدين، إن ارتباطه بعالم ريادة الأعمال سكنه منذ صغره، إذ كان هدفه في الحياة تأسيس مشروعه الخاص، وعدم قبول فكرة العمل طوال حياته في وظيفة إدارية.
ويعُود سبب تعلق هذا الشاب الجزائري الثلاثيني بريادة الأعمال إلى بحثه عن الحرية المالية، ورغبته الكبيرة في ترك بصمته في المجتمع، وهو ما لا توفره الوظيفة. ويوضح نصرالدين أن "سبب وجودنا فوق الأرض هو ترك أثر تستفيد منه الأجيال المقبلة، وهي مهمة كل إنسان".  

تكبيل الطموحات والأحلام

في المقابل، يرى حُسام بن سكايم (22 سنة) الذي يستعد لإطلاق شركته الناشئة، أن "الوظيفة الإدارية مُكبلة للإبداع والطموح والأحلام، وتجعل من الموظف إنساناً روتينياً يُشبه الروبوت إلى حد بعيد يقوم بأعمال يومية، كل واحدة منها منسوخة من الأخرى، فتستنزف كل ما تبقى لديه من بصيص إبداع".

وأضاف بن سكايم أن "حلم تأسيس مشروع خاص كان بعيد المنال، كونه يتطلب رأسمال ضخم وتعوقه بيروقراطية لا حصر لها، فاكتفت غالبية الناس بوظيفة ولو بأجر زهيد، لكن اليوم مع التغيرات الحاصلة في عالم المال والأعمال سطع نجم شباب عايش هذه التحولات فتغيرت مفاهيم العمل لديه".
وعبّر الشاب الجزائري عن اعتقاده بأن "هذه التحولات أتت لنا بمفاهيم جديدة لم يكن لها وجود في السابق، وخدمات تُقدم عبر الإنترنت وبمقابل عملات رقمية، تسويق وتجارة إلكترونية، تطوير وبرمجة الويب، وهذه المفاهيم الجديدة دفعت الشباب إلى التفكير جدياً في إطلاق مشاريع خاصة تقدم خدمات عبر الإنترنت، وتكون انطلاقة هذا النوع من المشاريع برأسمال بسيط، مع عائد ربحي كبير بعد مدة قصيرة من الانطلاق.

وأثبتت الإحصاءات أن سوق المؤسسات الناشئة "الستارت أب" في العالم العربي وحتى في الجزائر ازدهر وتطور، ومن لم يتمكن من إطلاق شركته فعلياً فهو في مرحلة التفكير أو التخطيط، لدرجة أن البعض أطلقوا على هذه الظاهرة "موضة البيزنس"، وما لاحظته عند الطلبة الجامعيين هو نمو حس ريادة الأعمال والنفور من الوظيفة، فمعظم الطلبة وشباب اليوم لم تعد تقنعهم الوظيفة لا مادياً ولا نفسياً، وحتى من توجه إليها منهم فهدفه تحصيل رأسمال يساعده في إطلاق مشروعه الخاص".

الوظائف التافهة

وفي تفسيره للأسباب الرئيسة التي تقف وراء موجة اهتمام الشباب بالمشاريع الخاصة، قال المتخصص بتحليل ظاهرة الاقتصاد غير المنظم الدكتور عبدالرحيم عبداللاوي، إن "هناك من كان مجبراً على إطلاق مشروعه الخاص بعد انتظاره لوظيفة في القطاع العام المليء بالوظائف التافهة وغير المنتجة والمرتبطة هيكلياً بأسعار النفط، وهو قطاع لم يعد قادراً على توفير مزيد من الفرص".
وشرح أن "مصطلح الوظيفة التافهة علمي، ويعني تلك المناصب التي تم الاستغناء عنها من قبل المجتمع الذي لا يشعر بغيابها، والتوظيف العمومي مليء بها". وأضاف عبدالرحيم أن "هناك شباباً طموحاً يبادر بالفعل، ويريد أن تكون له مشاريعه الخاصة، لا سيما في ظل ثورة التطبيقات التكنولوجية والتجارة الإلكترونية التي ولّدت روح المقاولاتية لدى الأفراد، وشجعتهم على كسر حاجز الخوف".
وتابع، "هذه الفئة تحدت العراقيل التي تعترض المشاريع وكذلك المناخ الاستثماري غير المساعد في الازدهار، وهي تقوم بروح المبادرة لتكون المنتج الفعلي للثروة، إذ يكفي فقط هذه الفئة معرفة أصول البزنس وآليات التفكير السليم للنجاح في الميدان".
وعلى الرغم من بروز جيل جديد يحاول فرض نفسه والبروز كقوة فاعلة قادرة على كسر الجمود وتغيير الأوضاع، إلا أن المجتمع الجزائري في مجمله ينظر بنوع من القصور تجاه "الشباب" الذي يمثل 70 في المئة من إجمالي عدد السكان (45 مليون نسمة).

ووعدت السلطات الجزائرية على لسان رؤساء ومسؤولين حكوميين خلال عقدين كاملين، بتسليم المشعل للشباب لبناء البلاد والإسهام في ازدهارها، لكنها لم تفعل بعد.

 

 

أحلام السودانيين تتبخر بحثاً عن وظائف

في المقابل، تشكّل الوظيفة في السودان أرقاً لمعظم الشبان من ناحية عدم توفرها بسهولة، وقلة المردود المادي للوظائف المتاحة، مما دفع شريحة كبيرة منهم إلى التمسك بأعمال هامشية حتى إيجاد فرصة عمل أو هجرة خارجية.

ويقول طارق مكي (25 عاماً)، إنه تخرج في الجامعة منذ ثلاثة أعوام، وتخصص في فرع الاقتصاد والعلوم السياسية، وظل يبحث عن وظيفة مناسبة في مجاله وبراتب مقبول لكن لم يوفق، لأن مسألة التوظيف تحتاج إلى علاقات وواسطة، لا سيما في المواقع المرموقة، ولذلك لجأ مكي إلى العمل في مجال العقارات كوسيط، على الرغم من أن هذا المجال لا علاقة له بمجال دراسته وطموحاته، وبعد أن اقتحم هذا المجال، فمن الصعوبة التفكير في أية وظيفة في أي قطاع حكومي أو خاص، لأن انهيار الجنيه السوداني وارتفاع الأسعار المستمر بشكل جنوني لا يمكن مجاراتهما، ويحتاج إلى دخل كبير غير متاح إلا من خلال العمل الحر أياً كان نوعه ومجاله.

وأضاف مكي، "معظم رفاقي يعيشون حال قلق نفسي لعدم وجود فرص وظيفية في ظل تصاعد كُلف الحياة وحاجاتهم اليومية، لذلك تجد معظم هؤلاء الشبان يتجمعون حول بائعات الشاي في الطرقات، خصوصاً في الأمسيات لقتل الوقت، فالوظيفة إذا وجدت فهي مجرد اسم، لأن عائدها لا يكفي 40 في المئة من حاجات الشخص من مواصلات وأكل وشرب".

تبخر الحلم

يقول أيمن عبدالمطلب (26 عاماً) الذي درس هندسة اتصالات، "لقد تخرجت في الجامعة قبل أربعة أعوام، وكانت أحلامي أن أجد وظيفة مهندس في قطاع الاتصالات أعمل فيها خمس أو ست سنوات، ومن ثم أهاجر إلى دول الخليج، لكن للأسف الشديد تبخر حلمي، فلم أحصل على الوظيفة حتى اللحظة، فكلما ذهبت إلى قطاع حكومي أو شركة في مجال الاتصالات لتقديم طلب للتوظيف أصاب بالإحباط، فهم إما يطلبون خبرة لا تقل عن ثلاث سنوات، وإما يعتذرون لعدم توفر وظائف، وعلى قلة وشح هذه الوظائف فإن عائدها المادي ضعيف جداً، وعلى الرغم من ذلك اتجهت للعمل في شركة متخصصة في تأمين الأطعمة لموظفي أحد المصانع تتبع أحد أقاربي، بدلاً من أن أظل عاطلاً من العمل، فالوظيفة معاناة لناحية صعوبة إيجادها، خصوصاً في مجال تخصصك الأكاديمي، وإن وجدت فهي لا ترضي الطموح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتابع عبد المطلب، "مرات كثيرة يصيبني الندم بأنني ضيعت أربع سنوات في الدراسة بمبالغ طائلة من دون أن أستفيد منها شيئاً، فمن المسؤول عن إهدار هذا الوقت الطويل وتلك المبالغ؟ أسئلة تراودني باستمرار، وحال اليأس والإحباط معاناة يعيشها معظم الشبان في بلادي، فهي كارثة حقيقية، فلا وظيفة مرضية ولا مشاريع مستقبلية خاصة تلوح في الأفق".

وجاهة اجتماعية

وفي سياق متصل، يشير المتخصص في إدارة الموارد البشرية، أبو العباس فضل المولى كجوك، إلى أن "مسألة التوظيف مشكلة كبيرة جداً، على الرغم من أن قضية البطالة يعانيها العالم أجمع، لكن بنسب متفاوتة من دولة إلى أخرى بحسب التخطيط الاقتصادي، وبلغت في السودان خلال السنوات الخمس الأخيرة 20 في المئة، وهي نسبة كبيرة، في حين لا تتجاوز في بعض الدول سبعة في المئة، فالتوظيف يرتبط ارتباطاً وثيقاً بحجم الاقتصاد واتجاهاته، ومعروف أن الاقتصاد يتكون من ثلاثة قطاعات رئيسة، زراعي وصناعي وخدمي، ففي السودان نجد أن غالبية العمالة تعمل في المجال الزراعي - النباتي، لكنه تراجع خلال السنوات الأخيرة بسبب عوامل خارجية منها السياسات وشح المحروقات، والدليل على ذلك تغطية البلاد حاجاتها من الخضراوات والفواكه بالاستيراد، أما فرص العمل في الشق الزراعي - الحيواني فمحدودة جداً، لأن هذا القطاع ينظر إليه كوجاهة اجتماعية، وليس مكوناً اقتصادياً".

وأضاف، "في ما يتعلق بالتوظيف في القطاع الصناعي، فإنه يعاني تحديات عدة أدت إلى توقف عدد من المصانع بسبب السياسات الاقتصادية العقيمة، فضلاً عن عدم توافر العملات الأجنبية وارتفاعها المستمر في مقابل الجنيه السوداني لاستيراد المواد الخام، مما أدى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج وقلة العمالة الماهرة، لأن معظم الشبان لا يلجأون إلى التعليم الفني، إذ ينظر إليه نظرة دونية، ويعتقد أن الحصول على البكالوريوس في العلوم النظرية والتطبيقية ذو قيمة اجتماعية أفضل، وكذلك الحال بالنسبة لقطاعات التعليم والصحة والتجارة العامة وغيرها، فهي أيضاً ليست أحسن حالاً من بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى من مختلف النواحي، إذ تواجه مشكلات وتحديات عدة، جعلتها غير قادرة على النهوض لسنوات طويلة، وبالتالي فوظائفها محدودة وغير جاذبة".

تحديات كبيرة

وذكر كجوك أن "التحديات التي تعترض التوظيف في البلاد كبيرة جداً، فالسودان يضم أكثر من 100 جامعة حكومية وخاصة، تخرّج أعداداً كبيرة من الشبان لسوق العمل، وفي المقابل فإن فرص التوظيف في القطاعين العام والخاص محدودة جداً، ولا يوجد توافق ولا تناغم بين مخرجات التعليم العالي من جهة، وحاجة سوق العمل من جهة ثانية، فالجامعات الحكومية، كونها تضم كليات عريقة، ظلت تراعي متطلبات سوق العمل السودانية إلى حد ما، في حين اتبعت الجامعات الخاصة سياسة التعليم التجاري بالتركيز على الكليات الأكثر طلباً لدى عامة الناس، مثل الطب والصيدلة والهندسة والحاسوب وإدارة الأعمال، مما أدى إلى عدم توازن بين مخرجات التعليم الجامعي وحاجة سوق العمل، إذ يتم تخريج أعداد كبيرة جداً من الطلاب في مجالات محددة لا تستطيع سوق العمل استيعابها".

ولفت إلى أن نسبة النمو في الوظائف بشكل عام ضعيفة جداً، في ظل الجمود العام في حركة الاقتصاد وما يشهده من عدم تطور، كما أن فرص التوظيف الخارجي لم تعد متوافرة ومتاحة لليد العاملة السودانية وخصوصاً شريحة الشبان، بالنظر إلى الظروف الاقتصادية التي تمر بها تلك البلدان، وآخرها جائحة كورونا التي قلصت أعداد العمالة بسبب تراجع أداء الشركات والمؤسسات الاقتصادية. وختم بأن واقع العمل في السودان يحتاج إلى سياسات ناهضة ومحفزة.

 

 

الوظائف الحكومية محط اهتمام الشباب العراقي​​​​​​​

وفي العراق، تحظى الوظائف الحكومية بالاهتمام الأكبر بين الشباب، ويعود ذلك إلى عوامل عدة على رأسها توفير وظائف القطاع العام الحماية للعاملين عبر تطبيق قوانين العمل والتقاعد والضمان الاجتماعي.
وتُعدّ صعوبة الحصول على وظائف من قبل الشباب أبرز محركات الاحتجاجات خلال السنوات الأخيرة، إذ يرى مراقبون أن البطالة والفقر مثّلا العاملين الرئيسين خلف اندلاع الانتفاضة العراقية في أكتوبر (تشرين الأول) 2019.

افتقار للقوانين الداعمة للقطاع الخاص

ويبدو أن عدم وجود قطاع خاص فاعل في البلاد يشكّل أحد الأسباب الأبرز في عدم توجه الشباب العراقي إلى البحث عن عمل فيه، إذ لم تفعل السلطة السياسية بعد عام 2003 قوانين تدعم هذا القطاع، على الرغم من الحديث المتكرر من الحكومات المتعاقبة في هذا السياق.
ويُرجع مراقبون عدم تفعيل القطاع الخاص إلى محاولة الفاعلين السياسيين الهيمنة على اقتصاد البلاد وإدارة عمليات الفساد، فضلاً عن استخدام الوظائف الحكومية كأداة لصناعة الناخبين.
وقالت أستاذة الاقتصاد سلام سميسم إن "الدافع الرئيس لتوجه الشباب العراقي نحو القطاع الحكومي ووظائف الدولة هو افتقار القطاع الخاص إلى ضمانات للعاملين فيه"، مبينة أنه "على الرغم من تشريع قوانين العمل والتقاعد والضمان الاجتماعي، إلا أنها لا تزال غير مفعّلة في القطاعات غير الحكومية".

وأضافت أن "شركات عدة مشمولة بقوانين العمل العراقية في القطاع الخاص تتلاعب بحقوق العاملين لديها، بسبب عدم وجود مساءلة قانونية". وفي شأن المحاكم المتخصصة بتوفير الحماية للعاملين، بيّنت سميسم أن "محاكم العمل والمحاكم الإدارية غير متطورة، وعاجزة عن ضمان حقوق العاملين في القطاع الخاص".

الوظيفة الحكومية وصناعة القواعد الانتخابية

ولعل السيطرة على الوظائف الحكومية من قبل الكتل السياسية تمثل أبرز معرقلات نشوء قطاع خاص في العراق، بحسب سميسم، التي أشارت إلى أن "الغايات الانتخابية كانت السبب الرئيس خلف السيطرة على الوظائف الحكومية، وعدم تفعيل أي منافذ أخرى لتوظيف الشباب".

ولفتت إلى أن "استخدام الوظائف الحكومية لإنشاء القواعد الانتخابية أدى إلى عرقلة الفاعلين السياسيين لأية قطاعات أخرى تسهم في توظيف الشباب العراقي"، مضيفة أن "المواسم الانتخابية والتظاهرات تشهد أعلى نسب التوظيف في القطاعات الحكومية".
وتابعت، "القطاع الخاص في العراق غير مفعّل وضعيف ومرتبط بالقطاع العام الذي تسيطر عليه الحكومة والقوى السياسية الرئيسة، فالبيروقراطية والفساد من أبرز الأسباب التي تمنع نشوء قطاع خاص فاعل في البلاد".

 واعتبرت أن "ارتباط الحياة الاقتصادية في العراق منذ عام 2003 بالموازنة العامة والاعتماد شبه الكلي على النفط، أدى إلى تدهور القطاع الخاص"، عازية ذلك إلى "إرادة صانعي القرار السياسي بالهيمنة على الاقتصاد واستخدام الموازنة لإدارة عمليات الفساد والمحسوبية".

البحث عن "الأمان الاقتصادي"

وعلى الرغم من قلة الوظائف الحكومية نظراً إلى العدد الهائل من الموظفين في القطاعات العامة، إلا أنها لا تزال تحظى بالأولوية لدى الشباب، لأسباب عدة أبرزها خضوعها للقوانين التي تحمي حقوق العمال.
ويقول الشاب العراقي العاطل من العمل، علي حسين ، إن "معظم الشباب يبحثون عن العمل في القطاع الحكومي لأسباب ترتبط بالأمان الاقتصادي"، مبيناً أن "شركات القطاع الخاص قليلة ومن الممكن أن تسرّح العاملين فيها من دون أية روادع قانونية".

وأضاف أن "الإشكال الأكبر الذي يقف في طريق الباحثين عن وظيفة حكومية هو عدم استيعاب القطاع الحكومي للعدد الكبير من الشباب الراغبين في العمل، إضافة إلى احتكار تلك الوظائف من قبل الأحزاب السياسية أو من خلال دفع مبالغ كبيرة من الذين يودون أن يتوظفوا".

تسعيرة للوظائف الحكومية

وتحظى الوظائف في الدوائر الأمنية بالإقبال الأكبر على الرغم من خطورتها في كثير من الأحيان، نظراً إلى توفيرها رواتب أعلى من بقية مؤسسات الدولة. ويتحدث عدد من العراقيين عن تسعيرة للوظائف الحكومية تتفاوت من مؤسسة إلى أخرى، بحسب قيمة الرواتب، وتكاد تلك التسعيرة تكون شبه معلنة، إذ تبدأ ببضعة آلاف الدولارات في الوظائف البسيطة وتصل إلى نحو 20 ألف دولار في الوظائف ذات المردود المالي العالي.
وقال الشاب علي حسين إن "عدداً من الشباب دفعوا آلاف الدولارات للحصول على وظائف حكومية، إلا أن الرائج في ما يتعلق بأعلى التسعيرات هو للوظائف الأمنية والوزارات والمؤسسات ذات الرواتب العالية، ومن بينها وزارة النفط".

أما وهب أياد، وهو صاحب محل تجاري، فقال إن "معظم الشباب الذين يعملون لدينا سرعان ما يتركون العمل في حال حصولهم على وظيفة حكومية"، مبيناً أن "الحصول على التقاعد" يمثل الهدف الرئيس لكثير من الباحثين عن فرص العمل.

ولفت إلى أن "التقاعد ليس مجزياً، لكنه يوفر ضمانة لكل الباحثين عن عمل في العراق، خصوصاً مع الوضع الاقتصادي المربك بشكل دائم في البلاد".

عدد هائل لموظفي الدولة

وكان عدد موظفي الدولة العراقية خلال العام 2003 نحو 850 ألف موظف، إلا أن هذا العدد استمر بالازدياد حتى وصل إلى أكثر من 4 ملايين موظف العام 2020، إضافة إلى نحو 3.5 مليون متقاعد.
وكان وزير المالية علي علاوي قال في أكتوبر (تشرين الأول) 2020 إن "عدد موظفي الدولة العراقية ربما يكون 4.5 مليون موظف"، وأضاف في مقابلة متلفزة أن "الرأسمال البشري في البلاد أقل من أية دولة في الشرق الأوسط، فإنتاج الموظف والعامل والمدير أدنى".